الالتزام بين الحقيقة والخيال(6)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فما زلنا نبحث عن مواطن الخلل حول شخصية المسلم الملتزم، وفي ضوء مطالعتنا لبعض الخلل الذي نريد أن نصلحه في الفرد المسلم الملتزم، والارتقاء بالمستوى التعبدي والعلمي والسلوكي للمسلم الملتزم، نلاحظ أنه من الآفات -أيضًا-: “ترك العمل، والتكاسل في تحصيل الرزق”، فنحن نرى كثيرًا من الإخوة لا يعملون، حتى يصبح عالة على غيره ويسأل الناس، وهو يظن أنه بذلك تفرغ لطلب العلم.

وذلك قد يكون حسنًا إذا كان هناك مَن يُنفق عليه ويتكفل به حتى يتفرغ لطلب العلم، وكان والداه ليسا في حاجة ليعمل وينفق عليهما، وأما أن يكونا في حاجة إلى الإنفاق عليهما، وهو يزيد من هذه المعاناة بتركه للعمل؛ فهذا لا ينبغي، وقد كان إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- يتقنان البناء، وداود وسليمان -عليهما السلام- يصنعان، وكان موسى -عليه السلام- راعيًا قويًّا أمينًا، وآدم -عليه السلام- كان مزارعًا، وإدريس -عليه السلام- كان خياطـًا، وكان محمد -صلى الله عليه وسلم- راعيًا وأجيرًا.

وهكذا كان الصحابة -رضي الله عنهم- منهم الحداد، والنجار، والتاجر، ونحو ذلك؛ فمن أين أتى هؤلاء بهذا الفصل بين حياتهم الروحية وحياتهم المادية حتى ترك المسلمون العمل لغيرهم فسبقوهم في كثير من العلوم؟!

وعن المقدام بن معد يكرب -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ، خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ -عَلَيْهِ السَّلاَمُ- كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ) (رواه البخاري).

وكذلك لا نقول إن الإنسان يعيش لمجرد أداء وظائف لساعات طويلة تمنعه مِن العمل للآخرة، ولكن لا بد من تحقيق التوازن بين عمل الدنيا وعمل الآخرة، بل لا بد أن يوظف عمل الدنيا في طلب الآخرة أيضًا، فأنت تعمل لتنفق على نفسك وعلى مَن تعول، ويعينك المال على طلب العلم وشراء الكتب، ونحو ذلك، قال معاذ -رضي الله عنه-: “إني أقومُ وأنامُ، وأحتسب في نومتي ما أحتسب في قومتي”؛ فبذلك يكون الإنسان عابدًا طائعًا لله في كل حال.

وحين قدِم عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- المدينة آخى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري -رضي الله عنه- فقال له سعد: إِنِّي أَكْثَرُ الأَنْصَارِ مَالاً، فَأَقْسِمُ مَالِي نِصْفَيْنِ، وَلِي امْرَأَتَانِ فَانْظُرْ أَعْجَبَهُمَا إِلَيْكَ فَسَمِّهَا لِي أُطَلِّقْهَا، فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَتَزَوَّجْهَا، قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، أَيْنَ سُوقُكُمْ؟ فَدَلُّوهُ عَلَى سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، فَمَا انْقَلَبَ إِلا وَمَعَهُ فَضْلٌ مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ، ثُمَّ تَابَعَ الغُدُوَّ، ثُمَّ جَاءَ يَوْمًا وَبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مَهْيَمْ) -أي ما أمرك وشأنك-، قَالَ: تَزَوَّجْتُ، قَالَ: (كَمْ سُقْتَ إِلَيْهَا؟). قَالَ: نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ) (متفق عليه). فهكذا كان الصحابة -رضي الله عنهم-.

وعن رافع بن خديج -رضي الله عنه- أنه قال: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الْكَسْبِ أَطْيَبُ؟ قَالَ: (عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ، وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٍ) (رواه أحمد، وصححه الألباني)، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا، فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ) (رواه البخاري).

وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ أَتَى النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَسْأَلُهُ فَقَالَ: “أَمَا فِي بَيْتك شَيْء؟” قَالَ: بَلَى، حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعْضَهُ وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ، وَقَعْبٌ نَشْرَبُ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ. قَالَ: “ائْتِنِي بِهِمَا”، قَالَ: فَأَتَاهُ بِهِمَا فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِيَدِهِ، وَقَالَ: “مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ؟”، قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ. قَالَ: “مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ؟” مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاه وَأخذ الدِّرْهَمَيْنِ فَأَعْطَاهُمَا الأَنْصَارِيُّ، وَقَالَ: “اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فانبذه إِلَى أهلك، واشتر بِالآخرِ قدومًا فأتني بِهِ”. فَأَتَاهُ بِهِ فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عُودًا بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: “اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ وَبِعْ، وَلا أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا”، فَذهَبَ الرَّجُلُ يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ، فجَاء وَقَدْ أَصَابَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوْبًا وَبِبَعْضِهَا طَعَامًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ الْمَسْأَلَةُ نُكْتَةً فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لا تَصْلُحُ إِلا لِثَلاثَةٍ: لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ، أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ، أَوْ لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ) (رواه أحمد وأبو داود، وقال الحافظ المنذري: لا ينزل عن درجة الحسن، وضعفه الألباني إلا قوله: “إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لا تَصْلُحُ إِلا لِثَلاثَةٍ… “).

فتأمل كيف عالج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قضية البطالة، وساعد الرجل على أن يتكسب مِن الحلال الطيب؟!

وها هي اليابان بعد الحرب العالمية تَحول المجتمع فيها الى خلية نحل تعمل فيها كل نحلة لمصلحة عامة في إطار إصلاح شامل، والألمان بعد الحرب العالمية لم يبقَ لهم إلا التراب والإنسان والعلم بعد أن تم تدمير البنية التحتية والمنشآت الحيوية؛ فتبرع كل واحد منهم بساعتين في اليوم لخدمة البلاد, وبعد 10 سنوات ناطحوا أعظم الدول!

والأسبوع فيه 168 ساعة؛ فنحن كم ساعة منها بذلنا في العمل الايجابي لخدمة البلاد، ومحاربة الفساد والمنكرات؟!

ولما هاجر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مِن مكة إلى المدينة بدأ ساحة العمل على الفور وذلك عندما أمر ببناء المسجد النبوي بالمدينة، وهذه تعد البداية الحقيقية لمشروع النهضة، فعندما كان المسلمون الأول يشيّدون مسجدهم بالمدينة كان ذلك أول ساحة للعمل؛ فهذا الطابع العملي من أهم شروط ومقومات النهضة.

ونستكمل في المقال القادم بمشيئة الله -تعالى-.

Scroll to Top
Send this to a friend