د. زين العابدين كامل: التاريخ المفصل لمدينة القسطنطينية

تاريخ مدينة القُسطَنطينِيَّة

الموقع الجغرافي والجذور التاريخية:

تقع مدينة القُسطَنطينِيَّة عند ملتقى قارتي: آسيا وأوروبا، وتحيط بها البحار من ثلاث جهات: البحر الأسود، ومضيق البسفور، وبحر مرمرة، وبها ميناء القرن الذهبي، وهو مِن أهم الموانئ في العالم.

ولذا تُعد القسطنطينية مِن أهم المدن العالمية، حتى قيل عنها: “لو كانت الدنيا مملكة واحدة؛ لكانت القسطنطينية أصلح المدن لتكون عاصمة لها!”.

وقد ذكرتْ بعض المصادر التاريخية: أن مدينة القسطنطينية تأسست عام 658 ق . م، وكانت تُعرَف باسم: بيزنطة، وظلت تُعرف بهذا الاسم حتى عام 335 ق . م، حيث اتخذها الإمبراطور قسطنطين عاصمة للإمبراطورية الرومانية، وأصبح يُطلق عليها القسطنطينية، وكان بها مقر الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية، ثم أصبحت المدينة هي مركز الدفاع البحري عن الدولة([1]).

وقد كانت القسطنطينية تمثِّل عقبة قبل فتحها أمام انتشار الإسلام في أوروبا؛ ولذا كان لا بد من فتحها، ولذا يُعد فتحها مِن الأحداث التاريخية الكبيرة.

وقد ورد ذِكْر القسطنطينية على لسانِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فعن عبد الله بن بشر الخثعمي، عن أبيه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «‌لَتُفْتَحَنَّ ‌الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ، ‌فَلَنِعْمَ ‌الْأَمِيرُ ‌أَمِيرُهَا، ‌وَلَنِعْمَ ‌الْجَيْشُ ‌ذَلِكَ ‌الْجَيْشُ»([2]).

وأصل فتح القسطنطينية ثابت في صحيح مسلم، وغيره، دون الثناء على الجيش والأمير.

محاولات فتح مدينة القسطنطينية:

لقد كان معاوية رضي الله عنه يرى أن الخطرَ الأكبر الذي يتحتم مواجهته، هو: الدولة البيزنطية؛ فهي العدو الرئيسي، والخطر العظيم الماثِل أمام المسلمين، وقد كان معاوية رضي الله عنه رجل المرحلة، وكان قادرًا على فهم وتقدير هذا الخطر، وعلى مواجهته؛ إذ كان موجودًا بالشام منذ مطلع الفتوحات في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وأصبح واليًا على الشام لمدة عشرين سنة، فطول إقامة معاوية رضي الله عنه بالشام، أكسبته خبرة واسعة بأحوال البيزنطيين وسياستهم وأهدافهم؛ مما أعانه على أن يعرف كيف يتعامل معهم.

ولكل ذلك؛ فليس غريبًا أن نرى معاوية رضي الله عنه يولي حدوده مع الدولة البيزنطية وعلاقاته معها جُلَّ اهتمامه، ويرسم لنفسه نحوها سياسة واضحة ثابتة، سار عليها هو وخلفاؤه من الأمويين إلى نهاية دولتهم.

وقد كان مِن أهدافه الرئيسة: فتح عاصمتهم القسطنطينية([3]).

فبعد أن استقر الأمر لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما عام (41 هـ / 661م) كخليفة للمسلمين، بَاشَر تطوير الأسطول البحري؛ ليكون قادرًا على دكِّ معاقل القسطنطينية؛ عاصمة الروم، ومبعث العدوان والخطر الدائم ضد المسلمين.

فقد وضع معاوية رضي الله عنه أمامه هدفًا واضحًا، وهو: محاولة الضغط على الدولة البيزنطية من خلال الضغط على عاصمتها؛ تمهيدًا للاستيلاء عليها.

وقد استفاد المسلمون من تجربتهم مع الفرس، فبعد سقوط المدائن عاصمتهم في أيديهم، أصابهم الارتباك ولاحقهم الفشل، ولم تقم لهم قائمة وزالت دولتهم، فإذا استطاع المسلمون القضاء على العاصمة وإسقاطها، فسيكون هذا هو الطريق للقضاء على الدولة؛ لذلك واصل ضغطه ومحاولاته لتحقيق هدفه، لا سيما وأن الدولة البيزنطية ظلَّت على قيد الحياة مُدَّة تقرب مِن ثمانية قرون، وهي مَدِينَة ببقائها لعاصمتها القسطنطينية؛ فهي في الحقيقة تمثِّل الدرع الواقي، والحصن الحصين للدولة، فهي مستقر الأموال والرجال والعقول، فسقوط القسطنطينية هو بداية السقوط، وانهيار الدولة.

والدليل على هذا: أنه عندما استطاع السلطان العثماني محمد الفاتح فتح القسطنطينية والاستيلاء عليها عام (857 هـ / 1453م)؛ كان ذلك إيذانًا بسقوط الدولة البيزنطية، وزوالها من الوجود([4]).

