جهود زهير البلوي وحسان بن النعمان في حركة فتوحات الشمال الإفريقي

استكمال الفتوحات في الشمال الإفريقي بقيادة زهير البلوي وحسان بن النعمان:

اهتم عبد الملك بن مروان بعد أن تولى أمر الخلافة بأحوال المسلمين في إفريقية؛ ولذلك أرسل جيشًا إلى زهير وأمره بالخروج على أعنّة الخيل فيمَن معه مِن المسلمين لغزو إفريقية حتى يعود إليها الإسلام كما كان، وبالفعل تحرك زهير نحو القيروان، وهنا اقترح كسيلة على جيشه الخروج من القيروان واختيار موضع آخر لمواجهة جيش زهير الذي أمده به عبد الملك بن مروان، فقال كسيلة: “إني أردتُ أن أرحل إلى ممس فأنزلها، فإن هذه المدينة (يعني القيروان) فيها خلق عظيم من المسلمين ولهم علينا عهد فلا نغدر بهم، ونحن نخاف إذا التحم القتال أن يثبوا علينا”.

وبالفعل تحرك كسيلة وجيشه إلى ممس فلحق به زهير، والتقى الجيشان ودارت بينهما معركة قاسية شديدة، وفي هذه المعركة انتصر المسلمون وانهزم كسيلة، وواصل زهير رحلته الجهادية حتى استشهد زهير البلوي في معركة مع البيزنطيين في مدينة درنة بشرق ليبيا ودفن مع أصحابه، وقبورهم هناك معروفة إلى اليوم، وتسمَّى: “مقبرة الشهداء”، وكان ذلك عام 71 هـ.

وكان وقع استشهاد زهير بن قيس البلوي ورفاقه عظيمًا على الخليفة عبد الملك بن مروان؛ لذلك نراه يجهِّز جيشًا كبيرًا قوامه نحو أربعين ألف مقاتل غالبيتهم من أهل الشام، وعهد بقيادته إلى حسان بن النعمان الغساني الذي كان رجلًا ورعًا تقيًّا، يدل على ذلك تسميته بـ(الشيخ الأمين)، وقد أقرَّ الخليفةُ عبد الملك حسانَ بن النعمان أن يقيم بمصر استعدادًا لإنجاز مهمته.

قال ابن الأثير عن ذلك الجيش وهو يصف رحلته الجهادية: “فلما قتل ابن الزبير واجتمع المسلمون على عبد الملك، جهَّز جيشًا كثيرًا، فلما ورد القيروان تجهز منها وسار إلى قرطاجنة، وكان صاحبها أعظم ملوك إفريقية، ولم يكن المسلمون قط حاربوها، فلما وصل إليها رأى بها من الروم والبربر ما لا يحصى كثرة، فقاتلهم وحصرهم وقتل منهم كثيرًا، فلما رأوا ذلك اجتمع رأيهم على الهرب، فركبوا في مراكبهم، وسار بعضهم إلى صقلية، وبعضهم إلى الأندلس، ودخلها حسان بالسيف، فسبى ونهب، وقتلهم قتلًا ذريعًا، وأرسل الجيوش فيما حولها، فأسرعوا إليه خوفًا، فأمرهم فهدموا من قرطاجنة ما قدروا عليه، ثم بلغه أن الروم والبربر قد اجتمعوا له في صَطْفُورَةَ وَبَنْزِرْتَ، وهما مدينتان، فسار إليهم وقاتلهم، ولقي منهم شدة وقوة، فصبر لهم المسلمون، فانهزمت الروم وكثر القتل فيهم، واستولوا على بلادهم، ولم يترك حسان موضعًا من بلادهم إلا وطأه، وخافه أهل إفريقية خوفًا شديدًا، ولجأ المنهزمون من الروم إلى مدينة باجة، فتحصنوا بها، وتحصن البربر بمدينة بونة، فعاد حسان إلى القيروان لأن الجراح قد كثرت في أصحابه، فأقام بها حتى صحوا.

ولما صلح الناس قال حسان: “دلوني على أعظم مَن بقي من ملوك إفريقية”، فدلوه على امرأة تملك البربر تعرف بالكاهنة، وكانت تخبرهم بأشياء من الغيب؛ ولهذا سميت الكاهنة، وكانت بربرية، وهي بجبل أوراس، وقد اجتمع حولها البربر بعد قتل كسيلة، فسأل أهل إفريقية عنها، فعظموا محلها وقالوا له: “إن قتلتها لم تختلف البربر بعدها عليك”، فسار إليها، فلما قاربها هدمت حصن باغية ظنًّا منها أنه يريد الحصون، فلم يعرج حسان على ذلك وسار إليها، فالتقوا على نهر نيني، واقتتلوا أشد قتال رآه الناس، فانهزم المسلمون وقتل منهم خلق كثير، وانهزم حسان وأسر جماعة كثيرة أطلقتهم الكاهنة، سوى خالد بن يزيد القيسي، وكان شريفًا شجاعًا، فاتخذته ولدًا، وسار حسان حتى فارق إفريقية، وأقام وكتب إلى عبد الملك يعلمه الحال، فأمره عبد الملك بالمقام إلى أن يأتيه أمره.  

فأقام بمدينة برقة خمس سنين، فسمِّي ذلك المكان: “قصور حسان” إلى الآن، وملكت الكاهنة إفريقية كلها، وأساءت السيرة في أهلها وعسفتهم وظلمتهم، ثم سيَّر إليه عبد الملك الجنود والأموال، وأمره بالمسير إلى إفريقية وقتال الكاهنة، فأرسل حسان رسولًا سرًّا إلى خالد بن يزيد، وهو عند الكاهنة بكتابٍ يستعلم منه الأمور، فكتب إليه خالد جوابه في رقعة يُعرفه تفرق البربر، ويأمره بالسرعة، فسار حسان بجيشه، فلما علمت الكاهنة بمسيره إليها قالت: “إن العرب يريدون البلاد والذهب والفضة، ونحن إنما نريد المزارع والمراعي، ولا أرى إلا أن أخرب إفريقية حتى ييأسوا منها”، وفرَّقت أصحابها ليخربوا البلاد، فخربوها وهدموا الحصون ونهبوا الأموال، وهذا هو الخراب الأول لإفريقية.

فلما قرب حسان من البلاد لقيه جمع من أهلها من الروم يستغيثون من الكاهنة، ويشكون إليه منها، فسره ذلك وسار إلى قَابِسَ، فلقيه أهلها بالأموال والطاعة، وبلغ الكاهنة قدومه، فأحضرت ولدين لها وخالد بن يزيد، وقالت لهم: إنني مقتولة، فامضوا إلى حسان، وخذوا لأنفسكم منه أمانًا، فساروا إليه وبقوا معه، وسار حسان نحوها، فالتقوا واقتتلوا، واشتد القتال، وكثر القتل حتى ظن الناس أنه الفناء، ثم نصر الله المسلمين، وانهزم البربر وقُتلوا قتلًا ذريعًا، وانهزمت الكاهنة، ثم أُدركت فقُتلت.

ثم إن البربر استأمنوا إلى حسان، فأمنهم وشرط عليهم أن يكون منهم عسكر مع المسلمين عدتهم اثنا عشر ألفًا يجاهدون العدو، فأجابوه إلى ذلك، فجعل على هذا العسكر ابني الكاهنة.

ثم فشا الإسلام في البربر، وعاد حسان إلى القيروان في رمضان من تلك السنة، وأقام لا ينازعه أحدٌ إلى أن توفي عبد الملك([1]).

وهكذا كان نصر حسان على الكاهنة حاسمًا في تاريخ المغرب، وتوالت بعد ذلك الفتوحات، ثم وضع حسان سياسة دعوية تهدف إلى دخول الناس في الإسلام، فكان حسان حريصًا على هداية الناس، وهي نفس السياسة التي سار عليها أبو المهاجر وهي تأليف البربر وإشراكهم في الفتوح، ولعله توسع في ذلك بإدخالهم في الجيش على نطاقٍ واسعٍ؛ ولذا نراه قد أمَّن البربر وجعلهم ينضمون إلى جيوش المسلمين، وعهد إلى ولدي الكاهنة بالقيادة بعد إسلامهما، وجعل كلَّ واحد منهم على ستة آلاف جندي، وجعلهم يقاتلون الروم ومَن كفر البربر.

واستقر حسان بالقيروان عام 82 هـ، وعمل على تفعيل المساواة بين البربر والعرب المسلمين، ثم اعتنى بالتنظيم الإداري في المغرب خلال مدة إقامته: (82هـ – 85هـ)؛ فقد أنشأ الديوان أو ديوان الجند، وهو سجل يُحفظ فيه أسماء المقاتلين وأنسابهم وصفاتهم، ومقدار أعطياتهم، ونظَّم ديوان الخراج وقام بتحديد الجزية والخراج.

كما قام حسان كذلك ببناء دارٍ لصناعة السفن، وأنشأ مدينة إسلامية ثانية “وهي تونس”، والتي أصبحت رباطًا يحمي القيروان ومحرسًا للبحر، ومينًاء جديدًا للبلاد، وصارت ثانية العواصم الإفريقية.

واهتم بالقيروان؛ فجدد بناء مسجدها أحسن مما كان عليه أيام عقبة، واهتم بتعليم البربر مبادئ الإسلام، وترك معهم ثلاثة عشر رجلًا من علماء التابعين يعلمونهم القرآن وشرائع دينهم، وبثَّ الدعاةَ في مختلف القبائل لنشر الإسلام بين البربر، وهكذا عمل حسان على تنظيم بلاد المغرب([2]).

([1]) الكامل في التاريخ (3/417).

([2]) فتوح مصر والمغرب (ص 201)، البيان المغرب (1/43)، الدولة الأموية عوامل الازدهار وتداعيات الانهيار (2/18).

مقالات ذات صلة:

Scroll to Top
Send this to a friend