د. زين العابدين كامل: جهود عقبة بن نافع في فتح إفريقية

جهود عقبة بن نافع في فتح إفريقية

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،

فمن المعلوم أن حركة الفتوحات قد توقفت في أواخر عصر عثمان رضي الله عنه، علمًا بأن حركة الفتوحات في بداية أيام الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه كانت كثيرة وواسعة، وقد أضافت بلادًا جديدة في إفريقية وقبرص وأرمينيا، ثم لما استقر الأمر لمعاوية رضي الله عنه عمل على استكمال حركة الفتوحات في الشمال الإفريقي لما يمثله مِن أهميةٍ بالغةٍ، حيث حدود مصر الغربية من ناحية، ومن ناحية أخرى: فهي تخضع لنفوذ الدولة البيزنطية؛ العدو اللدود للمسلمين، والتي صمم أمير المؤمنين معاوية على تضييق الخناق عليها.

وبالفعل أرسل أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه عام 41 هـ الصحابي معاوية بن حُدَيْج الكندي رضي الله عنه([1]) على رأس حملة إلى إفريقية، ثم أرسله على رأس حملة ثانية عام 45 هـ في عشرة آلاف مقاتل، فمضى حتى دخل إفريقية وكان معه عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن الزبير، وعبد الملك بن مروان، ويحيى بن الحكم بن العاص، وغيرهم من أشراف قريش، فبعث ملك الروم إلى إفريقية بطريقًا يُقال له: “نقفورا” في ثلاثين ألف مقاتل، فنزل الساحل، فأخرج إليه معاوية بن حديج عبد الله بن الزبير في خيلٍ كثيفةٍ، فسار حتى نزل على شرفٍ عالٍ ينظر منه إلى البحر بينه وبين مدينة سوسة([2]) اثنا عشر ميلًا([3])، فلما بلغ ذلك “نقفورا” عاد وفرَّ في البحر منهزمًا من غير قتالٍ، ورجع عبد الله بن الزبير إلى معاوية بن حديج رضي الله عنه. ثم أرسل ابن حديج عبد الملك بن مروان في ألف فارس إلى مدينة جلولاء([4])؛ فحاصرها وقتل من أهلها عددًا كثيرًا حتى فتحها عنوة، وأرسل معاوية بن حديج كذلك جيشًا في البحر إلى صقلية في مائتي مركب، فسبوا وغنموا وأقاموا شهرًا، ثم انصرفوا إلى إفريقية بغنائم كثيرة([5]).

عقبة بن نافع وفتح إفريقية: بعد هذا النشاط السابق في الشمال الإفريقي زاد اهتمام معاوية بن أبي سفيان بالفتوحات في إفريقية، وهنا أسند مهمة القيادة لأحد أبرز القادة والفاتحين، وهو عقبة بن نافع الفهري([6])، فلما أسند إليه معاوية بن أبي سفيان قيادة الفتوحات في إفريقية، أرسل إليه عشرة آلاف فارس، وانضم إليه مَن أسلم من البربر؛ فكثر الجيش حوله، وسار في جيشه حتى نزل بمغمداش من سرت([7])، فبلغه أن أهل ودان([8]) قد نقضوا عهدهم مع بسر بن أبي أرطأة الذي كان عقده معهم حين وجهه إليهم عمرو بن العاص رضي الله عنه، ومنعوا ما كانوا اتفقوا عليه من الجزية، فوجَّه إليهم عقبة كتيبة من الجيش بقيادة عمر بن علي القرشي، وزهير بن قيس البلوي، ثم اتجه عقبة إلى فزان([9])، فلما دنا منها دعاهم إلى الإسلام فأجابوا([10])، ثم واصل فتوحاته، ففتح قصور كُوّار([11])، وخاور([12])، وغدامس([13])، وغيرها.

