د. زين العابدين كامل يكتب: قراءة حول مشاركة بعض العلماء في بعض الثورات

قراءة حول مشاركة بعض العلماء في بعض الحركات الثورية

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،

فلقد حفل التاريخ الإسلامي بكثير من من الثورات وحركات المعارضة، ولقد حفظت لنا كتب التاريخ والتراث، أحداث حركات المعارضة بكافة أنواعها عبر العصور المختلفة، ولقد تباينت ردود أفعال العلماء تجاه الحركات الثورية، بين مؤيد ورافض لها ، وسنضرب مثالين لمشاركة بعض العلماء في بعض الثورات، ثم نسلط الضوء على مشاركتهم بالتعليق والتحليل.

أولًا: مشاركة بعض العلماء في ثورة عبد الرحمن بن الأشعث عام 81هـ:

إن ثورة أو فتنة ابن الأشعث، هي إحدى الثورات القوية التي قام بها أهل العراق ضد الدولة الأموية، وقد وقعت في عصر عبد الملك بن مروان، وقد قام أهل العراق بهذه الثورة على واليهم الحجاج بن يوسف، والتفوا جميعًا حول عبد الرحـمن بن الأشعث([1]) الذي تولى قيادة تلك الثورة.

بداية الأحداث:

كان الحجاج قد أرسل جيشًا قويًّا بلغ عدده أربعين ألف مقاتل من أهل البصرة والكوفة، بقيادة عبد الرحمن بن الأشعث لقتال رتبيل ملك سجستان الذي امتنع عن دفع الجزية، وبالفعل تحرك الجيش بقيادة ابن الأشعث لتأديب رتبيل، وكان ذلك عام 80هـ، وقد استطاع الجيش أن يحقق نصرًا عظيمًـا في بلاد الترك وتمكن من السيطرة على بعض البلاد، وكان ابن الأشعث كلما فتح بلدًا عين عليها نائبًا، وأوغل جدًّا في بلاد رتبيل وغنم كثيرًا من الأموال والبقر والغنم([2])، ثم رأى ابن الأشعث أن يتوقف عن التوغل في تلك البلاد حتى يصلحوا ما بأيديهم من البلاد المفتوحة، وأن يقيموا في هذه البلاد حتى يتقووا إلى العام المقبل، فكتب إلى الحجاج بذلك، فكتب إليه الحجاج يستهجن رأيه في ذلك ويستضعف عقله ويصفه بالجبن والنكول عن الحرب، ويأمره حتمًـا بدخول بلاد رتبيل، ثم أردف ذلك بكتاب ثانٍ ثم ثالث مع البريد، وكتب في جملة ذلك: «يا ابن الحائك الغادر المرتد، امضِ إلى ما أمرتك به من الإيغال في أرض العدو وإلا حل بك ما لا يطاق». ثم هدده بالعزل، وكان الحجاج يبغض ابن الأشعث ويقول: «هو أهوج أحمق حسود، وأبوه الذي سلب أمير المؤمنين عثمان ثيابه وقاتله، ودل عبيد الله بن زياد على مسلم بن عقيل حتى قتله».

وكان عبد الرحمن يشعر بأن الحجاج يبغضه، وكان يضمر للحجاج السوء ويتمنى زوال الملك عنه، وهنا غضب ابن الأشعث من كتاب الحجاج وقال: «يكتب إليَّ بمثل هذا وهو لا يصلح أن يكون من بعض جندي ولا من بعض خدمي لخوره وضعف قوته»، ثم إن ابن الأشعث جمع رءوس أهل العراق وقال لهم: «إن الحجاج قد ألح عليكم في الإيغال في بلاد العدو، وهي البلاد التي قد هلك فيها إخوانكم بالأمس، وقد أقبل عليكم فصل الشتاء والبرد، فانظروا في أمركم، أما أنا فلست مطيعه ولا أنقض رأيًا رأيته بالأمس»، ثم قام فيهم خطيبًا فأعلمهم بما كان رأى من الرأي له ولهم، فثار إليه الناس فقالوا: «بل نأبى على عدو الله، ولا نسمع له ولا نطيع»([3]).

ثم قاموا إلى عبد الرحمن بن الأشعث فبايعوه بدلًا من الحجاج، ولم يذكروا خلع عبد الملك بن مروان، ثم سار ابن الأشعث بالجنود الذين معه مقبلًا من سجستان إلى الحجاج ليقاتله ويأخذ منه العراق، فلما توسطوا الطريق قالوا: «إن خَلْعنا للحجاج خلع لابن مروان» فخلعوهما وجددوا البيعة لابن الأشعث، فبايعهم على كتاب الله وسنة رسوله، وخلع أئمة الضلالة، وهناك من بايع ابن الأشعث بالإمارة ولم يبايعه بالخلافة لأنه من غير قريش فلا يجوز مبايعته، ومن هنا بدأت ثورة ابن الأشعث، وتعد هذه الثورة هي أخطر الثورات التي قامت على الدولة الأُموية، ثم سار الجيش في طريقه إلى العراق قاصدًا الحجّاج، فلما جاء الْخَبَرُ الْحَجّاجَ كتب إلى عبد الملك يخبره بالأمر ويطلب منه المدد ويستعجله في بعثه الجنود إليه، وجاء الحجاج حتى نزل البصرة.