جهود معاوية رضي الله عنه لإسقاط القسطنطينية:

ذكرنا أن معاوية رضي الله عنه كان يعلم مدى أهمية وجود أسطول بحري إسلامي؛ ولذا عمل على تطوير الأسطول، فقد أيقن معاوية رضي الله عنه أن القوات البرية وحدها غير كافية لتحقيق ما يسعى إليه المسلمون من فتوحاتٍ.

وأدرك بحسه العسكري: أن معارك المسلمين مع الروم، ستعتمد أساسًا على الأسطول البحري، وازداد هذا الإحساس عمقًا في قلب معاوية رضي الله عنه عندما أعدَّ الروم أكثر من خمسمائة سفينة في معركة “ذات الصواري”؛ لقهر الأسطول الإسلامي([5])، ومِن ثَمَّ اهتم معاوية رضي الله عنه اهتمامًا بالغًا بدور صناعة السفن في مصر والشام، واختيار أمهر الصناع للعمل فيها، وأغدق على الصناع مِن الأموال، ورفع أجورهم حتى يبذلوا قصارى جهدهم.

وقد أدَّى هذا التعاون بين مصر والشام في صناعات السفن إلى الوصول إلى نتائج جيدة، ففي الشام كانت أنواع الأخشاب التي تصلح لبناء السفن، وفي مصر كانت توجد الأخشاب التي تصلح لعمل الصواري، وضلوع جوانب السفن.

وكذلك استغل معاوية رضي الله عنه معدن الحديد الذي كان متوافرًا في مصر والشام واليمن؛ لعمل المسامير، والمراسي، والخطاطيف، والفؤوس، كما كان يتوافر في مصر مادة القطران اللازمة هي أيضًا في صناعة السفن، ونبات الدقس الذي كانت تصنع منه الحبال، وبالفعل حدث التطور التكنولوجي المطلوب.

وقد أمر معاوية رضي الله عنه عامله على مصر مسلمة بن مخلد الأنصاري ببناء دارٍ لصناعة السفن في جزيرة الروضة عام (54 ه / 674م)([6]).

ثم عمل على تقوية الثغور البحرية، وتحصين المدن الساحلية في مصر والشام، كمدينتي: عكا والإسكندرية، وغيرهما.

ثم وفَّق الله معاوية لأن يسيطر على بعض الجزر الساحلية المهمة الواقعة شرقي البحر المتوسط؛ فسيطر على جزيرة قبرص، ثم جزيرة أخرى مهمة، وهي: “رودس”([7])، وأمر ببناء حصنٍ بها ،وبَعث إليها جماعة من المسلمين لحمايتها والدفاع عنها، وجعلها رباطًا يدفعون منه عن الشام.

ثم أرسل إليها فقيهًا يُدعَى: مجاهد بن جبر يقرئ الناس القرآن، وهكذا بسط معاوية رضي الله عنه سيطرته وسيادته على مجموعةٍ مِن الجزر المهمة، وبهذا يكون معاوية رضي الله عنه قد استطاع القضاء على سيادة البيزنطيين على البحر المتوسط.

وقد بعث معاوية رضي الله عنه سنتي: (47 -48 هـ/ 667- 668م) سرايا من قواته لتُغِير على الأراضي البيزنطية؛ لتمهِّد الطريق في سبيل الوصول إلى القسطنطينية([8])، وشهدت سنة 49هـ أول حصار إسلامي لمدينة القسطنطينية، واستطاع معاوية رضي الله عنه أن يضيِّق الخناق على الدولة البيزنطية بالحملات المستمرة، والاستيلاء على جزر رودس وأَرْواد، وقد كان لجزيرة أرواد([9])، والتي تسميها المصادر الأوربية: (كزيكوس) أهمية خاصة؛ لقربها من القسطنطينية، حيث اتخذ منها الأسطول الإسلامي في حصاره الثاني للمدينة أو حرب السنين السبع (54-60 هـ / 674-680م) قاعدة لعملياته الحربية؛ وذلك أن معاوية رضي الله عنه أعدَّ أسطولًا ضخمًا، وأرسله ثانية لحصار القسطنطينية، وظل مرابطًا أمام أسوارها من سنة 54 هـ إلى سنة 60 هـ([10]).

ثم عمل معاوية على تحصين أطراف الشام الشمالية، التي تشكِّل مناطق الحدود بين الدولتين: الإسلامية والبيزنطية؛ وذلك لصدِّ غارات البيزنطيين ثم رِدْءًا ومعينًا للقوات الإسلامية الزاحفة على القسطنطينية.

ثم عمل معاوية رضي الله عنه على تعمير بعض المدن كمدينة: أنطاكية التي كانت معرَّضة دائمًا للغارات البيزنطية المفاجئة، وأغرى الناس على الإقامة بأنطاكية، بأن منحهم إقطاعات من الأرض، ثم أخذ معاوية رضي الله عنه يوالي تدريجيًّا تعمير المدن الواقعة بين الإسكندرونة([11]) وطَرَسوس([12]) أثناء غاراته على أراضي البيزنطيين.

