تاريخ مدينة قيسارية الفِلَسْطِينية

تاريخ مدينة قيسارية الفِلَسْطِينية

أشعر بالأسى والحزن وأنا أتحدث عن هذه المدينة، التي جهل تاريخها أكثر العرب، بل أكثر المسلمين؛ لذلك أردتُ أن أسلِّطَ الضوءَ على هذه المدينة التاريخية العربية الإسلامية العريقة، مدينة قيسارية الفِلَسْطِينية.

الجذور التاريخية لمدينة قيسارية:

قيسارية هي مدينة فِلَسْطِينية ساحلية، فهي تتمتع بموقع متميز، وهي تبعد عن مدينة حيفا بـ42 كم تقريبًا، ولقد تبوأت مدينة قيسارية الصدارة لمدة كبيرة من الزمن، علمًا بأن أول مَن سكن قيسارية هم العرب الكنعانيون، عندما هاجروا من شبه الجزيرة العربية إلى الأراضي المقدسة، وقد أطلقوا عليها في البداية اسم: (برج ستراتون)، وكان ذلك قبل الميلاد بـ 3000 عام تقريبًا، فقيسارية مدينة عريقة، تضرب بجذورها في عمق التاريخ، ونظرًا لأنها تشكِّل أهمية كبيرة بسبب موقعها الجغرافي المتميز على ساحل البحر المتوسط.

قيسارية في العصر اليوناني:

كانت في العصر اليوناني هي المركز الأول للدفاع عن الإمبراطورية اليونانية، فلقد اتخذها اليونانيون مركزًا للدفاع عن الساحل، ثم في آخر العصر اليوناني تم تدمير المدينة بسبب بعض الحروب والخلافات.

قيسارية في العصر الروماني:

ثم تم تعمير المدينة في العصر الروماني على يد القائد الروماني (بُومبي)، ثم في عصر الملك (هيرودس) أعاد تعميرها، وأعاد تشيدها مرةً أخرى، وسمَّاها: قيصارية – بحرف الصاد- (نسبة إلى أغسطس قيصر)، وكان هيرودس قد وضع أساس مدينة قيصارية بنفسه عام 22 ق . م، وقد استمر بناء مدينة قيسارية 10 سنوات، اعتبارًا من عام 22 ق .م، وحتى عام 12 ق . م، وأصبحت قيسارية في ذلك العصر مِن أهمِّ المدن الساحلية في فلسطين، لكن تعرضت قيسارية بعد ذلك لحادثٍ مؤلمٍ، فلقد تعرضت لزلزال عظيم، وكذا بعض المدن المحيطة بها، حتى إن بعضَ المدن قد تعرضت لخسف حدث في الأرض، وكانت قيسارية من المدن التي تأثرت بالخسف، وبذلك الزلزال، وكان ذلك في القرن السادس الميلادي.

قيسارية بين الفرس والروم:

تعرضت مدينة قيسارية بعد ذلك لهجومٍ من الفرس؛ فلقد قام الفرس بهجومٍ على فلسطين، واستولوا على كثيرٍ مِن المدن، وكان ذلك عام 613م، وكانت قيسارية من تلك المدن التي استولى عليها الفرس، ثم حررها هرقل عام 5 ه/ 627م، وظلَّت تحت يديه حتى الفتح الإسلامي، وهكذا نرى أن قيسارية مدينة تضرب بجذورها في عمق الحضارات، فقيسارية لها تاريخ مع الكنعانيين، ثم مع اليونانيين، ثم مع الفرس، ثم مع الروم، ومع ذلك فهي مجهولة لكثيرٍ من المسلمين!

قيسارية في العصر الإسلامي:

لقد قام عمرو بن العاص رضي الله عنه بمحاصرة قيسارية عام 13هـ / 634م، في بداية خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لكنها استعصت عليه ولم يستطع أن يفتحها، ولكن الله تعالى قد وَفَّق معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، ففتحها عام 19هـ / 640م، وكان ذلك بعد معركة قاسية جدًّا بين المسلمين وبين الروم، فجيش المسلمين كان تعداده 17ألف جندي، وجيش الروم تعداده 120 ألف جندي.

ويقال: إنه قُتِل من الروم 80 ألف جندي.

وقد صل خبر النصر إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلًا، ففرح عمر فرحًا شديدًا بفتح قيسرية، وخرج وأخذ ينادي في الناس ويكبر، ويقول: “الله أكبر، الله أكبر، فتحت قيسارية قسرًا”، وفَرِح المسلمون كذلك بفتح قيسارية، وخرج المسلمون في المدينة المنورة وهم في سعادةٍ بالغةٍ، يكبِّرون الله ويحمدونه على أن وَفَّق المسلمين لفتح قيسارية.

ثم في العصر الأموي وأثناء الانشغال بالخلاف الذي وقع بين أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير وعبد الملك بن مروان، استغل الرومان ذلك الخلاف، وقاموا بالهجوم على قيسارية، واستطاع الرومان أن يدخلوها ويستولوا عليها، بل ونهبوا ما فيها، وقاموا بهدم مسجدها الكبير الذي كان يجتمع فيه المسلمون لأداء الصلاة.

وهكذا دائمًا الخلاف يؤدي إلى الضعف؛ ولذا قال تعالى: ‏﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال: 46).

لكن بعد انتهاء الخلاف بين عبد الملك بن مروان ووفاة ابن الزبير رضي الله عنه، استطاع عبد الملك بن مروان أن يعيد تشييد المدينة، فأعاد بناءها وأعاد تشييدها، وأعاد إعمارها مرة أخرى.

ثم في العصر العباسي تعرَّضت المدينة للاحتلال الصليبي في القرن الخامس الهجري، ثم استردها المسلمون بعد ذلك بعد موقعة حطين، ثم وقعت في أسر الصليبين مرة أخرى، ثم استردها المسلمون، وهكذا ظلت مدينة قيسارية لفترة طويلة تارةً تكون في أيدي المسلمين والعرب، وتارةً أخرى في أيدي الصليبين، إلى أن استردها في النهاية الظاهر بيبرس من أيدي التتار عام 664 هـ / 1265م، وهذا يدل على القيمة التاريخية والحضارية لمدينة قيسارية.

وكانت النهاية لقيسارية: أن أقام اليهود عليها بعض المستعمرات عام 1370 هـ / 1951م، ولا يوجد من المدينة الآن إلا بعض الآثار فقط.

ولكن إذا طمس اليهود معالمها؛ فهي لا تزال في قلب التاريخ، وستظل قيسارية في القلوب ساكنة([1]).

  1. () الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي، نقلًا عن: موسوعة سفير للتاريخ الإسلامي (11/ 444)، وانظر: المركز الفلسطيني للإعلام.

 

مقالات ذات صلة:

Scroll to Top
Send this to a friend