وقوع القتال بين الطرفين:

ثم أخذ عبد الملك في تجهيز الجنود من الشام إلى العراق في نصرة الحجاج وتجهيزه في الخروج إلى ابن الأشعث، وجعلت كتب الحجاج لا تنقطع عن عبد الملك بخبر ابن الأشعث صباحًا ومساءً، أين نزل ومن أين ارتحل، وجعل الناس يلتفون حول ابن الأشعث من كل جانب، حتى قيل إنه سار معه ثلاثة وثلاثون ألف فارس، ومائة وعشرون ألف راجل، وخرج الحجاج في جنود الشام من البصرة نحو ابن الأشعث، وقد قرر الحجاج مواجهة ابن الأشعث، ومن معه قبل دخولهم العراق، فأرسل الكتائب تلو الكتائب، ولكن لم تستطع إيقاف زحف ابن الأشعث فهزمها، وتقدم حتى دخل البصرة بعد أن خرج منها الحجّاج فارًا بنفسه ومن معه من أهل الشام، ونزل بالزاوية([4]).

وفي شهر المحرم عام 82هـ، كانت وقعة الزاوية بين ابن الأشعث والحجاج، وكان أول يوم لأهل العراق على أهل الشام، ثم اشتد القتال بين الطرفين، قال الواقدي: «ولما التقى جيش الحجاج وجيش ابن الأشعث بالزاوية جعل جيش الحجاج يحمل عليهم مرة بعد مرة، فقال القراء: «أيها الناس ليس الفرار من أحد بأقبح منكم فقاتلوا عن دينكم ودنياكم». وقال سعيد بن جبير نحو ذلك، وقال الشعبي: «قاتلوهم على جورهم واستذلالهم الضعفاء وإماتتهم الصلاة»، ثم قاتلوا فانهزموا،ولم يقاتلوا كثيرًا، علمًـا بأن هناك طائفة كبيرة من أهل العلم والصلاح قد اشتركوا في ثورة ابن الأشعث بسبب ظلم الحجاج وانتهاكه للحرمات.

وكان ابن الأشعث يحرض الناس على القتال، فلما رأى ما الناس فيه أخذ من اتبعه وانسحب، ثم رجع ابن الأشعث بمن بقي معه ومن تبعه من أهل البصرة، فسار حتى دخل الكوفة فبايعه أهل الكوفة ولحق به كثير من أهل البصرة، وانضم إليه أهل المسالح([5]) والثغور([6]). وقد قيل: إن الحجاج قتل يوم الزاوية أحد عشر ألفًا([7])، ثم كانت وقعة دير الجماجم في شعبان من نفس السنة.

ولما رأى أهل الشام وبنو أمية قوة ابن الأشعث أشاروا على عبد الملك بعزل الحجّاج وقالوا: «إن كان إنما يرضي أهل العراق أن تنزع عنهم الحجّاج فانزعه عنهم، تخلص لك طاعتهم»، فبعث عبد الملك ابنه عبد الله وأخاه محمد بن مروان بالجيش إلى العراق وأمرهما أن يعرضا على أهل العراق نزع الحجّاج عنهم، وأن يجري عليهم العطاء، وأن ينزل ابن الأشعث أي بلد شاء من العراق ويكون واليًا، فإن قبلوا ذلك نزعنا عنهم الحجّاج ويكون محمد بن مروان مكانه على العراق، وإن أبوا فالحجّاج أمير الجميع وولي القتال([8])، وبالفعل عرض عبد الله بن عبد الملك ومحمد بن مروان الأمر على أهل العراق، فقالوا: «ننظر في أمرنا غدًا ونرد عليكم الخبر عشية» وكانت نتيجة المشاورات؛ رفض العرض المقدم من عبد الملك، بل طالبوا بخلعه. وبدأ الفريقان يستعدان للقتال، واجتمع أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل الثغور والمسالح بدير الجماجم والقراء من أهل المصرين لقتال الحجاج، وجاءت الحجاج أيضًا أمداده من قِبَل عبد الملك، واشتد القتال بين الفريقين، واستمر القتال لعدة أشهر حتى حلت الهزيمة بابن الأشعث في الرابع من جمادى الآخرة سنة 83هـ، ثم دارت معركة أخرى بعدها في مسكن في شعبان من نفس السنة، فهزم ابن الأشعث أيضًا، ثم ولى هاربًا إلى رتبيل في سجستان، ولكن الحجّاج هدد رتبيل إن لم يسلم إليه ابن الأشعث ليغزون بلاده بألف ألف مقاتل، فرضخ للتهديد وعزم على تسليمه إليه، فلما أحسَ ابن الأشعث بغدر رتبيل ألقى بنفسه من فوق القصر الذي كان فيه، فمات فأخذ رأسه وأرسلها إلى الحجّاج وكان ذلك سنة 85هـ. وقيل: إن رتبيل أرسله مقيدًا إلى الحجاج فلما قرب ابن الأشعث من العراق، ألقى نفسه من قصر خراب أنزلوه فوقه فهلك. وقيل: إنه أُصيب بمرض السُل حتى مات فأرسل رتبيل رأسه إلى الحجاج، وهكذا انتهت حياة ابن الأشعث الذي قاد أخطر ثورة ضد عبد الملك بن مروان، أريقت فيها دماء عشرات الألوف من المسلمين.