ولإحكام سيطرته وقبضته على المعاقل المهمة، استولى على سميساط([13]) ومَلَطية([14])، وقام بتجديد عدة حصون في تلك المناطق.

ولكي تكون الحركة مستمرة وتكون مناطق الحدود ميدانًا عمليًّا لتدريب جند المسلمين، وتعويدهم على الدروب والطرق، والممرات الجبلية الوعرة؛ دأب معاوية رضي الله عنه على الغزو المستمر، وأصبح هذا النشاط العسكري يُعرف بغزوات: الصوائف والشواتي([15])، فلا تكاد تمر سنة وإلا ونجد ذِكْرًا عند الطبري وغيره لغزوٍ في البر أو البحر، كأن يقول: “وفيها شتَّى فلان بأرض الروم، أو كانت صائفة فلان إلى أرض الروم”([16]).

وكانت هذه المعارك تهدد بلاد الأعداء، وتخرب تحصيناتهم، وهي بلا شك تشكِّل ضغطًا على الدولة البيزنطية وتحطِّم قواها، وقد برز في هذه الحملات المستمرة عددٌ مِن كبار القادة المسلمين.

الحصار الأول للقسطنطينية:

يظهر مما سبق: أن معاوية رضي الله عنه قد حصَّن حدود دولته، وقام بتدريب القوات الإسلامية المسلحة ورفع مِن مستواهم القتالي، وبعد هذه الاستعدادات قام معاوية رضي الله عنه بالسير نحو القسطنطينية، وتبدأ الخطوة الأولى بأن أرسل معاوية رضي الله عنه (سنتي: 47 و48 هـ) سرايا من قواته لتُغير على الأراضي البيزنطية لتمهد الطريق في سبيل الوصول إلى القسطنطينية، وقد تمكَّن مالك بن هبيرة السكوني من قضاء الشتاء في الأراضي البيزنطية، وها هو أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه يصدر تعليماته بفرض أول حصار على القسطنطينية وكان ذلك عام: 49هـ / 669م، وهو أول حصار إسلامي لمدينة القسطنطينية.

وقد صادف ذلك وجود بعض الصراعات الداخلية التي واجهها الإمبراطور قُسطانـز الثاني؛ نتيجة تمرد اثنين من قادته، وبالفعل وصل الأسطول الإسلامي إلى خلقيدونية -وهي ضاحية من ضواحي القسطنطينية-، وحاصرها توطئة لاقتحامها في محاولةٍ لاختراق المدينة من تلك الناحية، وقد شارك عددٌ مِن الأفاضل في ذلك الحصار، أمثال: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي أيوب خالد بن يزيد الأنصاري رضي الله عنهم، وقد تُوفِّي أبو أيوب الأنصاري عند القسطنطينية، فدُفِن بالقرب من سورها([17]).

هذا وقد أرسل معاوية ابنه يزيد ضمن هذا الجيش، وكان يزيد أحد قادة الجيش، وقد استمر الحصار حوالي ستة أشهر تقريبًا، وكادت القوات الإسلامية أن تحرز انتصارًا؛ لولا أنهم واجهوا صعوباتٍ جمةٍ، منها: الشتاء الغزير المطر، والبرد القارص؛ مما أدَّى إلى نقص الطعام والأغذية، وتفشي الأمراض بينهم، كما كان لمناعة أسوار القسطنطينية أثرها في تراجع المسلمين وإجبارهم مرة أخرى على العودة إلى بلاد الشام، كما كانت النار التي فتحها المتحصنون بها على جيش المسلمين مِن أهمِّ الأسباب التي أعاقت قدرتهم على فتحها([18]).

وعن هذا الحصار قال النبي صلى الله عليه وسلم: “أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ”([19])؛ لذا يُعد غزو القسطنطينية من دلائل نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي النهاية: عادت هذه الحملة الأولى دون أن تُحقق النتيجة المأمولة، وإن كانت أحدثت -بلا شك- دويًّا هائلًا داخل صفوف الروم، وهي على كل حالٍ كانت محاولة ناجحة؛ إذ هَددت العاصمة وحاصرتها، وقد كان يتخلل هذا الحصار اشتباكات بين قوات الفريقين.

الحصار الثاني للقسطنطينية:

استطاع معاوية رضي الله عنه أن يُضَيِّق الخناق على الدولة البيزنطية بالحملات المستمرة، والاستيلاء على جزر رودس وأرواد -اللتين سبقت الإشارة إليهما-.

ومِن جزيرة أرواد: انطلق الأسطول الإسلامي في الحصار الثاني، فلم ييأس معاوية بعد الحصار الأول، بل قد زاده فشل الحملة الأولى إصرارًا على المضي قُدُمًا نحو العاصمة مرة أخرى، وبالفعل تحرَّكت القوات البرية والبحرية، وظلت مرابطة أمام أسوارها من عام (54 هـ / 674م، وحتى عام 60 هـ 680م)؛ فلقد استمر الحصار لمدة سبع سنوات كاملة تقريبًا، وكانت هناك مناوشات تقع بين الطرفين، لكن هذه المناوشات كانت تقتصر على فَصْلي: الربيع والصيف فقط؛ وذلك لصعوبة القتال خلال فصل الشتاء، ولا ريب أن القوات المسلحة الإسلامية في حصارها هذا، قد أرهقت البيزنطيين وأذاقتهم ألوانَ الضنك والخوف، وأنـزلت بهم خسائر فادحة.

وبالرغم من كل ذلك: لم تستطع اقتحام المدينة أو التغلب على حراسها المدافعين عن أسوارها، وقد تضافرت عِدَّة عوامل ساعدت بمجموعها على فشل هذه الحملة أمام صمود القسطنطينية.

فمِن أهم هذه العوامل:

– أن البيزنطيين توصَّلوا إلى سلاحٍ عجزت أمامه جيوش المسلمين، وهذا السلاح يُسمَّى النار البحرية أو النار الإغريقية، وهو عبارة عن مُركَّب كيمائي يشتعل ويتم قذفه على السفن فيشعل فيها النيران، والعجيب أنه كان يزداد اشتعالًا إذا لامس الماء، ومخترع هذا السلاح هو مهندس سوري الأصل اسمه: “كالينكوس”، كان في أوائل الأمر في خدمة المسلمين ثم هرب إلى القسطنطينية، ووضع خبرته في خدمة البيزنطيين، ولا شك أن هذا السلاح قد أضرَّ بالأسطول البحري الإسلامي، وكبَّد المسلمين كثيرًا من الخسائر.

– ومن هذه الأسباب أيضًا: وجود سلسلة حديدية ضخمة، تحجز ما بين القرن الذهبي -ميناء القسطنطينية- وبين الشاطئ الآسيوي، ثم كثرة الأسوار والحصون الداخلية والخارجية للقسطنطينية، وهذه الأسوار تعلوها أبراج مراقبة تكشف تحركات المسلمين([20]).

قال الدكتور عبد الشافي محمد عبد اللطيف: “لقد تظاهرت عدة عوامل ساهمت في منع سقوط القسطنطينية، منها: مناعة المدينة الطبيعية وقوة تحصيناتها، والنار الإغريقية، ورداءة الطقس وقسوته، والتيارات المائية الشديدة الانحدار الآتية من البحر الأسود لِتَحُول دون استيلاء المسلمين على المدينة؛ رغم صبرهم وبسالتهم، وتحملهم المشاق.

وفي النهاية: دعت الظروف الداخلية في كلٍّ مِن الدولتين إلى إنهاء الحصار، فدخلوا في مفاوضاتٍ انتهتْ بعقد صلحٍ بينهما، عاد بمقتضاه الجيش الإسلامي والأسطول إلى الشام”([21]).

الحصار الثالث والأخير للقسطنطينية في العصر الأموي:

لقد دخلت الدولة الأموية في صراعاتٍ كثيرةٍ بعد موت معاوية رضي الله عنه، وذلك منذ بداية حكم ابنه يزيد، وقامت ثورات كثيرة على البيت الأموي([22]).

ولقد استمر هذا الوضع إلى آخِر خلافة عبد الملك بن مروان، ولكن عبد الملك استطاع أن يحافِظَ على دولته؛ فلقد ترك لابنه الوليد بن عبد الملك (86 هـ / 96م) دولة قوية متماسكة يهابها الأعداء.

وقد استكمل الوليد مسيرة أبيه عبد الملك في حركة الفتوحات الإسلامية، واستطاع أن ينتصر، وأن يستولي على كثيرٍ مِن المعاقل والحصون الواقعة في حوزة الدولة البيزنطية، وقد برز مسلمة بن عبد الملك في تلك الحروب، فكان في كلِّ سنة يفتح بلدًا أو حصنًا من الحصون العظيمة التي أقامها الروم لتأمين سلامة بلادهم، والمحافظة عليها مِن غارات أعدائهم.

وشاركه أيضًا في الفتوحات: العباس بن الوليد بن عبد الملك، وهكذا نرى أن أبناء البيت الأموي هم الذين يقودون حركة الفتوحات على رؤوس الجيوش.

ومِن أهم الحصون التي تم فتحها: حصن عمورية، وهرقلية، وقمونية، وحصن طوانة، وسمطية، والمرزبانين، وطروس، وغيرها من المعاقل والحصون، وهكذا يظهر جليًّا أن جبهة الحدود دائمًا نشطة، والغزو الإسلامي لا يكاد يتوقف.

ولقد وقف البيزنطيون حيارى أمام تصميم المسلمين واستمرار هذا النشاط العسكري، وهنا أرسل الإمبراطور البيزنطي أنسطاس (713 – 716م) بعض السفراء الدبلوماسيين إلى دمشق؛ لاستطلاع الأخبار، وليتحسس السفراء واقع المسلمين، ثم ليعرض السفراء على الوليد مشروع عقد هدنة بين الدولتين.

