مقالات متنوعة

قتلوهُ قتَلهم الله!

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن المتأمل في واقعنا المعاصر بما يحويه من جهل استشرى وسط أبناء الأمة يلحظ أن الأمة تعاني أو بعض أبنائها يعاني مِن عدم الفهم الصحيح الدقيق للشريعة الغراء، ومقاصد الشارع.

ومقاصد الشريعة هي الكليات الخمس، وأولها: “حفظ الدين”: وهو أرقى كلية وأكبر مقصد؛ لأن التدين يستجيب لفطرة الإنسان، وهو مجموع العقائد والعبادات والأحكام التي شرعها الله -سبحانه وتعالى- لتنظيم علاقة الناس بربهم وعلاقات بعضهم ببعض؛ حيث قصد الشارع بتلك الأحكام إقامة الدين وتثبيته في النفوس، وذلك باتباع أحكام شرعها، واجتناب أفعال أو أقوال نهي عنها.

ومِن مقاصد الشريعة: “مقصد حفظ النفس”: وقد أوجد الله في الكون ما يحفظ النفس ويضمن لها الحياة مِن ماء وغذاء، وإيواء وكساء، ونحو ذلك.

ثم إباحة المحظورات عند الضرورة: قال الله -تعالى-: (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المائدة:3)، (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) (البقرة:173).

ثم حرم العدوان عليها، وسد الذرائع المؤدية إلى ذلك: قال الله -تعالى-: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) (النساء:93)، وقال: (وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا) (الإسراء:33)، وقال: (قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (الأنعام:151).

وقال: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا . يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا) (الفرقان:68-69)، وقال: (وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) (البقرة:195)، وقال: (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) (النساء:29).

ومِن هذا المنطلق كان النسخ والتخفيف مِن الله -تعالى- في أمر الجهاد في سبيل الله، قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ . الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال:65-66).

وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: “لَمَّا نَزَلَتْ: (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) شِقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حِينَ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَلا يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ، ثُمَّ جَاءَ التَّخْفِيفُ، فَقَالَ: (الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ) إِلَى قَوْلِهِ: (يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) قَالَ: خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنَ الْعُدَّةِ، وَنَقَصَ مِنَ الصَّبْرِ بِقَدْرِ مَا خَفَّفَ عَنْهُمْ”.

ولذا انسحب خالد بن الوليد -رضي الله عنه- مِن معركة “مؤتة” عملاً بهذه القاعدة، وحفاظـًا على النفس البشرية مِن الهلاك دون تحقق أدنى مصلحة، واستعدادًا للجهاد مرة أخرى؛ لأنه حافظ على رأس ماله من الجنود والقوات، وأقره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على ذلك، وهذا هو الفهم الصحيح لمقاصد الشريعة الإسلامية.

وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلاً مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ، فَاحْتَلَمَ فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ قَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتِ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ، فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ: (قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ! أَلا سَأَلُوا إِذَا لَمْ يَعْلَمُوا؟! فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ) (رواه أحمد وأبو داود، وحسنه الألباني).

فهؤلاء بكلمة خرجت منهم قتلوا الرجل، واستحقوا الدعاء عليهم من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ!)، أي: مجازاة على إفتائهم بغير علم. (أَلا سَأَلُوا إِذَا لَمْ يَعْلَمُوا؟!): فإن هؤلاء أخطأوا بغير اجتهاد؛ إذ لم يكونوا من أهل العلم.

وعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السُّلاسِلِ، فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ فَتَيَمَّمْتُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: (يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟) فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنَ الاغْتِسَالِ وَقُلْتُ إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا(النساء:29)، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا. (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني).

فهذا عمرو -رضي الله عنه- قد ذكر أن العبادة المفضية إلى قتل النفس بلا مصلحة مأمور بها هي مِن قتل النفس المنهي عنه، وأقره النبي -صلى الله عليه وسلم- على ذلك.

والمصلحة ما كانت في عز الإسلام، والخوارج فعلوا ما فعلوا، ورفعوا السيوف ظنـًّا منهم بأنهم ينصرون الإسلام، وقتل الإنسان نفسه حرام بالكتاب والسنة والإجماع، كما ثبت عنه في الصحاح أنه قال: (مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (متفق عليه)، وفي الحديث الآخر: (بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ) (رواه البخاري ومسلم).