أسباب مشاركة بعض العلماء وأهل الفضل في ثورة ابن الأشعث:

لقد شارك عدد كبير من أهل الفضل في ثورة ابن الأشعث، منهم العلماء، ومنهم القُراء، ومنهم العُباد والزُهاد المشهورين بكثرة التعبد، ومنهم من كان يحرض على الحجاج، ولكنه لم يخرج مع ابن الأشعث ولم يبايعه. ويذكر «خليفة بن خياط» أن عددهم بلغ خمسمائة عالم، ولعل هذا العدد يشمل العلمـاء والقراء وأهل الصلاح([9])، فقد ذكر الذهبي أن أنس بن مالك  الصحابي الجليل قد كان ممن يؤلب على الحجّاج ويدعو إلى الانضمام إلى ابن الأشعث([10])، ويذكر ابن كثير أن الحجاج توهم أن أنس بن مالك كان له مداخلة في الأمر([11]ومن الذين شاركوا: أبو الشعثاء، سليم بن أسود المحاربي  ، فقد شارك مع ابن الأشعث، وقيل: قتل يوم الزاوية. وعبد الرحمن بن أبي ليلى  ، كان من كبار المشاركين في تلك الحركة المحرضين على القتال فيها، وتوفي بوقعة الجماجم، حيث اقتحم به فرسه الفرات فغرق  رحمه الله تعالى ـ([12]وكذا الإمام الشعبي حيث قال: «فلم أزل عنده أي الحجّاج بأحسن منزلة حتى كان شأن ابن الأشعث، فأتاني أهل الكوفة، فقالوا: يا أبا عمرو، إنك زعيم القراء، فلم يزالوا حتى خرجت معهم»، ومنهم سعيد بن جبير ممن شارك مع ابن الأشعث وكان يحرض على القتال، ونجا من القتل وتوارى عن الحجّاج مدة، ولكن تمكن منه عندما قبض عليه والي مكة وأرسله إليه، فقتله الحجّاج سنة 94هـ.

وقد كان لـمشـاركة العلمـاء في هــذه الحركة  بهذا الحجم  أثر كبير على الحركة، كما كان للعلماء المشاركين أثر كبير في ميدان القتال، فكانت لهم كتيبة خاصة بهم تسمى: «كتيبة القراء»، وقد لقي الحجّاج وجيشه عنتًا ومشقة من كتيبة القراء، هذا وقد انضم إلى ابن الأشعث طوائف كثيرة وفئات متنوعة تحركها دوافع مـختلفة، ولكن الدوافــع التي حــركت العلمـاء كــانت دوافــع شرعية بحسب ما وصل إليه اجتهادهم، وقد كان القاسم المشترك لكل هذه الدوافع شخصية الحجّاج الظالمة، الجائرة المتغطرسة، المتعطشة لسفك الدماء؛ ولذلك كــــان العلمـاء ينقمون على الحجّاج تعديه لأعظــــم الحدود في الإســــلام وانتهاكه لحرماته، وتساهله في سفك الدماء، وكانوا ينقمون عليه سوء معاملته وظلمه للجميع بمن فيهم العلمـاء.

معارضة بعض العلماء لثورة ابن الأشعث:

هناك طائفة أخرى من العلماء عارضوا الثورة واعتزلوها ولم يروا المشاركة فيها، ومن أبرز هؤلاء: أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي، وأبو قلابة الجرمي، فلم يشارك وكان يعتب على غيره ممن شارك، ومنهم: إبراهيم النخعي؛ فلم يشارك، وكان يعيب على سعيد بن جبير مشاركته فيها. وقد قيل له: «أين كنت يوم الزاوية؟ قال: في بيتي. قالوا: فأين كنت يوم الجماجم؟ قال: في بيتي. قالوا: فإن علقمة شهد صفين مع علي. فقال: بخ بخ من لنا مثل علي بن أبي طالب ورجاله»، وممن لم يشارك في حركة ابن الأشعث: أيوب السختياني. ومنهم: طلق ابن حبيب، فكان معتزلًا الفتنة وكان يقول: «اتقوها بالتقوى». ومنهم: مطرف ابن عبد الله الشخير؛ فقد امتنع عن المشاركة في هذه الفتنة، وحين جاءه ناس يدعونه للمشاركة امتنع، فلمـا أكثروا عليه قال: «أرأيتم هذا الذي تدعوني إليه، هل يزيد على أن يكون جهادًا في سبيل الله؟ قالوا: لا. قال: فإني لا أخاطر بين هلكة أقع فيها وبين فضل أصيبه»، ومنهم: مـجاهد بن جبر، ويقال: ابن جبير، فإنه لم يشارك وحين دعي للمشاركة قال لمن دعاه: «عُده بابًا من أبواب الخير تخلفت عنه»، ومنهم: خيثمة بن عبد الرحمن الجعفي، ومحمد بن سيرين، ويُعد الحسن البصري واحدًا من العلمـاء الثقات الذين عايشوا هذه الفتنة، لكنه كان يدعو إلى جمع الكلمة وتوحيد الصف، وينهى عن الإثارة والفرقة، ويدعو إلى السمع والطاعة للولاة، وكان يرى وجوب الموازنة بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ووحدة الجماعة.

ولقد عاصر الحسن البصري معظم فترات الحكم الأموي، وتأثر بالواقع السياسي في هذه الفترة، فأصبح يمثل مدرسة سياسية في عصره، فهو يرى أن حكم بني أمية فيه ظلم وجور، ولكنهم في نفس الوقت يملكون القوة العسكرية، وموازين القوى في صالحهم، كما أن الفئة الراغبة في التغيير والشاكية من الظلم، ينقصها التنظيم والإعداد والقوة والصبر، ويرى أن الذين يحملون راية الخروج على حكم بني أمية إما مخلص لدينه، ولكنه لا يصلح للحكم ولا يقدر على إحداث التغيير، وإما رجال يستخدمون الدين والدعوة للتغيير لأغراض دنيوية، منها حبهم للسلطة والحكم، فليسوا بأحسن حال من الأمويين، وكان إذا قيل له: «ألا تخرج فتغير» فكان يقول: «إن الله إنمـا يغير بالتوبة ولا يغير بالسيف»، ومن أقواله: «يا أيها الناس إنه والله ما سلط الله عليكم الحجّاج إلا عقوبة، فلا تعارضوا عقوبة الله بالسيف، ولكن عليكم بالسكينة والتضرع». وقدم عليه جماعة من العلماء يناقشونه في الخروج مع ابن الأشعث على الحجّاج، ويحاولون إقناعه بالخروج مع ابن الأشعث على الحجّاج، ولكنه رفض الخروج وقال: «أرى ألا تقاتلوه، فإنها إن تكن عقوبة من الله؛ فمـا أنتم برادي عقوبة الله بأسيافكم»، ولكنهم لم يسمعوا كلامه ولم يأخذوا برأيه، فخرجوا مع ابن الأشعث فقتلوا جميعًا([15]).

