مقالات تاريخية

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (42) موقف أهل الشام مِن بيعة ابن الزبير

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فنستعرض في هذا المقال موقف أهل الشام مِن بيعة أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما-، وكيف تمت بيعة مروان بن الحكم في بلاد الشام.

موقف أهل الشام مِن بيعة ابن الزبير:

إن تنازل معاوية بن يزيد قد أحدث أزمة في الشام، فقد كان أخوه خالد بن يزيد صبيًّا صغيرًا، وكان أمر ابن الزبير قد استفحل وبايع له الناس مِن أنحاء الدولة، فرأى فريقٌ مِن جند الشام على رأسهم الضحاك بن قيس أمير دمشق أن يبايعوا لابن الزبير، وحتى مروان بن الحكم(1) كبير بني أمية فكَّر في الذهاب إلى ابن الزبير ليبايعه ويأخذ منه الأمان، ولكن سائر الجند والقادة بزعامة حسان بن مالك زعيم القبائل اليمنية الذين كانوا أقوى المؤيدين لبني أمية وهم أخوال يزيد رفضوا أن يخرج الأمر عن بني أمية وأن يبايعوا لابن الزبير، وهناك روايات تذكر أن مروان بن الحكم كان قد عزم على مبايعة ابن الزبير؛ لولا أن تدخل عبيد الله بن زياد وغيره في آخر لحظة وأثنوه عن عزمه، وأقنعوه أن يدعو لنفسه ولبث الشام ستة أشهر بدون إمام؛ نظرًا للاختلاف الشديد الذي وقع بيْن القبائل.

وأخيرًا: اتفق القوم على أن يعقدوا مؤتمرًا للشورى؛ ليبحثوا فيه مَن يصلح للخلافة، وحتى يصلوا في ذلك إلى قرارٍ، وانعقد المؤتمر في الجابية، وكانت أهم قرارات مؤتمر الجابية -بلدة مِن أعمال دمشق مِن ناحية الجولان قرب مرج الصفّر في شمالي حوران-، عدم مبايعة ابن الزبير, واستبعاد خالد بن يزيد بن معاوية مِن الخلافة؛ لأن البعض كان ينادي ببيعته، فتم استبعاده؛ لأنه صغير السن, ومبايعة مروان بن الحكم وهو الشيخ المحنك, ونجح مروان في لم الشمل بالشام بعد معركة مرج راهط(3)، وقد نجح كذلك في إعادة مصر إلى الحكم الأموي(2).

ثم دعا مروان بن الحكم بعد ذلك إلى أن يعهد لابنيه عبد الملك وعبد العزيز وذلك سنة 65هـ، ولم تدم مدة حكمه طويلًا، فقد توفي مروان بن الحكم بدمشق لثلاث خلون مِن شهر رمضان سنة 65هـ وهو ابن ثلاث وستين سنة, وصلى عليه ابنه عبد الملك, وكانت مدة حكمه تسعة أشهر وثمانية عشر يومًا (تاريخ الرسل والملوك للطبري).

ونستكمل في المقال القادم -بمشيئة الله تعالى-.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هو مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن شمس بن عبد مناف القرشي الأموي، أبو عبد الملك، ويقال: أبو الحكم، ويقال: أبو القاسم، وهو صحابي عند طائفة كثيرة؛ لأنه وُلِدَ في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم-، أما ابن سعد فقد عَدَّه في الطبقة الأولى مِن التابعين.

روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- حديثًا في صلح الحديبية، والحديث في صحيح البخاري عن مروان والمسور بن مخرمة، كما روى مروان عن عمر وعثمان، وكان كاتبَه -أي كان كاتب عثمان-، وروى عن علي وزيد بن ثابت، وروى عنه ابنه عبد الملك وسهل بن سعد، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعلي بن الحسين (زين العابدين) ومجاهد وغيرهم.

كان مروان بن الحكم مِن سادات قريش وفضلائها، وقد قاتل مروان يوم الدار قتالاً شديدًا، وقَتَلَ بعض الخارجين على عثمان، وكان على الميسرة يوم الجمل، وكان علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- يكثر السؤال عن مروان حين انهزم الناس يوم الجمل، يخشى عليه مِن القتل، فلما سُئِلَ عن ذلك قال: إنه يعطفني عليه رحم ماسة، وهو سيد مِن شباب قريش.

كان مروان قارئًا لكتاب الله، فقيهًا في دين الله، شديدًا في حدود الله، ومِن أجل ذلك: ولاه معاوية -رضي الله عنه- المدينة غير مرة، وأقام للناس الحج في سنين متعددة، كما كان مروان قضاءً يتتبع قضايا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، وكان جوادًا كريمًا فقد روى المدائني عن إبراهيم بن محمد عن جعفر بن محمد أن مروان أسلف علي بن الحسين -رضي الله عنهما- حين رجع إلى المدينة بعد مقتل الحسين -رضي الله عنه- ستة آلاف دينار، فلما حضرته الوفاة أوصى إلى ابنه عبد الملك أن لا يسترجع مِن علي بن الحسين شيئًا، فبعث إليه عبد الملك بذلك فامتنع مِن قبولها، فألح عليه فقبلها، وقال: الشافعي: إن الحسن والحسين كان يصليان خلف مروان ولا يعيدانها، ويعتدان بها. وكان مروان حكيمًا ذا عقلٍ وكياسةٍ، ومما يدل على حكمته وعقله أنه كان أثناء ولايته على المدينة إذا وقعت مشكلة شديدة جمع مَنْ عنده مِن الصحابة فاستشارهم فيها، وهو الذي جمع الصيعان فأخذ بأعدلها فنسب إليه الصاع، فقيل: صاع مروان (انظر سير أعلام النبلاء للذهبي (3/ 476)، والبداية والنهاية لابن كثير (8/ 260).

وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في فتح الباري: “مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية ابن عم عثمان بن عفان، يقال له رؤية، فإن ثبتت فلا يعرج على مَن تكلم فيه، وقال عروة بن الزبير: كان مروان لا يٌتهم في الحديث، وقد روى عنه سهل بن سعد الساعدي الصحابي اعتمادًا على صدقه وإنما نقموا عليه أنه رمى طلحة يوم الجمل بسهم فقتله ثم شهر السيف في طلب الخلافة حتى جرى ما جرى، فأما قتل طلحة فكان متأولًا فيه كما قرره الاسماعيلي وغيره، وأما ما بعد ذلك فإنما حمل عنه سهل بن سعد وعروة وعلي بن الحسين وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وهؤلاء أخرج البخاري أحاديثهم عنه في صحيحه لما كان أميرًا عندهم بالمدينة قبْل أن يبدو منه في الخلاف على ابن الزبير ما بدا، والله أعلم. وقد اعتمد حتى مالك على حديثه ورأيه والباقون سوى مسلم” (انتهى).

هذا وقدِ اختَلف العلماءُ في صِحَّة نِسبة رمْي مرْوان لطلحةَ يوم الجمل إلى فريقين: الفريق الأول: مَن ذهَب إلى أنَّ مَرْوان بنَ الحكَم ليس بقاتلِ طلحة بن عُبَيد الله، منهم: أبو بكر بن العربي وابن كثير، وظاهِر كلامِ ابنِ حزْم. واستدلوا: بأنَّه لم يصحَّ أثَر في قِصة رمْي مروان لطلحة. قال أبو بكر بن العربي: وقدْ رُوي أنَّ مروان لما وقعَتْ عينه في الاصطفافِ على طلحة، قال: لا أطلُب أثرًا بعد عَين، ورَماه بسهمٍ فقتَله، ومَن يعلم هذا إلاَّ علاَّمُ الغيوب؟! ولم ينقُلْه ثبْتٌ، وقد رُوي أنَّه أصابه سهمٌ بأمر مرْوان، لا أنَّه رماه، وقد خرَج كعبُ بن سور بمصحفٍ منشور بيدِه يُناشد الناسَ ألاَّ يريقوا دِماءَهم، فأصابه سهمٌ غرب فقتَلَه، ولعلَّ طلحةَ مِثله، ومعلومٌ أنَّه عند الفِتنة وفي ملحمة القتال، يتمكَّن أولو الإحَنِ والحقود، مِن حَلِّ العُرَى ونقض العهود، وكانت آجالاً حضرت، ومواعد انتجزَت.

وقال ابنُ كثير: يُقال: إنَّ الذي رماه بهذا السهم مَرْوان بن الحَكم، وقال لأبان بن عثمان: قدْ كفيتُك رجالاً مِن قتَلَةِ عثمان، وقد قيل: إنَّ الذي رماه غيرُه، وهذا عندي أقربُ، وإنْ كان الأوَّل مشهورًا، والله أعلم. الفريق الثاني: مَن ذهَب إلى أنَّ مرْوان بن الحَكم هو قاتلُ طلحة بن عُبيد الله، منهم: ابن قتيبة، والبلاذري وأحمد بن إسحاقَ اليعقوبي، وابن حِبَّان، والإسماعيلي والمطهِّر بن طاهِر، وابن عبد البر، والذَّهبي، والصَّفدي، وابن حجر العَسقلاني، والعيني، وابن تَغرِي بَرْدي، والسخاوي، وغيرهم، واستدلوا بوفرةِ وشُهرة الأدلَّة التي تناقلها المؤرِّخون.

(2) بعد السيطرة على الشام، خرج مروان بجيشه إلى مصر التي كانت قد بايعت عبد الله بن الزبير، فدخلها في غُرَّة جمادى الأولى سنة 65هـ، فأخذها من نائبها الذي كان لعبد الله بن الزبير، وهو عبد الرحمن بن جحدم، وولى ابنه عبد العزيز بن مروان عليها. وأقام مروان بن الحكم في مصر نحو شهرين ثم غادرها في أول رجب سنة 65هـ بعد أن وطَّد أمورها وأعادها ثانية للحكم الأموي (الكامل في التاريخ لابن الأثير (4/169)، والبداية والنهاية لابن كثير (11/ 679).

(3) انقسمت الشام معقل نفوذ الأمويين بيْن مبايعين لمروان بن الحكم ومبايعين لعبد الله بن الزبير، وعلى رأسهم: الضحاك بن قيس الذي سيطر على دمشق، وكان يَدعو لبيعة ابن الزبير، فهاجم مروان جيش الضحاك فواقعه بمرج راهط وهزمه، وقد استغرقت المعركة 20 يومًا، وانتهت بنصر مروان بن الحكم، ومقتل الضحاك، وكان ذلك في أواخر عام 64هـ (الكامل في التاريخ لابن الأثير (4/165)، والبداية والنهاية لابن كثير (11/ 669).

زر الذهاب إلى الأعلى