ولما وصل السفراء إلى دمشق وقد شاهدوا عظمة المسلمين في عاصمتهم، ونشاط الخليفة في إعداد الجيوش لتوجيهها إلى القسطنطينية، عادوا إلى الإمبراطور وأخبروه بما رأوه، وأكَّدوا له على صدق المسلمين وعزيمتهم على الجهاد، وطالبوه بضرورة اتخاذ الاحتياطات اللازمة للدفاع عن العاصمة، فأخذ أنسطاس برأي السفراء، وأعلن في القسطنطينية أخبار الحملة الإسلامية المنتظرة، وأمر كلَّ فردٍ أن يخزن لنفسه مؤونة تكفيه ثلاث سنوات، وأن يخرج من المدينة كل ضعيف غير قادر على تدبير مؤونته، ثم ملأ الخزائن بكمياتٍ كبيرةٍ مِن القمح وغيره من الحاجيات التي يتطلبها المدافعون عن المدينة.

واهتم كذلك بتجديد أسوار المدينة وحصونها، ووضع على الأسوار البرية كل الآلات الحربية من المجانق وغيرها من وسائل الدفاع، وبينما يمضي الخليفة الوليد في استعداداته للزحف على العاصمة إذ وافته منيته سنة 96 هـ، فخلَّفه أخوه سليمان بن عبد الملك([23]).

تولَّى سليمان بن عبد الملك رحمه الله([24]) الخلافة، وواصل جهوده في هذا الميدان، وكرَّس همته لتحقيق الانتصار على الدولة البيزنطية في عاصمتها؛ لذا واصل إرسال الحملات نحو طريق القسطنطينية.

والذي يبدو أن اهتمام الخلفاء بفتح القسطنطينية: إنما يرجع لرغبتهم الشديدة في أن يكونوا المقصودين بقوله عليه الصلاة والسلام: “لَتُفْتَحَنَّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ، فَلَنِعْمَ الْأَمِيرُ أَمِيرُهَا، وَلَنِعْمَ الْجَيْشُ ذَلِكَ الْجَيْشُ”([25])، ثم لصدِّ الهجمات البيزنطية المتكررة على الشواطئ الشامية والمصرية، والتي مِن شأنها بث حالة من عدم الاستقرار في تلك النواحي، وبالتالي: المساس بسيادة الدولة الإسلامية؛ فقد هاجم البيزنطيون ساحل جند حمص، وسَبَوْا امرأة وجماعة، فغضب سليمان وقال: “ما هو إلا هذا نغزوهم ويغزوننا، والله لأغزونهم غزوة أفتح فيها القسطنطينية، أو أموت دون ذلك”([26]).

ومما يؤكِّد على اهتمام سليمان بهذا الأمر، ومدى حرصه على تحقيقه: أنه اتخذ من دابق في شمال الشام مقرًّا للقيادة، وقد أقام بها ليكون على مقربة من متابعة الحملات بنفسه، وليشد مِن أزر الجنود ويرفع معنوياتهم، وقد بدأ سليمان في اتخاذ خطوات سريعة، وبالفعل تم تنظيم الجيش الإسلامي الكبير، فكانت الحملة من القوات البرية عددها: (120 000) من الشام والجزيرة والموصل، وضمت الحملة البحرية (1000) مركب من أهل مصر وإفريقية، وقيل: (1800).

وفي عام 98 هـ / 717م، تحرَّكت الحملة بقيادة مسلمة بن عبد الملك من سوريا برًّا وبحرًا باتجاه القسطنطينية، واستمر مسلمة في سيره ووصلت الحملة البرية القسطنطينية عام 98هـ / 717م، ووصلها الأسطول في عام 99 هـ / 718م، وأخذ مسلمة ينظِّم جيوشه البرية والبحرية ليقوم بعملية الحصار، واستطاع أن يحدث التكامل بين الجيشين، وضرب المسلمون الحصار على المدينة، وقاتلوا الروم قتالًا شديدًا، وتم سد جميع الثغرات والمنافذ على المدينة؛ وذلك لمنع وصول أي إمداداتٍ إلى المدينة، وتمت السيطرة على مضيق البوسفور، وهو مضيق يصل بين البحر الأسود وبحر مرمرة([27])، ولكن رغم هذا التخطيط الجيد، والتضحيات المضنية، والاستعدادات الهائلة، وكثرة عدد الجند والسفن، والعتاد والعدة، كان قَدَرُ الله أسبق، فلم تنجح الحملة في السيطرة على العاصمة وإسقاطها رغم المصابرة التي استمرت قرابة سنة، بل تكبَّدت الحملة خسائر كبيرة([28]).

قال الطبري رحمه الله معلقًا على حالة الجيش: “فلقي الجند ما لم يلقَ جيش، حتى إن كان الرجل ليخاف أن يخرج من العسكر وحده، وأكلوا الدواب والجلود، وأصول الشجر والورق، وكل شيء غير التراب!”([29]).

ولقد تضافرت عوامل شتى أدَّت إلى فشل الحملة والعودة دون تحقيق أهدافها، ولعل مِن أهم الأسباب التي ساعدت على فشل هذه الحملة: تعرُّض المسلمين لحركة غدرٍ وخيانةٍ كبرى مِن شخص يُدعَى: (ليون الإيسوري)؛ فلقد أظهر هذا الرجل تعاونه مع المسلمين وحرَّضهم على رفع الحصار، وهو في الحقيقة كان يخطط ليصل إلى كرسي العرش البيزنطي، وقد كان، فلقد أصبح إمبراطورًا لبيزنطة ثم تصدَّى للمسلمين بعد ذلك([30]).

ومِن الأسباب أيضًا: التقلبات المناخية القاسية، وشدة الأمطار في فصل شتاء، حتى إنه قيل في شتاء عام 99 هـ / 718م: إن الثلج قد غطَّى وجه الأرض، وهلك فيه كثيرٌ ممَّن كان مع المسلمين من الجِمال والخيل والدواب، وكانت الرياح أيضًا شديدة، وتعرَّض عددٌ مِن السفن إلى التدمير؛ نظرًا لشدة الرياح وقسوتها؛ فتعرض المسلمون لأحوالٍ جويةٍ قاسيةٍ للغاية.

ثم زاد الأمر صعوبة: استعمال الأعداء لسلاح النار الإغريقية؛ مما أدَّى إلى ارتفاع نسبة الخسائر البشرية، وكذا الخسائر في السفن والمعدات العسكرية.

ومن الأسباب أيضًا: مناعة أسوار المدينة وتحصيناتها الدفاعية، وتسلحها بالمجانيق.

وأثناء الحصار لقيَ الخليفةُ سليمان بن عبد الملك ربَّه رحمه الله، وتولَّى الأمر بعده عمر بن عبد العزيز رحمه الله، وهنا أرسل عمر بن عبد العزيز إلى مسلمة طعامًا كثيرًا حيث إن المسلمين قد أُصيبوا بمجاعة، وكان عدد الخيل التي وجهها عمر بن عبد العزيز لمسلمة خمسمائة فرس، ثم أصدر عمر قراره الشجاع الحكيم بفك الحصار والعودة إلى ديار المسلمين.

ولا ريب أن قرار عمر بن عبد العزيز بالانسحاب كان قرارًا صائبًا سديدًا؛ ذلك لأن موقف المسلمين المحاصرين للقسطنطينية كان صعبًا للغاية، وفرص النصر تكاد تكون معدومة، فأمر بانسحابهم حقنًا لدمائهم، وحفاظًا على ما تبقى من الجيش والقوات والأسلحة، فقد رَاعَى الخليفة عمر واقع الجيش، ووازن بين المصالح والمفاسد، وهكذا عادت الحملة الثالثة والأخيرة دون أن تحقق هدفها، ولكن حقق المسلمون خلال تلك الفترة بعض الانتصارات، وسيطروا على كثيرٍ مِن الحصون والجزر -كما ذكرنا آنفًا-.

ورغم فشل هذه الحملات؛ إلا أن الأمويين استطاعوا أن يذلوا دولة كبيرة، وجعلوا قصارى جهدها أنها تدافع فقط عن عاصمتها.

وفي النهاية: فإن المسلمين لم يفقدوا الأمل في إسقاط القسطنطينية؛ فلقد رفعت الدولة الأموية عَلَمَ الجهاد نحو القسطنطينية، وجعل الأمويون هذا الهدف أملًا حيًّا لم يمت في قلوب المسلمين عَبْر قرونٍ طويلةٍ([31]).

ثم شهد العصر العباسي محاولتين لفتح القسطنطينية:

الأولى: في عهد الخليفة المهدي (164ه /781م) قادها ابنه هارون الرشيد، واستطاع هارون الرشيد أن يصل إلى خليج القسطنطينية، وأن يُهدد العاصمة، وهنا رأت إيرين إمبراطورة بيزنطية أن موقفها صعب، ولا يتيح لها إلا المُساومة، فخضعت مضطرة لشروط هارون.

ومن أهمها:

– تدفع إيرين للخلافة العباسية جزية سنوية تتراوح بين سبعين ألف وتسعين ألف دينار تسدد على دفعتين.

– يتم تبادل الأسرى بين الجانبين.

– تلتزم بيزنطية بفتح الأسواق للتجار المسلمين في رحلة العودة.

– تمدُّ بيزنطية الجيش الإسلامي بالمرشدين في طريق العودة.

– يسمح لأفراد الجيش الإسلامي بأن يحملوا معهم كافة الغنائم.

– يستمر الصلح مدة ثلاثة أعوام.

وكان نتيجة هذا الإنجاز الذي حقَّقه هارون، أن أباه لقَّبه بـ(الرشيد)([32]).

والحملة الثانية: كانت في عهد الخليفة هارون الرشيد، وهي وإن لم تكن مباشرة نحو القسطنطينية؛ إلا أنها شكَّلت خطورة عليها.

فعندما تولى هارون الرشيد منصب الخلافة، جعل جُلَّ اهتمامه نحو تحصين الحدود المشتركة مع الدولة البيزنطية، وقد كثرت المواجهات بين الدولة العباسية والدولة البيزنطية، وقد شارك هارون الرشيد بنفسه في بعض تلك الحملات والمواجهات، وقد نَقَل هارون الرشيد خلال فترات المواجهة مقر إقامته إلى الرقة؛ ليكون قريبًا من مسرح العمليات، وقد تمكَّن العباسيون من الوصول إلى أنقرة في عمق الأراضي البيزنطية.

وفي عام 187ه/ 803م، قاد هارون الرشيد حملة عسكرية، وتوغل في منطقة كبادوكيا.

وفي عام 190ه/ 806م، وبسبب نقض البيزنطيين للعهود والمعاهدات التي أبرموها مع الدولة العباسية، قاد هارون الرشيد حملة عسكرية أخرى، وتوغل داخل الأراضي البيزنطية، وفتح هرقلة وامتلك طوانة، وأرسل حملة عسكرية إلى إقليم أنقرة، وهنا طلب نقفور إمبراطور الروم الصلح والمهادنة مع المسلمين، والتزم بدفع الجزية.

ولا شك أن تلك الحملات قد هدَّدت الدولة البيزنطية بما فيها العاصمة([33]).

وقد كانت هناك محاولات أخرى من عدة دويلات إسلامية في آسيا الصغرى، ومِن أهمها محاولات السلاجقة.

الدولة العثمانية وفتح القسطنطينية:

لقد ظلَّ فتح القسطنطينية حُلمًا يراود الفاتحين المسلمين، منذ سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يُبشِّر بفتحها؛ فعن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَيُّ الْمَدِينَتَيْنِ تُفْتَحُ أَوَّلًا قُسْطَنْطِينِيَّةُ أَوْ رُومِيَّة؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَدِينَةُ هِرَقْلَ تُفْتَحُ أَوَّلًا يَعْنِي قُسْطَنْطِينِيَّةَ»([34])؛ فضلًا عن ثنائه صلى الله عليه وسلم على الجيش الذي سيفتحها الله على يديه.

ولقد استعصت القسطنطينية على الدولتين: الأموية والعباسية -كما ذكرنا آنفًا-، رغم تعدد المحاولات التي وقعت من الدولتين، ولكنها في النهاية -بفضل الله تعالى- استسلمت للدولة العثمانية، وتحقَّقت البشارة النبوية؛ فمنذ ظهور الدولة العثمانية جعلت من أهم أهدافها فتح القسطنطينية، وقد حاصرها السلطان بايزيد (الصاعقة) عام 796ه/ 1393م، ولكنه لم يتمكن من فتحها، ثم تجددت المحاولات في عصر السلطان مراد الثاني وتمكَّنت جيوش العثمانيين من محاصرتها أكثر من مرة، ولكن لم يتمكن العثمانيون من تحقيق مرادهم وهدفهم.

وقد انشغلت الدولة العثمانية مدة من الزمن بالشيعة وغيرهم وحاربتهم، ولكن عندما تولَّى السلطان الشاب الذي لم يتعدَّ عمره اثنين وعشرين سنة، محمد الثاني -سابع سلاطين الدولة العثمانية- عام 855 ه/ 1451م، وهو الملقَّب بمحمد الفاتح؛ بذل جهودًا عظيمة لفتح القسطنطينية، وكان الفاتح قد تربَّى على هدف الفتح منذ صغره، وكان هذا هو أمله في الحياة، فاعتنى بتقوية الجيش العثماني ماديًّا ومعنويًّا، وأعد أسطولًا بحريًّا كبيرًا، واستعان بأهل الخبرة وأهل العلم، وقام بدراسة العقبات والمعوقات التي تحول بينهم وبين فتح المدينة، ثم عمل على تذليل تلك العقبات.

وكان مِن المعوقات: عدم وجود حصن للمسلمين أمام سور القسطنطينية، وهنا قرَّر بناء حصنٍ في مدةٍ زمنيةٍ لا تتعدَّى ثلاثة أشهر، وقد كان.

ومن العقبات أيضًا: عدم وجود المدفع الصالح لاختراق أسوار المدينة، وهنا استقدم الفاتحُ العالم المجري المهندس “أوربان”، واستعان به، حيث إن أوربان من أشهر صانعي المدافع آنذاك، فاستقبله الفاتح استقبالًا حسنًا، وأغدق عليه الأموال، ويسَّر له كل الوسائل التي تمكِّنه من إتمام اختراعه، ووضع تحت تصرفه ما طلبه من آلات وفنيين، وشرع “أوربان” في صنع المدافع، بمعاونة عدد من المهندسين والفنيين الآخرين، وكان الفاتح يشرف عليهم بنفسه، ولم تمضِ ثلاثة أشهر حتى كان “أوربان” قد صنع ثلاثة مدافع، بينها مدفع ضخم عملاق، كان يزن سبعمائة طن، وتزن القذيفة الواحدة فيه ألف وخمسمائة كيلو جرام تقريبًا.