ثانيًا: ثورة زيد بن علي بن الحسين رضي الله عنه في عصر هشام بن عبد الملك عام (122 هـ – 741 م):

لقد ظهرت في العصر الأموي، حركة معارضة جديدة؛ يقودها زيد بن على بن الحسين ([16])، ولقد نشأ زيد بالمدينة، وكانت آنذاك منارة العلم بمن كان فيها من الصحابة والتابعين، فحفظ القرآن وتعلم العلوم الشرعية، ولقد نشأ زيد وشب وترعرع في بيت من بيوت العلم، عامر بميراث النبوة، فوالده كان من كبار التابعين وساداتهم دينًا وعلمًا، وعاش مع والده ثماني عشرة سنة من حياته، تربى خلال هذه الفترة على التدين وحسن الخلق والتمسك بالقرآن وسنة النبي صلى الله عليه وسلم. .

وبعد وفاة والده انتقلت كفالته إلى أخيه الأكبر محمد الباقر، وهو المعروف بزهده وورعه وتقواه، ولقد أثرت هذه البيئة الخيّرة الطيبة في قلب زيد وغرزت فيه تقوى الله ــ ويقول زيد عن نفسه: «والله ما كذبت كذبة مُنذ عرفت يميني من شمالي، ولا انتهكت محرمًا لله مُنذ أن عرفت أن الله يؤخذاني»([17]).

ولقد أثنى العلماء عليه كثيرًا، فيقول أبو إسحاق السبيعي: «رأيت زيد بن علي فلم أرَ في أهله مثله، ولا أعلم منه ولا أفضل». وقال أبو حنيفة: «شاهدت زيدًا بن علي كما شاهدت أهله، فمـا رأيت في زمانه أفقه ولا أعلم»، وقال عنه الشعبي: «ما ولدت النساء أفضل من زيد بن علي، ولا أفقه ولا أشجع ولا أزهد»([18]).

وهذه تزكية معتبرة من علماء أهل السُّنَّة تدل على أنه أحد أعلام مدرسة أهل السُّنَّة والجماعة، فزيد تعددت مفاخره وكثر الثناء عليه ممن عاصره([19]).

أسباب خروج زيد بن علي على هشام بن عبد الملك:

لا شك أن حادثة استشهاد الحسين  ، قد شكلت تحديات حقيقية أمام الدولة الأموية، وكانت هذه الحادثة هي إحدى الروافد التي ساعدت على قيام الثورات ضد الأمويين، بل قد أثرت حادثة مقتل الحسين على المجتمع الإسلامي بصفة عامة، وقد استمر تأثير هذه الحادثة لمدة قرون طويلة، بل إلى يومنا هذا، وكانت هذه الحادثة من الأسباب التي أدت إلى خروج زيد بن علي، فلقد تأثر بما حدث لأهل بيته من تقتيل وتشريد، وقتل جده الحسين بن علي ، وقد ساهمت أسباب أخرى عديدة في خروجه على هشام بن عبد الملك، ومن هذه الأسباب: تعرضه لبعض الإهانات من بعض ولاة هشام بن عبد الملك، بل ومن هشام نفسه؛ وتغير حكم الشورى إلى حكم الملك العضوض مع مجيء الأمويين، ثم شعوره بالمظالم الواقعة على الناس، وللمنكرات التي انتشرت في زمانه.

ومن الأسباب التي ساعدت على خروج زيد أيضًا: أن البيئة بالكوفة كانت مناسبة للثورة، وفيها أتباع أهل البيت المؤيدون لأحقية أهل البيت بالخلافة، الكارهون لحكم بني أمية؛ هذا وقد حدثت عدة اتصالات بين أهل الكوفة وزيد عام (121هـ – 740م)، وبالفعل قدِم زيد الكوفة وأقام بها مستخفيًا ينتقل في المنازل، وأقبلت الشيعة تختلف إليه تبايعه، فبايعه جماعة منهم وكانت بيعته: «إنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه  ، وجهاد الظالمين والدفع عن المستضعفين، وإعطاء المحرومين، وردّ المظالم، ونصْر أهل البيت، أتبايعون على ذلك؟ قالوا: نعم، فبايعه خمسة عشر ألفًا. وقيل: أربعون ألفًا»، فأمر أصحابه بالاستعداد، فأقبل من يريد أن يفي له ويخرج معه ويستعدّ ويتهيّأ، فشاع أمره في الناس([20]).

وتتلخص أهداف زيد في العودة إلى الكتاب والسنة، وجهاد الظالمين، والدفع عن المستضعفين، وإعطاء المحرومين، وردّ المظالم ونصرة أهل البيت؛ هذه هي الأهداف التي نهض لمثلها زيد، وأيدها الإمام جعفر الصادق، والإمام أبو حنيفة([21]).

وقد اعترض بعض الناس على خروج زيد، منهم: عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب فقد كتب كتابًا إلى زيد جاء فيه: «أما بعد، فَإِنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ نَفْخُ الْعَلَانِيَةِ، خَوَرُ السَّرِيرَةِ، هَرَجٌ فِي الرَّخَاءِ، جَزَعٌ فِي اللِّقَاءِ، تَقَدَمُهُمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَلَا تُشَايِعُهُمْ قُلُوبُهُمْ، وَلَقَدْ تَوَاتَرَتْ إِلَيَّ كُتُبُهُمْ بِدَعْوَتِهِمْ، فَصَمَمْتُ عَنْ نِدَائِهِمْ، وَأَلْبَسْتُ قَلْبِي غِشَاءً عَنْ ذِكْرِهِمْ يَأْسًا مِنْهُمْ وَاطِّرَاحًا لَهُمْ، وَمَا لَهُمْ مَثَلٌ إِلَّا مَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: «إِنْ أُهْمِلْتُمْ خُضْتُمْ، وَإِنْ حُورِبْتُمْ خِرْتُمْ، وَإِنِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى إِمَامٍ طَعَنْتُمْ، وَإِنْ أَجَبْتُمْ إِلَى مَشَاقَّةٍ نَكَصْتُمْ»([22]). وجاء داود بن علي ناصحًا لزيد قال: «يا ابن عمّ إن هؤلاء يغرّونك من نفسك، أليس قد خذلوا من كان أعز عليهم منك جّدك علي بن أبي طالب حتى قتل؟ والحسن من بعده بايعوه ثّم وثبوا عليه فانتزعوا رداءه وجرحوه؟ أو ليس قد أخرجوا جّدك الحسين وحلفوا له وخذلوه وأسلموه ولم يرضوا بذلك حتى قتلوه؟ فلا ترجع معهم». وجاء كذلك سلمة بن كُهَيْل فذكر لزيد قرابته من رسول الله ـ وحقّه، فأحسن ثم قال له: «ننشدك الله كم بايعك؟ قال أربعون ألفًا. قال: فكم بايع جَدَّك؟ قال: ثمانون ألفًا. قال: فكم حصل معه؟ قال: ثلاثمائة. قال: نشدتك الله أنت خير أم جَدّك؟ قال: جدّي. قال: فهذا القرن خير أم ذلك القرن؟ قال: ذلك القرن. قال: أفتطمع أن يَفي لك هؤلاء وقد غدر أولئك بجّدك؟ قال: قد بايعوني ووجبت البيعة في عنقي وأعناقهم»([23]).

واستمر زيد في حشد الأنصار، وكانت الأجهزة الأمنية الأموية تتابع الأحداث ومجريات الأمور.

مشاركة بعض العلماء في ثورة زيد بن علي:

وفي المقابل: اشترك عدد من أهل الفضل في ثورة زيد، وقيل: إن أبا حنيفة ـ كان يحرض على الخروج، فعن عبد الله بن مالك بن سليمان قال: «أرسل زيد إليه يدعوه إلى البيعة فقال: لو علمت أن الناس لا يخذلونه كما خذلوا أباه لجاهدت معه؛ لأنه إمام حق، ولكني أعينه بمالي»، فبعث إليه بعشرة آلاف درهم، وقال للرسول: «ابسط عذري عنده». وفي رواية: «اعتذر إليه بمرض يعتريه». ولا مانع من الجمع بين الروايتين، وقد سُئل عن خروجه فقال: «ضاهى خروج رسول الله يوم بدر»، فقيل له: لمَ تخلفت؟ قال: «حبسني عنه ودائع الناس عرضتها على ابن أبي ليلى فلم يقبل فخفت أن أموت مجهلًا»، وكان كلما ذكر خروجه بكى([24]). وكذا منصور بن المعتمر، فقد ورد أنه كان يحرض على الخروج مع زيد، فعن عقبة بن إسحاق قال: «كان منصور ابن المعتمر يأتي زبيد بن الحارث، فكان يذكر له أهل البيت ويعصر عينيه يريده على الخروج أيام زيد بن علي»([25]).

الشيعة الروافض ينشقون عن زيد ويغدرون به:

ولما أمر أصحابه بالاستعداد للخروج، وأخذ من كان يريد الوفاء له بالبيعة يتجهزّ وصل الأمر إلى والي العراق يوسف بن عمر، فاستنفر أجهزة الدولة للقضاء على زيد، وعندما خرج زيد بن علي بن الحسين على هشام بن عبد الملك، فأظهر بعض من كان في جيشه من الشيعة الطعن على أبي بكر وعمر فمنعهم من ذلك، وأنكر عليهم فرفضوه، فسموا بالرافضة، وسميت الطائفة الباقية معه بالزيدية.

مقتل زيد بن علي:

لقد عزم زيد على الخروج بمن بقي معه من أصحابه، فواعدهم ليلة الأربعاء من مستهل صفر عام 122هـ، فبلغ ذلك يوسف بن عمر، فكتب إلى نائبه على الكوفة وهو الحكم بن الصلت يأمره بجمع الناس كلهم في المسجد الجامع، فجمع الناس لذلك في يوم الثلاثاء، قبل خروج زيد بيوم، ثم نادى مناديه: «أَلَا إن الأمير يقول: من أدركناه في رحله فقد برئت منه الذمة، ادخلوا المسجد الأعظم». وخرج زيد ليلة الأربعاء في برد شديد، ورفع أصحابه النيران، وجعلوا ينادون: «يا منصور… يا منصور»([26])، فلما طلع الفجر وقد اجتمع معه مائتان وثمانية عشر رجلًا، فجعل زيد يقول: «سبحان الله! أين الناس؟ فقيل: هم في المسجد محصورون». وكتب الحكم إلى يوسف يعلمه بخروج زيد بن علي، فبعث إليه سرية إلى الكوفة، وركبت الجيوش مع نائب الكوفة، وجاء يوسف بن عمر أيضًا في طائفة كبيرة من الناس، والتقى الطرفان وانتصر زيد في بداية الأمر، وكلما لقي طائفة هزمهم، وجعل أصحابه ينادون: «يا أهل الكوفة اخرجوا إلى الدين والعز والدنيا، فإنكم لستم في دين ولا عز ولا دنيا»، ثم لما أمسوا انضم إليه جماعة من أهل الكوفة، وقد قُتل بعض أصحابه في أول يوم، فلما كان اليوم الثاني اقتتل هو وطائفة من أهل الشام فقتل منهم سبعين رجلًا، وانصرفوا عنه بشر حال، ثم عبأ يوسف بن عمر جيشه جيدًا، ثم أصبحوا فالتقوا مع زيد فكشفهم حتى أخرجهم إلى السبخة([27])، ثم شد عليهم حتى أخرجهم إلى بني سليم، ثم تبعهم في خيله ورجله، ثم اقتتلوا قتالًا شديدًا جدًّا، حتى كان جنح الليل رُمي زيد بسهم فأصاب جانب جبهته اليسرى فوصل إلى دماغه، فرجع ورجع أصحابه، وأُدخل زيد في دار وجيء بطبيب فانتزع ذلك السهم من جبهته، فما عدا أن انتزعه حتى مات من ساعته ـ([28])، فدفنوه في ساقية ماء وجعلوا على قبره التراب والحشيش خوفًا من أن يمثل الوالي الأموي بجثته، ولكن تم الوصول إلى قبره فنبشوا قبره وصُلب جثمانه، وأرسل يوسف برأسه إلى هشام([29]).

ولما وصل رأس زيد إلى هشام استاء من قتله وكان لا يحب القتل([30])، وبعد مقتل زيد توجه ابنه يحيى إلى خراسان، فأقام بها مدة إلى حين وفاة هشام بن عبد الملك، وولاية الوليد بن يزيد، فخرج، وسرعان ما قُتل أيضًا، ويرى الذهبي أن يحيى قُتل بخراسان في عهد هشام([31]). وقال الليث بن سعد: «قُتل يحيى سنة (125هـ -743م)» وقد تأثر هشام لمقتل زيد ويحيى ودخله من مقتلهما أمر شديد حتى قال: «وددت لو كنت افتديتهمـا». وهكذا انتهت ثورة زيد بن علي سريعًا كما بدأت سريعًا.

قراءة وتحليل لموقف العلماء من الثورتين:

رأينا كيف تباينت آراء العلماء وردود أفعالهم خلال أحداث الثورتين، فمنهم من أيد وحرض ، ومنهم من شارك بالفعل، ومنهم من نهى عن المشاركة.

فلقد اجتهد العلماء حسب علمهم ورؤيتهم وتصورهم للواقع، فمنهم من أصاب ومنهم من أخطأ.

ولكن يبدو من تتبع الأحداث، أن بعض القواعد الشرعية كانت غائبة عن كثير من أهل العلم الذين شاركوا أو أيدوا وحرضوا، فلم يفكروا في مآلات الأمور، ولم يحسنوا الترجيح بين المصالح والمفاسد، فالشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فلابد من مراعاة قاعدة: «تفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما». وقاعدة: «ارتكاب أخف المفسدتين لتفويت أشدهما»، وقاعدة: «اعتبار المآلات»، وقاعدة:” النظر في القدرة والعجز، وموازين القوى”، لكن من الواضح أن مبايعة أهل العراق لابن الأشعث جاءت في لحظات سيطرت فيها العاطفة الثورية، ولم تكن نتيجة معرفة تامة بالواقع وموازين القوى الحقيقية، رغم أن ثورتهم كادت أن تحقق هدفها، وهو عزل الحجاج، إلا أنهم لم يحسنوا التعامل مع الواقع، وهنا يلاحظ: أن الحماس الممزوج بالعاطفة لا يتلاءم مع منهجية التغيير الصحيحة، فلقد توحد هؤلاء وتجمعوا يرفعون بعض الشعارات الممزوجة بأحلام اليقظة، يدفعهم الحماس وتحركهم العاطفة، دون معرفة وبصيرة بحقائق الواقع ومآلات الأمور وعواقبها، فقد أصبح العلماء يسيرون في طريق غير واضح المعالم، سوى تحقيق الانتصار على جيوش الأُمويين.

ولكن ماذا بعد الانتصار؟ من سيتولى أمر الأمة؟ هل سيستسلم أهل الشام؟

وماذا عن بقية الأقطار الإسلامية التابعة للخلافة الأموية؟

وماذا عن القوة العسكرية والجيوش التابعة لبني أمية في البلاد المختلفة؟

كل هذه الأسئلة وغيرها لم تُدرس دراسة متأنية، بل لعلها لم تدرس أصلًا!

وهكذا كان الحال بالنسبة لزيد بن علي بن الحسين وأتباعه، رغم كثرة النصائح التي وُجهت له، إلا أنه أبى إلا الخروج.

ولذا نقول: أن مسألة خلع السلاطين والولاة؛ تدور حول اعتبار المصالح والمفاسد في المقام الأول، ولذلك يقول قال شيخ الإسلام: «وَقَلَّ مَنْ خَرَجَ عَلَى إِمَامٍ ذِي سُلْطَانٍ إِلَّا كَانَ مَا تَوَلَّدَ عَلَى فِعْلِهِ مِنَ الشَّرِّ أَعْظَمَ مِمَّا تَوَلَّدَ مِنَ الْخَيْرِ»، وقال في «منهاج السنة»: «وأما أهل الحرة، وابن الأشعث، وابن المهلب وغيرهم فهُزموا وهُزم أصحابهم، فلا أقاموا دينًا ولا أبقوا دنيا”. اهـ. وذلك لأن أغلب من يشاركون في الحركات الثورية من أجل التغيير، لا يلتفتون إلى ما ذكرنا من قواعد، ولا شك أن سفك الدماء المعصومة مع بقاء المنكرات كما هي، فيه عدم تقدير للمصالح والمفاسد.