ومما يُلاحَظ: أن عقبة تجنّب في طريق سيره المناطق الساحلية، فقصد المناطق الداخلية يفتحها بلدًا بلدًا، ويبدو أنه فعل ذلك ليأخذ البربر إلى جانبه، ويقيم جبهة داخلية تحيط بالبيزنطيين على الساحل، وتمدّه بالطاقات البشرية؛ للاستقرار والإطاحة بالوجود البيزنطي([14]).

بناء مدينة القيروان:

كانت هناك فكرة قد عزم عقبة على تنفيذها؛ ألا وهي: بناء مدينة تكون قاعدة ثابتة للمسلمين، فيها يتمركزون ومنها ينطلقون، فتكون مركز المسلمين الرئيسي ومحط رحالهم، وبهذا بدأت إفريقية عهدًا جديدًا مع عقبة بن نافع، وهو القائد الفاتح المتمرس في شئون إفريقية منذ حداثة سنِّه، فقد لاحظ كثرة ارتداد البربر، ونقضهم العهود؛ لذا كان لابد من مدينة خاصة بالمسلمين، فجمع الناس وعرض عليهم الفكرة وقال: “إن أفريقية إذا دخلها إمام أجابوه إلى الإسلام، فإذا خرج منها رجع مَن كان أجاب منهم لدين الله إلى الكفر، فأرى لكم يا معشر المسلمين أن تتخذوا بها مدينة تكون عزًّا للإسلام إلى آخر الدهر”.

فاتفق الناس على ذلك، وأن يكون أهلها مرابطين وقالوا: “نقرب من البحر ليتم لنا الجهاد والرباط”، فقال عقبة: “إني أخاف أن يطرقها صاحب القسطنطينية بغتة فيملكها، ولكن اجعلوا بينها وبين البحر ما لا يدركه صاحب البحر إلا وقد علم به، وإذا كان بينها وبين البحر ما يوجب فيه التقصير للصلاة فهم مرابطون”([15]).

ومن هنا يتضح: أن عقبة رجل مبدع، صاحب فكر صائب مستنير، يعيش عصره ويفكر في المستقبل، ولم يعجبه موضع القيروان الذي كان بناه معاوية بن حديج قبله، فسار والناس معه حتى أتى موضع القيروان اليوم، وكان موضع تسكنه السباع والأفاعي، فدعا عليها، فلم يبقَ فيها شيء، وهربوا حتى إن الوحوش لتحمل أولادها راحلة!

وعن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: لما افتتح عقبة إفريقية قال “يا أهل الوادي! إنا حالون إن شاء الله، فاظعنوا -أي: فارحلوا-، ثلاث مرات. فما رأينا حجرًا ولا شجرًا إلا يخرج مِن تحته دابة حتى هبطنا بطن الوادي، ثم قال للناس: انزلوا باسم الله”، وكان عقبة بن نافع مجاب الدعوة([16]).

وقد رأى أناسٌ مِن البربر كيف أن الدواب تحمل أولادها وتخرج، فأسلموا، ثم شرع الناس في قطع الأشجار، وأمر عقبة ببناء المدينة عام 50 هـ، فبنيت وبني المسجد الجامع، وبنى الناس مساجدهم ومساكنهم، وتم أمرها عام 55 هـ وسكنها الناس، ثم أصبحت القيروان مركزًا علميًّا حضاريًّا، ينطلق منها الدعاة ويرحل إليها طلاب العلم، فقد كان مع عقبة أثناء تأسيس القيروان ثمانية عشر صحابيًا، وقد مكثوا فيها خمس سنوات كاملة، يعلمون الناس اللغة العربية، والقرآن والسنة في جامع القيروان، وكانت القيروان كذلك هي الملتقى بين أهل المشرق والمغرب، فالموقع الجغرافي لمدينة القيروان كان له دور كبير في إثراء الحياة العلمية وإنعاشها، فقد كانت في موقع متوسط بين الشرق والغرب يمرّ بها العلماء والطلبة من أهل المغرب والأندلس في ذهابهم إلى المشرق، فيسمعون من علمائها، وكان عقبة في أثناء ذلك يغزو ويرسل السرايا، ودخل كثيرًا من البربر الإسلام.

هذا وقد تم تخطيط مدينة القيروان على النمط الإسلامي؛ فالمسجد الجامع ودار الإمارة توأمان، لا ينفصل أحدهما عن الآخر، فهما دائمًا إلى جوار بعضهما، ويكونان دائمًا في قلب المدينة التي يخطتها المسلمون، ويرتكزان في وسطها([17]).

ومما سبق يتضح: أنه كانت هناك دوافع سياسية وعسكرية وإدارية ودعوية خلف قرار عقبة في اتخاذ موقع القيروان، وبهذا أصبحت القيروان ولاية إسلامية جديدة وجزءًا لا يتجزأ من العالم الإسلامي الكبير، منها تنطلق البعثات العلمية والجيوش الفاتحة، كما أن القيروان اكتسبت نوعًا من الاحترام والتعظيم باعتبارها البلد الذي أسسه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

  1. () معاوية بن حُدَيْج الكندي: له صحبة ورواية قليلة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ شِفَاءٌ فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ شَرْبَةٍ مِنْ عَسَلٍ، أَوْ كَيَّةٍ بِنَارٍ تُصِيبُ أَلَمًا، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ” [رواه أحمد (27256)]، وكان رضي الله عنه ملكًا مطاعًا من أشراف كندة، وكان من خيرة الأمراء.
  2. () سوسة: مدينة صغيرة بنواحي إفريقية، بينها وبين القيروان ستة وثلاثون ميلًا، ويحيط بها البحر من ثلاث جهات: من الشمال والجنوب والشرق. معجم البلدان (3/ 282).
  3. () الميل = 1. 6 كم تقريبًا.
  4. () هنالك مدينتان تحملان هذا الاسم، إحداهما: بفارس، بينها وبين خانقين سبعة فراسخ، وهي على طريق خراسان، وهذه التي بإفريقية بينها وبين القيروان أربعة وعشرون ميلًا. معجم البلدان (2/ 156).
  5. () البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب ( 1/16).
  6. () هو عقبة بن نافع القرشي الفهري، نائب إفريقية لمعاوية وليزيد، وهو الذي أنشأ القيروان وأسكنها الناس، وكان ذا شجاعةٍ وحزمٍ وديانة، لم يصحّ له صحبة، شهد فتح مصر، وشارك في غزو إفريقية منذ البداية مع عمرو بن العاص، واكتسب في هذا الميدان خبرات واسعة، وكان عمرو بن العاص قد خلَّفه على برقة عند عودته إلى الفسطاط، فظل فيها يدعو الناس إلى الإسلام. [الكامل في التاريخ (2/ 483)].
  7. () سرت: مدينة بين برقة وطرابلس. معجم البلدان (3/ 206).
  8. () ودان جنوب إفريقية، بينها وبين زويلة عشرة أيام من جهة إفريقية. المصدر السابق (5/ 365- 366).
  9. () فزان: تقع جنوب ليبيا، ولاية واسعة كانت عاصمتها زويلة.
  10. () فتوح مصر والمغرب (ص 132).
  11. () إقليم ببلاد السودان الغربي جنوب فزان. معجم البلدان (4/ 486).
  12. () خاور: مدينة جنوب فزان.
  13. () غدامس: مدينة جنوب ليبيا قرب الحدود الجزائرية.
  14. () العالم الإسلامي في العصر الأموي (ص 235)، وانظر: دراسة في تاريخ الخلفاء الأمويين (ص 280).
  15. () البيان المغرب (1/19).
  16. () سير أعلام النبلاء (3/ 533).
  17. () الأمويون بين الشرق والغرب (1/ 72).

 

Scroll to Top
Send this to a friend