وحديث القاتل الذي قتل نفسه لما اشتدت عليه الجراح، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يخبر أنه من أهل النار، وقد كان -صلى الله عليه وسلم- لا يصلي على مَن قتل نفسه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في مجموع الفتاوى: “فَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِنْ قَصْدِ الإِنْسَانِ قَتْلَ نَفْسِهِ أَوْ تَسَبُّبِهِ فِي ذَلِكَ وَبَيْنَ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ مِنْ بَيْعِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ لَهُ. كَمَا قَالَ الله -تعالى-: (إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) (التوبة:111)، وَقَالَ: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ) (البقرة:207)، أَيْ يَبِيعُ نَفْسَهُ.

وَالاعْتِبَارُ فِي ذَلِكَ بِمَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ لا بِمَا يَسْتَحْسِنُهُ الْمَرْءُ أَوْ يَجِدُهُ أَوْ يَرَاهُ مِنْ الأُمُورِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ بَلْ قَدْ يَكُونُ أَحَدُ هَؤُلاءِ كَمَا قَالَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: مَنْ عَبَدَ اللَّهَ بِجَهْلِ أَفْسَدَ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُ، وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ رِضَاهُ أَوْ مَحَبَّتُهُ فِي مُجَرَّدِ عَذَابِ النَّفْسِ وَحَمْلِهَا عَلَى الْمَشَاقِّ حَتَّى يَكُونَ الْعَمَلُ كُلَّمَا كَانَ أَشَقَّ كَانَ أَفْضَلَ كَمَا يَحْسَبُ كَثِيرٌ مِنْ الْجُهَّالِ أَنَّ الأَجْرَ عَلَى قَدْرِ الْمَشَقَّةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لا، وَلَكِنَّ الأَجْرَ عَلَى قَدْرِ مَنْفَعَةِ الْعَمَلِ وَمَصْلَحَتِهِ وَفَائِدَتِهِ”.

وقال في موضع آخر: “كَمَا أَنَّ مِنْ الأُمُورِ الْمُبَاحَةِ؛ بَلْ وَالْمَأْمُورِ بِهَا إيجَابًا أَوْ اسْتِحْبَابًا: مَا يُعَارِضُهَا مَفْسَدَةٌ رَاجِحَةٌ تَجْعَلُهَا مُحَرَّمَةً أَوْ مَرْجُوحَةً: كَالصِّيَامِ لِلْمَرِيضِ، وَكَالطِّهَارَةِ بِالْمَاءِ لِمَنْ يُخَافُ عَلَيْهِ الْمَوْتُ، كَمَا قَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (قَتَلُوهُ قَتَلَهُمْ اللَّهُ، هَلا سَأَلُوا إذَا لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ)” (انتهى).

وإقامة الحدود وتنفيذ القصاص مِن الضمانات الكبرى الحافظة للنفس البشرية مِن كل عدوان؛ لذلك أكد الله -تعالى- عليها في مثل قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ . وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:178-179)، وقوله: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (المائدة:45).

ومِن مقاصد الشريعة: “حفظ النسل”: وشَرَع لإيجاده: الزواج للتوالد والتناسل، وشرع لحفظه وحمايته: حد الزنا، وحد القذف.

ومِن مقاصد الشريعة: “حفظ العقل”: وقد أوجب الشارع -سبحانه- الحفاظ على العقل، فحرَّم كل مسكر وعاقب مَن يتناوله.

ومِن مقاصد الشريعة: “حفظ المال”: وأوجب للحفاظ على المال السعي في طلب الرزق، وأباح المعاملات، والمبادلات، والتجارة، وللحفاظ عليه: حرم السرقة، والغش، والخيانة، وتبذير الأموال، وأكل أموال الناس بالباطل، وعاقب على ذلك.

فلابد لنا أن نتعلم مقاصد الشريعة الإسلامية، وأن نفهم النصوص فهمًا صحيحًا في ضوئها، ولابد مِن النظر إلى فقه المقاصد والمآلات، والجمع بيْن  فقه الواقع وفقه الدليل.

والله المستعان.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى