الالتزام بين الحقيقة والخيال(5)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فما زلنا نبحث عن مواطن الخلل حول شخصية المسلم الملتزم، وفي ضوء مطالعتنا لبعض الخلل الذي نريد أن نصلحه في الفرد المسلم الملتزم، والارتقاء بمستواه التعبدي والعلمي والسلوكي، نلاحظ أن مِن الآفات أيضًا: كثرة أحلام اليقظة بالاشتهار بين الناس، وفي الصحيح عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلاَ انْتَقَشَ، طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَشْعَثَ رَأْسُهُ، مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ، إِنْ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ، إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّع(رواه البخاري).

وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ): أي في مؤخرة الجيش، يقلب نفسه في مصالح الجهاد، فكل مقام يقوم فيه، إن كان ليلاً أو نهارًا؛ رغبة في ثواب الله، وطلبًا لمرضاته ومحبة لطاعته. وقال ابن الجوزي -رحمه الله-: “وهو خامل الذكر، لا يقصد السمو”. وقال الخلخالي: “المعنى ائتماره بما أمر، وإقامته حيث أقيم، لا يُفقد مِن مقامه، وإنما ذكر الحراسة والساقة؛ لأنهما أشد مشقة”.

فالإخلاص عزيز، والشعور بالمسؤولية أمر نفيس، والتعلق بالله أمر عظيم، وعلو الهمة أمر بليغ؛ فيا ليتنا نتعلم مِن سلفنا الصالح معنى الإخلاص وكيفية العطاء، ومعنى الشعور بالمسؤولية، وكيف تكون الهمم عالية تناطح السحاب، قال الله -تعالى-: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ . أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (هود:15-16).

وفي الحديث: (مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلا مَا قُدِّرَ لَهُ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)،  قال قتادة -رحمه الله-: “مَن كانت الدنيا همه وطلبته ونيته جازاه الله بحسناته في الدنيا، ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يُعطى بها جزاء، وأما المؤمن فيجازى بحسناته في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة”، “ولما حَاصَرَ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ حِصْنًا في بلاد الروم، وَأَصَابَهُمْ فِيهِ جَهْدٌ عَظِيمٌ، فَنَدَبَ النَّاسَ إِلَى نَقْبٍ مِنْهُ، فَمَا دَخَلَهُ أَحَدٌ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْجُنْدِ فَدَخَلَهُ، فَفَتَحَ اللهُ عَلَيْهِمْ، فَنَادَى مُنَادِي مَسْلَمَةَ: أَيْنَ صَاحِبُ النَّقْبِ؟ فَمَا جَاءَ أَحَدٌ حَتَّى نَادَى مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا أَوْ أَرْبَعًا، فَجَاءَ فِي الرَّابِعَةِ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَنَا أَيُّهَا الأَمِيرُ صَاحِبُ النَّقْبِ، آخُذُ عُهُودًا ثَلاثًا: لا تُسَوِّدُوا اسْمِي فِي صَحِيفَةٍ، وَلا تَأْمُرُوا لِي بِشَيْءٍ، وَلا تَشْغَلُونِي عَنْ أَمْرِي. قَالَ: فَقَالَ لَهُ مَسْلَمَةُ: قَدْ فَعَلْنَا ذَلِكَ بِكَ. قَالَ: فَغَابَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ فَلَمْ يُرَ. قَالَ: فَكَانَ مَسْلَمَةُ بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ فِي ِ صَلاتِهِ: اللهُمَّ احشرني مَعَ صَاحِبِ النَّقْبِ يوم القيامة!”.

فهذا الرجل نحن لا نعرفه، ولا نعرف اسمه ولا رسمه، ولكن الله -تعالى- يعرفه، وهذا يكفيه بلا شك، وهو لا يريد منزلة في الدنيا، لكنه أراد منزلة عالية رفيعة عند خالقه -جلَّ وعلا-، وقيمة المرء الحقيقية هي قيمته عند الله -تعالى-.