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- في شرح العقيدة السفارينية: “(وشرطه): أي شرط الإمام الذي يكون خليفة على المسلمين -وعدد شروطًا-… ومنها: (الإسلام): وهذا لابد منه، فلا يمكن أن يتولى على المسلمين غير مسم أبدًا، بل لابد أن يكون مسلمًا؛ فلو استولى عليهم كافر بالقهر، وعندهم فيه مِن الله برهان أنه كافر؛ بأن يعلن أنه يهودي أو نصراني مثلاً، فإن ولايته عليهم لا تنفذ ولا تصح، وعليهم أن ينابذوه، ولكن لابد مِن شرط مهم وهو القدرة على إزالته، فإن كان لا تمكن إزالته إلا بإراقة الدماء وحلول الفوضى؛ فليصبروا حتى يفتح الله لهم بابًا؛ لأن منابذة الحاكم بدون القدرة على إزالته لا يستفيد منها الناس إلا الشر والفساد والتنازع، وكون كل طائفة تريد أن تكون السلطة حسب أهوائها… ثم قال: ولابد أن يكون على دراية ومعرفة بالسياسة، ومعرفة بالأحوال حتى يدير الحكم على ما تقتضيه الشريعة، وتقتضيه المصالح أ.هـ،

ومع ذلك هناك من استطاع التغيير عبر التاريخ، كما قامت بعض الدول التي استقلت عن الخلافة العباسية،وذلك خلال مرحلة ضعف الدولة والخليفة، وكذلك قيام صلاح الدين الأيوبي بإسقاط الدولة العبيدية الفاطمية، والدعاء للخليفة العباسي، فلقد حدث ذلك في عصر ضعف الدولة الفاطمية والحاكم العاضد بالله، وكذلك عندما تولى قطز السلطنة.

لما مات عز الدين أيبك»، ثم قتلت بعده زوجته «شجر الدر»،  تولى الحكم السلطان الطفل «المنصور نور الدين علي بن عز الدين أيبك»، ثم تولى «سيف الدين قطز» الوصاية على السلطان الصغير، وإن كان قطز يدير الأمور فعليًّا في مصر؛ إلا أن الذي يجلس على الكرسي سلطان طفل! ولا شك أن هذا يضعف من هيبة الحكم في مصر، ويزعزع من ثقة الناس بملكهم، ويقوي من عزيمة الأعداء إذ يرون الحاكم طفلًا.

وفي ضوء الخطر التتري الرهيب، والمشكلات الداخلية الطاحنة، وثورات بعض المماليك، وأطماع بعض الأمراء لم يجد قطز أي معنى لأن يبقى السلطان الطفل «نور الدين علي» على كرسي أهم دولة في المنطقة، وهي مصر، والتي لم يعد هناك أمل في صد التتار إلا فيها، فتم مبايعة قطز ليتولى الأمر في مصر، وتم عزل السلطان الطفل وقد تم ذلك في اجتماع حضره كبار أهل الرأي من العلماء والقضاة.

وهكذا اجتهد العلماء في الخروج فمنهم من أصاب ومنهم من أخطأ، وقد ترتب على فشل ثورة ابن الأشعث ازدياد ظلم الحجاج وبطشه، والتنكيل بكل من شارك في الثورة، واشتد أكثر في تضييقه على العلماء؛ فقتل من قتل منهم، وسجن من سجن منهم، وهرب منه من استطاع؛ فضلًا عن الدماء التي سُفكت من الطرفين، وقد ترتب على ثورة زيد بن علي؛ مقتله وسفك دماء الكثير من أتباعه أيضًا، وذلك رغم علمه وفضله وتقواه وورعه. هذا وقد نَدَمْ كثيرٌ من العلماء على مشاركتهم في ثورة ابن الأشعث؛ فهذا طلحة ابن مصرف يقول: «شهدت الجماجم، فما رميت، ولا طعنت، ولا ضربت، ولوددت أن هذه سقطت هنا ولم أكن شهدتها»([32]).

وعن محمد بن طلحة قال: «رآني زبيد اليامي مع العلاء بن عبد الكريم ونحن نضحك فقال: لو شهدت الجماجم ما ضحكت، ولوددت أن يدي ـــــ أو قال يميني ـــــ قطعت من العضد وأني لم أكن شهدت»([33])، كما ندم عقبة بن عبد الغافر على مشاركته في القتال كذلك، وغيرهم من العلماء.

عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، قَالَ: لَمَّا انْجَلَتْ فِتْنَةُ ابْنِ الأَشْعَثِ كُنَّا فِي مَجْلِسٍ وَمَعَنَا مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ، فَقَالَ مُسْلِمٌ: ” الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْجَانِي مِنْ هَذِهِ الْفِتْنَةِ، فَوَاللَّهِ مَا رَمَيْتُ فِيهَا بِسَهْمٍ، وَلا طَعَنْتُ فِيهَا بِرُمْحٍ، وَلا ضَرَبْتُ فِيهَا بِسَيْفٍ “قَالَ أَبُو قِلابَةَ: فَقُلْتُ لَهُ: فَمَا ظَنُّكَ يَا مُسْلِمُ بِجَاهِلٍ نَظَرَ إِلَيْكَ؟ فَقَالَ: ” وَاللَّهِ مَا قَامَ مُسْلِمٌ هَذَا الْمَقَامَ إِلا وَهُوَ يَرَاهُ عَلَيْهِ حَقًّا، فَقَتَلَ أَوْ قُتِلَ “. قَالَ: فَبَكَى، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ لا أَكُونَ قُلْتُ لَهُ شَيْئًا”. اهـ. (إسناده صحيح، أخرجه عبد الرزاق في مصنفه)

ولقد أحدثت تلك الثورات تغييرًا في منازل العلماء و مراتبهم، فلقد علت منزلة العلماء الذين اعتزلوا تلك الفتنة ولم يشاركوا فيها، وقد ظهر أنهم كانوا على الحق، عندما امتنعوا عن المشاركة، بل وحرضوا الناس على ذلك أيضًا، فعن ابن عون قال: «كان مسلم بن يسار أرفع عند أهل البصرة من الحسن حتى خف مع ابن الأشعث وكف الحسن، فلم يزل أبو سعيد ـــــ يعني الحسن ـــــ في علو منها»([34]).

وضوح منهج التغيير الصحيح:

لقد أوضحت حركة ابن الأشعث بعد أحداثها المؤلمة؛ وكذلك ثورة زيد بن علي بن الحسين،: ما هو السبيل الأمثل للتغيير؟ فهناك من كان يرى استخدام القوة وحمل السيف لتغيير الجور والظلم الواقع من بعض الولاة، ولا يرى سبيلًا غير ذلك، ولكن بعد أن انتهت الأحداث وقُتل من قُتل، وفَرَّ مَنْ فَرْ، اتضحت الرؤية الصحيحة؛ ولذلك قال ابن تيمية عقب الحديث عمَّـا حدث من فتن وقعت باجتهاد من بعض أهل العلم والصلاح: كخروج الحسين بن علي ، وفتنة خروج أهل المدينة، ووقعة الحرّة، وفتنة ابن الأشعث وغيرها ـــــ قال: «ولهذا استقر مذهب أهل السُّنَّة على ترك القتال في الفتنة للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ـــــ ☺ ـــــ ، وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم، ويأمرون بالصبر على جَوْرِ الأئمة وترك قتالهم»([35]).

وأخيرًا: لا شك أن حلم التغيير يراود كثيرًا من المخلصين العاملين لدين الله، ويتمنى هؤلاء تغيير الواقع المملوء بالظلم وانتشار المنكرات، ويتمنى هؤلاء لو حَكَّمُوا شرع الله في كل شؤون الحياة، ولكن يتحتم على الجميع أن يكون على دراية كافية بمنهج التغيير الصحيح الموافق للضوابط الشرعية والقواعد التي ذكرناها آنفًا، وكما قال تعالى { فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ}.

 

  1. () عبد الرحمن بن محمد الكندي كان قائدًا عسكريًّا أمويًّا من أهل الكوفة وأشرافها، وقد ضم عددًا كبيرًا من البلدان لصالح الدولة الأموية، ولد عبد الرحمن في الكوفة في بيت من أشرافها، فأبوه: محمد بن الأشعث، أحد وجوه كندة، وأمه: أم عمران بنت سعيد بن قيس الهمداني، و قد وُلِدَ مترفًا غنيًّا.
  2. () «البداية والنهاية» (9/35)، «تاريخ الطبري» (6/330).
  3. () «البداية والنهاية» (9/37)
  4. () الزاوية: لفظ يطلق على عدة أماكن، والمراد به هنا موضع قرب البصرة. «معجم البلدان» (3/ 128).
  5. () مَسالِحُ: جمع مَسلَحة. والمَسْلَحُ: القومُ المسلَّحون في ثغرٍ أَو مخفرٍ.
  6. () «تاريخ الإسلام» (6/5).
  7. () «تاريخ الرسل» (6/380).
  8. () «تاريخ الرسل والملوك» (7/245).
  9. () «تاريخ خليفة» (ص 286، 287).
  10. () «سير أعلام النبلاء» (4/ 179).
  11. () «البداية والنهاية» (9/89).
  12. () «الطبقات» (6/ 113).
  13. () «سير أعلام النبلاء» (4/ 575)، «الطبقات الكبرى» (7/ 172)، «موسوعة فقه الحسن البصري» (1/ 11).
  14. () هو زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ـــــ ╚ ـــــ ، وهو بذلك ينتسب من قِبل أبيه إلى علي بن أبي طالب ابن عم الرسول ـــــ ☺ ـــــ ، وإلى فاطمة بنت رسول الله ـــــ ☺ ـــــ ، وكان يكنى أبا لحسين، وهو من رجال الطبقة الثالثة من أهل المدينة.
  15. () «الروض النضير» (ص 128).
  16. () «الحياة السياسية والفكرية للزيدية في المشرق الإسلامي» (ص 37).
  17. () «الإمام زيد: حياته وعصره» (ص 42-54) «تاريخ الدولة العربية ـــــ تاريخ صدر الإسلام والدولة الأموية» (ص 267).
  18. () «الكامل في التاريخ» (3/ 374).
  19. () «تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي» (ص 556).
  20. () «الكامل في التاريخ» (3/ 374).
  21. () «الكامل في التاريخ» (3/ 374).
  22. () «الجواهر المضية في طبقات الحنفية» (1/496).
  23. () «سير أعلام النبلاء» (5/ 294).
  24. () «تاريخ الرسل» (7/188).
  25. () موضع بالبصرة. «معجم البلدان» (3/183).
  26. () «البداية والنهاية» (9/330).
  27. () «تاريخ الملوك والرسل» (8/ 60).
  28. () «الدولة الأموية» (ص 290).
  29. () «سير أعلام النبلاء» (5/391).
  30. () «سير أعلام النبلاء» (5/ 192).
  31. () «تاريخ خليفة» (ص 287).
  32. () «الطبقات الكبرى» (7/ 165).
  33. () «منهاج السنة» (4/ 529، 530).

 

مقالات ذات صلة:

Scroll to Top
Send this to a friend