د. زين العابدين كامل: الصراع بين الأصالة والمعاصرة

الصراع بين الأصالة والمعاصرة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،

لا شك أن تمسك الأمة المسلمة بدينها وثوابتها وهُويتها وتاريخها ولغتها، من أهم عوامل النصر والتمكين والنهضة، ولقد انطلقت الأمة الإسلامية نحو العالمية خلال القرون الأولى، وأنشأت مجدًا وصنعت حضارة، وقد شهد العالم الغربي بحضارة المسلمين وأشاد بها، لاسيما في بلاد الأندلس، وكذا خلال العصر العباسي في بغداد وغيرها، وكان أبناء الأمة آنذاك يتمسكون بأصول وثوابت الدين الإسلامي، فلم يتعارض التقدم الحضاري مع ثوابت الأمة ومعتقداتها، ثم ظهر جيل ينادي بمعاصرة الواقع، لاسيما الواقع الغربي الأوروبي، ومن هنا بدأ الصراع بين الأصالة والمعاصرة. ومن الجدير بالذكر أن الصراع بين من يتمسكون بالأصالة ومن ينادون بالمعاصرة والحداثة صراع قديم، وعلى سبيل المثال؛ إذا تأملنا حال مصر وتاريخها، نرى أن محمد على باشا قد أٌسند إليه أمر ولاية مصر عام 1805م، وكان فى الخامسة والثلاثين من عمره، وقد ذكرت بعض المصادر أنه كان أٌميًا لم يتعلم شيئًا من العلوم، فكان لا يقرأ ولا يكتب وقد قضى عمره تاجرًا للدخان، ثم انضم إلى الجند ،ولكنه كان يتحلى بقدر كبير من الذكاء والفطنة، فلقد استطاع أن يخدع من حوله
؛ ومن هؤلاء السيد عمر مكرم أكبر قائد للمشايخ والجماهير آنذاك، وكانت النهاية هى نفي عمر مكرم إلى دمياط عام 1809م، أى بعد الولاية بأربع سنوات، ولما قامت الدعوة السلفية فى أرض الجزيرة العربية على يد مؤسسها محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، تصدى لها محمد علي وكان ذلك بالتنسيق الكامل مع دار الخلافة العثمانية، وبالفعل دارت الحرب لمدة ثماني سنوات، وانتهت عام 1819م، وهكذا كانت المحاولات للقضاء على أى يقظة تقوم فى الأمة، ثم كانت فكرة البعثات العلمية المتنوعة؛ وفى الحقيقة هى كانت عبارة عن تخطيط لأهداف بعيدة المدى ،فكانت أول بعثة عام1826م، تتكون من أربعة وأربعين من الطلاب، ومعهم إمامهم الذى يصلي بهم ويراقب أحوالهم، رفاعة الطهطاوي؛ وقد كان الطهطاوي رجلا ذكيًا محبًا للعلم والأدب، وتم اختياره عام 1826م، وهو فى الخامسة والعشرين من عمره لهذة البعثة، وقضى رفاعة ست سنوات فى فرنسا، قضى منها ثلاث سنوات فى تعلم اللغة الفرنسية، ثم درس فى الثلاث الأخرى التاريخ والجغرافيا والفلسفة والآداب الفرنسية، وبعد عودته تم تأسيس مدرسة الألسن التى أحدثت قدرًا كبيرًا من التغريب فى مصر؛ وذلك عن طريق العلوم والمناهج التى تٌدرس فيها، وتبع الطهطاوي كثيرون ممن نادوا بضرورة الاتجاه الكامل الى الحضارة الغربية من أمثال (علي مبارك) و (إبراهيم أدهم) و (صالح مجدي) و (محمد عثمان جلال) و (عبد الله أبو السعود) و (عبد الله فكري) وغيرهم، ولقد استطاع محمد علي أن ينهض بمصر عسكريًا وتعليميًا وصناعيًا وزراعيًا وتجاريًا، لكنه نجح أيضا فى قضية التغريب وإنشاء المحافل الماسونية، وهى القنطرة التى تم العبور عليها إلى طريق الصهيونية العالمية، وقد نجح الفرنسيون ببعض الحيل فى ضم بعض المشايخ المصريين إلى هذة المحافل التى أسسها كليبر عام 1800م، ومن هؤلاء الشيخ حسن العطار وغيره، وهكذا هى خطوات التغريب تحبو وتتقدم شيئًا فشيئًا.