وعن ثابت البناني عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ -يُقال لَهُ: زَاهِرُ بْنُ حَرَامٍ- كَانَ يُهدِي إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْهَدِيَّةَ, فَيُجَهِّزُهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (إن زاهِرًا بَادِيَنا, وَنَحْنُ حَاضِرُوهُ), قَالَ: فَأَتَاهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ يَبِيعُ مَتَاعَهُ, فَاحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ -وَالرَّجُلُ لا يُبصره-؛ فَقَالَ: أَرْسِلْنِي, مَن هَذَا؟! فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ, فَلَمَّا عَرَفَ أَنَّهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-, جَعَلَ يُلْزِقُ ظَهْرَهُ بِصَدْرِهِ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مَنْ يَشْتَرِي هَذَا الْعَبْدَ؟), فَقَالَ زَاهِرٌ: تجدُني يَا رَسُولَ اللَّهِ! كاسِدًا, قَالَ: (لَكِنَّكَ عِنْدَ اللَّهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ), أَوْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (بَلْ أَنْتَ عند الله غَالٍ) (رواه ابن حبان، وصححه الألباني). فهؤلاء هم سلفنا، ونحن نسير على دربهم، وندعو الله أن نكون مثلهم، وأن يحشرنا معهم بصحبة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

وللأسف فإن كثيرًا مِن الملتزمين يحلمون بالشهرة وارتفاع الشأن بين الناس، وأحيانًا ينظر الأخ إلى نفسه على أن له قدرًا عند الله بما يقوم به من أعمال؛ فينتظر الكرامات، ويستعظم أن ينزل به بلاء! يلازمه الشعور بالأمان، ويخاف على الناس أكثر مما يخاف على نفسه؛ فيظن المسكين أنه محسن، وهم مسيئون، وأنه ناج وهم هالكون، وأنه عالم وهم جاهلون، وأنه عاقل وهم حمقى، وأنه من طلاب الآخرة وهم من طلاب الدنيا.

وعندما تتعدد الجزئيات التي تتضخم داخل الإنسان فإن نفسه تتعاظم وتكبر شيئًا فشيئًا، ومِن ثَمَّ يزداد إعجابه بها وتقديسه لها، وينعكس ذلك على تعاملاته مع الآخرين؛ فتراه يُكثِر مِن نصح غيره ونقده، ولا يقبل نصيحة من أحد، ويحب أن يخدمه الناس ويكره أن يَخدم أحدًا، لا يمل مِن الحديث عن نفسه وإنجازاته، وماضيه، ولو كرر ذلك مئات المرات، وفي نفس الوقت تراه يقاطع غيره ولا يسمح له بالحديث عن نفسه كما يفعل هو، لا يعطي الآخرين حقوقهم من التقدير، ويضيق صدره إذا ما أثنى على أحد غيره، يفرح بسماع عيوب الناس وبخاصة إذا ما كانوا أقرانه!

فما أحوجنا إلى التأمل في قصة صاحب الجنتين؟!

انظر إلى صاحب الجنتين الذي أعجب بما لديه من أموال وجنات، واغتر بها ولم يقبل نصح صاحبه، بل كبرت عنده نفسه حتى ظن أن سيكون له عند الله مكانة في الآخرة خير مما هو عليه في الدنيا (وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا) (الكهف:36)، وهنا تظهر خطورة الإعجاب بالنفس، إن الإعجاب بالنفس له أثار سلبية، ومخاطر عظيمة، ويكفي في بيان خطورته أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أعده من المهلكات، قال -صلى الله عليه وسلم-: (ثلاثٌ مُهْلِكاتٌ: هَوًى مُتَّبِعٌ، وَشُحٌّ مُطاعٌ، وإعْجابُ المَرءِ بِنَفْسِهِ) (رواه الطبراني في الأوسط، وحسنه الألباني).

قال النووي -رحمه الله-: “اعلم أن الإخلاص قد يعرض له آفة العُجب، فمن أعجب بعمله حبط عمله، وكذلك مَن استكبر حبط عمله” (شرح الأربعين للنووية).

وقال الله -تعالى- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى) (البقرة:264).

فإن قلتَ: ولماذا يحبط العُجب العمل الصالح؟!