ولذلك عندما جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر، في صفرعام ( 1213هـ / يوليو 1798م) كان من اهدافها القضاء على الأزهر وعلمائه، لاسيما الذين تصدوا للحملة الفرنسية، ولذلك أصدر نابليون أوامره بقصف الجامع الأزهر وبعض الأحياء المجاورة له، بل ودخلت خيول الفرنسيين الجامع الأزهر، وعاثوا فيه فسادًا؛ ثم عمدوا إلى خزائن الكتب بالجامع الأزهر ونهبوا منها الكثير، ثم قام الفرنسيون بإعدام مجموعة من علماء الأزهر.

ثم نقول: أنه لا تعارض بين الأصالة والمعاصرة، فإن الأصالة مصطلح يُعنى به الرجوع إلى الأصول، والتي تعني عند أمة الإسلام الوحي المتمثل في الكتاب والسنة، لأنهما مصدرا التشريع الإسلامي، وهى الميراث الديني والثقافي والحضاري، وأما المعاصرة فهى تعني مواكبة العصر ومعايشته، فلكل عصر عصريته، والحداثة أو المعاصرة تعني عملية التغيير التي بمقتضاها تحصل المجتمعات المختلفة على الصفات المشتركة التي تتميز بها المجتمعات المتقدمة، والعصرية مصطلح يٌطلق على المجتمع إذا اتصف بها، وتعني مجموعة الخصائص البنائية التي تميز المجتمع العصري، وهذا التقدم والتطور فى الحياة المعاصرة ليس فيه حرج بشرط، ألا يتعارض مع نصوص الوحي، أو يتعارض مع ثوابت الدين، أما أن تكون المعاصرة هى محاولة تغريب العالم الإسلامي؛ وطمس هُويته الإسلامية، وصبغها بالصبغة الغربية، فهذا هو المحذور والمحظور، فلا مانع من التأثر بالثقافات الأخرى، فالتأثير والتأثر من خصائص أي حضارة، ولكن يجب أن تكون هناك معايير لهذا التأثر، بحيث يكون ما نتأثر به قائمًا على المصلحة التى لا تتعارض أو تؤثر على العقيدة.

لقد حقق الاستعمار الأوروبي هدفه في الاستفادة من المنشآت والاصلاحات المادية التي قام بها، أما الشعوب فقد دفعت ثمناً باهظاً يفوق حجم كل إصلاح، وهو تحطيم هويته الحضارية التي صقلها الاسلام، والتي ميزت دروه خلال العصور الاسلامية.

وها نحن الأن فى مجتمعاتنا نرى قدرًا قد انتشر من مظاهر التغريب،كالتبرج والعري والسفور وإعطاء أسماء أجنبية للمحال التجارية وللأبناء أيضا، وتقليد سلوكيات الغرب وعاداتهم و الاحتفال بالأعياد التي ليست من الإسلام، فهذة هى مظاهر التغريب المذمومة، ومن الأمثلة أيضا على حركة التغريب التى حدثت، ما حدث فى تركيا، لقد تم تسليم تركيا لأبشع حركة تغريب وتدمير للقيم الإسلامية؛ بنقلها من دولة ذات طابع إسلامي إلى دولة غربية ، وذلك فى الفترة التي تم فيها خلع السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله، وتولي الاتحاديين للحكم، وتجلى ذلك في معاهدة سايكس بيكو عام 1916م، وتم اصطناع بطل تتراجع أمامه جيوش الحلفاء، وتعلقت الأمة الإسلامية به، علمًا بأن صناعة ذاك البطل تمت بواسطة المخابرات الانجليزية، وظهر مصطفى كمال بمظهر المجاهد المنقذ لشرف الدولة من الحلفاء واليونان،فقام مصطفى كمال باستثارة روح الجهاد في الأتراك ورفع القرآن ورد اليونانيين على أعقابهم، وتراجعت أمامه قوات الحلفاء بتمثيلية أٌعدت بجدارة، وبدأ مصطفى كمال يطفوا على السطح تدريجياً، فقد ابتهج العالم الإسلامي وأطلق عليه لقب الغازي، ومدحه الشعراء وأشاد به الخطباء، فأحمد شوقي قرنه بخالد بن الوليد في إحدى قصائده المشهورة فيقول:

” الله أكبر كم في الفتح من عجب : يا خالد الترك جدد خالد العرب”

وبعد أن انتصر وتمكن ظهرت حقيقته، وأعلنت الجمعية الوطنية التركية بزعامته عن قيام الجمهورية التركية، وانتخب مصطفى كمال كأول رئيس لها، 1923م، وتم إلغاء الخلافة الإسلامية إلغاءً تاماً ،كما نصت معاهدة لوزان على ذلك، وها هو شوقى الذى مدحه سابقا يبكي الخلافة فيقول:

عادت أغاني العرس رَجْعَ نواح : ونُعيتِ بين معالم الأفراح

كُفِنتِ في ليلِ الزِفاف بثوبه : ودُفنتِ عند تَبَلُج الإصباحِ

ضَجَتْ عليك مآذن ومنابر : وبكيت عليك ممالكُ ونواحِ

الهندُ والهة، ومصر حزينة : تبكي عليك بمدمع سحاحِ

والشام تسأل، والعراق وفارسٌ : أمَحا من الأرض الخلافة ماحِ

ياللرجال لحُرةٍ مؤودة : قُتِلتْ بغير جريرة وَجُناحِ

لقد نفذ مصطفى كمال المخطط كاملاً وابتعد عن المبادىء الاسلامية، ودخلت تركيا فى عالم التغريب ؛ فتم إلغاء وزارة الأوقاف سنة 1924م، وفي عام 1925م، أغلقت المساجد، وفي عام1932م، حُددت أعداد المساجد، ولم يسمح بغير مسجد واحد في كل حى محيطه 500 متر، وأمر أتاتورك بترجمة القرآن الى اللغة التركية، ففقد بذلك بعض معانيه، وأمر أن يكون الأذان باللغة التركية، ثم تم تخفيض عدد الواعظين الذين تدفع لهم الدولة أجورهم الى ثلاثمائة واعظ، وأغلق أتاتورك أشهر جامعين في استانبول وحول أولهما وهو مسجد آيا صوفيا الى متحف، وحول ثانيهما وهو مسجد الفاتح الى مستودع، أما الشريعة الاسلامية فقد استبدلت وحل محلها قانون مدني أخذته حكومة تركيا عن القانون السويسري عام 1926م، وغيرت التقويم الهجري واستخدمت التقويم الغربي، فأصبح عام 1342هـ ملغياً في كل أنحاء تركيا، وحل محله عام 1926م.

وفي عام 1935م، غيرت الحكومة العطلة الرسمية فلم تعد الجمعة، بل أصبحت العطلة الرسمية للدولة يوم الأحد، وأهملت الحكومة التعليم الديني كلية في المدارس الخاصة، ثم تم تحجيمه، بل إن كلية الشريعة في جامعة استانبول بدأت تقلل من أعداد طلابها التي أغلقت عام 1933م. وأمعنت حكومة مصطفى كمال في حركة التغريب فأصدرت قراراً بإلغاء لبس الطربوش وأمرت بلبس القبعة تشبهاً بالدول الأوروبية.

وبدأت الحكومة تفرض إجبارياً استخدام الأحرف اللاتينية في كتابة اللغة التركية بدلاً من الأحرف العربية، وعملت الحكومة على الاهتمام بكل ماهو أوروبي؛ فازدهرت الفنون وأُقيمت التماثيل لأتاتورك في ميادين المدن الكبرى كلها، وزاد الاهتمام بالرسم والموسيقى، ووفد إلى تركيا عدد كبير من الفنانين أغلبهم من فرنسا والنمسا، وتم إلغاء حجاب المرأة وأٌمرت بالسفور، وألغيت قوامة الرجل على المرأة، وأطلق لها العنان باسم الحرية والمساواة، وهكذا كان الصراع وهكذا كانت مظاهر التغريب تنتشر فى الدول الاسلامية، باسم المعاصرة والحداثة والتقدم، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لتتبعن سَنَنَ من كان قبلكم، شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه. قلنا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟”!! متفق عليه” { فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ }.

 

 

Scroll to Top
Send this to a friend