فالجواب: لأن الله -عز وجل- لا يقبل إلا ما كان خالصًا لوجهه، والمُعجب يستعين بنفسه أكثر مما يستعين بالله؛ لذلك قال ابن تيمية -رحمه الله-: “فالمُرائي لا يحقق قولـَه: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ)، والمعجب لا يحقق قولَه: (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، فمَن حقق قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) خرج عن الرياء، ومَن حقق قوله: (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) خرج عن الإعجاب” (الفتاوى الكبرى).

فالعُجب يحبط العمل الصالح الذي قارنه؛ لأنه ينافي الإخلاص لله -عز وجل-، وكان المسيح -عليه السلام- يقول: “يا معشر الحواريين، كم مِن سراج قد أطفأته الريح، وكم من عابد قد أفسده العُجب” (منهاج العابدين لأبي حامد الغزالي).

وأصل الإنسان هو التراب الذي يمشي عليه، والذي لا يساوي في نظره شيئًا مذكورًا، أما بداية خلقه فمن نطفة، لو نظر إليها الإنسان لتقزز منها: (قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ . مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ . مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ . ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ) (عبس:17-20)، فأجسادنا لم تخلق وتتكون من معادن نفيسة (فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ) (الطارق:5).

وقد حكي أن مطرف بن عبد الله بن الشخير -رحمه الله- نظر إلى المهلب بن أبي صفرة وعليه حلة يسحبها، ويمشي الخيلاء، فقال: “يا أبا عبد الله، ما هذه المشية التي يبغضها الله ورسوله؟ قال المهلب: ألا تعرفني؟ فقال: بل أعرفك؛ أولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وحشوك فيما بين ذلك بول وعذرة؛ فكيف يعجب بنفسه مَن حاله كذلك؟!”. إذن فدوام تذكر الواحد منا لأصله مِن شأنه أن يُبعِد عنه العُجب والخيلاء.

وعن أنس -رضي الله عنه- قال: “كان أبو بكر يخطبنا فيذكر بدء خلق الإنسان حتى إن أحدنا ليقذر، ويقول: خرج مِن مجرى البول مرتين!” (التواضع والخمول لابن أبي الدنيا)، ومن هنا كان الصحابة -رضي الله عنهم- يحبون السجود على التراب، وتعفير الوجه به؛ ليتذكروا أصلهم، ويبعدوا الكبر عن أنفسهم.

قال الحسن -رحمه الله-: “مَن خصف نعله ورقع ثوبه، وعفر وجهه لله -عز وجل-؛ فقد برئ مِن الكبر”.

وقال ابن القيم -رحمه الله-: “ومقت النفس في ذات الله مِن صفات الصديقين، ويدنو العبد به من الله -سبحانه وتعالى- في لحظة واحدة أضعاف ما يدنو به من العمل” (إغاثة اللهفان).

وكان أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- يقول: “لو يعلم الناس ما أنا فيه لأهالوا عليَّ التراب!”، ومشى قوم خلف عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- فقال لهم: “ارجعوا فإنها ذلة للتابع، وفتنة للمتبوع، وقال: لو تعلمون ما أعلم من نفسي حثيتم على رأسي التراب”.

وهذا المَرُّوذي تلميذ الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- يقول: “ذٌكر أمام ابن حنبل أخلاق الورعين، فقال: أسأل الله -عز وجل- ألا يمقتنا، أين نحن مِن هؤلاء؟!”، “وكان رجل من بني إسرائيل له عند الله حاجة، فتعبد واجتهد ثم طلب من الله حاجته، فلم يرَ نجاحًا، فبات مزريًا على نفسه، وقال: يا نفس، ما لك لا تقضى حاجتك، فبات محزونًا قد أزرى على نفسه، وقال: أما والله ما مِن قِبل الله أوتيت، ولكن مِن قبل نفسي أوتيت، فبات ليلة مزريًا على نفسه وألزم الملامة، فقضيت حاجته” (الزهد للإمام أحمد)“.

ونستكمل في المقال القادم -بإذن الله تعالى-.

مقالات ذات صلة:

Scroll to Top
Send this to a friend