وتحرَّك الفاتح عام 857ه / 1453م، نحو المدينة، وتم حصار المدينة ما يقرب من شهرين، ثم تم نقل الأسطول البحري إلى البر مسافة 5كم تقريبًا، وذلك على ألواح خشبية مدهونة بالزيت، وأنـزل السفن عند خليج القرن الذهبي، وبذلك أصبح الأسطول داخل المدينة، ثم قام بحفر عدة أنفاق لاختراق تحصينات المدينة.

وفي يوم الثلاثاء 20 جمادى الأولى عام 857ه/ 1453م، بدأ الهجوم الشامل على المدينة، وسقطت المدينة وسط النهار، وخرَّ الفاتح ساجدًا لله تعالى، ثم جعلها عاصمة للدولة.

وقد قام الفاتح بتحويل أكبر كنيسة في عصر الإمبراطورية الرومانية إلى مسجد، فقد أمر الفاتح بعد ذلك بتحويل الكنيسة آيا صوفيا إلى مسجدٍ، وأن يعدَّ لهذا الأمر حتَّى تقام بها أوَّلُ جمعةٍ قادمة، وقد أخذ العمَّال يعدُّون لهذا الأمر، فأزالوا الصُّلبان، والتَّماثيل، وطمسوا الصُّور بطبقةٍ من الجير، وعملوا منبرًا للخطيب، وأقيمت صلاة الجمعة.

علمًا بأن المدينة كانت تعرف بإسلامبول تم تحولت إلى إسطنبول.

الإنجازات الحضارية في عصر محمد الفاتح:

– لقد اهتم محمد الفاتح ببناء المدارس والمعاهد، ويعود ذلك إلى حبِّه للعلم والعلماء؛ ولذا فقد فاق أجداده في هذا الأمر، وقد أدخل بعض الإصلاحات في التعليم وقام بتطوير المناهج التعليمية، وكان أحيانًا يحضر امتحانات الطلاب بنفسه ليشرف على العملية التعليمية.

– وقد أنشأ بجانب مسجده الذي بناه بالقسطنطينية ثماني مدارس، وأنشأ بعض المدن الجامعية مع توفير جميع احتياجات الطلاب من مأكل ومشرب، ومنح مالية شهرية، وكذا أنشأ بعض المكتبات العلمية، وقد أُنْشِئ له في قصره خزانة خاصة احتوت على كثيرٍ من الكتب العلمية المختلفة، وكان بها اثنا عشر ألف مجلد.

– وقد رفع السلطان محمد الفاتح من شأن العلماء، وأغدق عليهم النفقات، وكان يحضر لهم مجالس العلم.

– واهتم كذلك بالشعراء والأدباء، وكان ينكر على الشعراء المجون والفسق، وكان يعاقبهم على ذلك.

– واهتم كذلك بحركة الترجمة، وأمر بترجمة الكتب والآثار من اللغات المختلفة: كاليونانية، واللاتينية، والفارسية، والعربية، إلى اللغة التركية، ولا شك أن ذلك أحدث نهضة فكرية وثقافية بين شعبه.

– واهتم كذلك ببناء المستشفيات، وتشييد المباني والحمامات، والقصور والحدائق، وأدخل المياه إلى العاصمة عن طريق القناطر، واهتم بالتوسُّع العمراني.

– واهتم كذلك بالتجارة والصناعة، حيث ازدهرت الصناعة والتجارة في عصره، وأكثر من إنشاء الأسواق المختلفة، وإقامة الكباري، وتمهيد الطرق؛ مما سهَّل حركة التجارة وأنعشها.

– وكذا قام بإنشاء بعض المصانع المختلفة، ومنها: مصانع الأسلحة والذخيرة.

– واهتم كذلك بالتنظيمات الإدارية وشؤون الإدارة المحلية، وسن بعض القوانين التي تنظِّم العلاقة بين الحكومة والأمراء والشعب، وبين الشعب المسلم وغيره من الشعوب التي تعيش على أرضه.

– واهتم كذلك بالجيش البري والقوات البحرية، وأقام القلاع والحصون في المواقع ذات الأهمية العسكرية، وأحدث طفرة كبيرة في الأسطول البحري العثماني.

وبهذا استطاع أن يحدث نهضة شاملة بدولته، شملت جميع مناحي الحياة([35]).

  1. () محمد مصطفى: فتح القسطنطينية وسيرة السلطان محمد الفاتح (ص 36-46)، وانظر: فتح مدينة القسطنطينية، فهد بن عايش الطيار (ص 13)، وأحمد شلبي: موسوعة التاريخ الإسلامي (5/ 676).
  2. () أخرجه الإمام أحمد في مسنده (18957)، والحديث مختلف في صحته، فقد صححه الحاكم والذهبي، وضعفه الألباني، والأرناؤوط في تحقيق المسند.
  3. () عبد الشافي عبد اللطيف: العالم الإسلامي في العصر الأموي (ص 214) بتصرفٍ.
  4. () عبد الشافي عبد اللطيف: المرجع السابق (ص 215).
  5. () “ذات الصواري”: معركة بحرية وقعت بين المسلمين والإمبراطورية البيزنطية في عام 35 هـ. وقيل: عام 31 هـ، وانتهت بنصر المسلمين.وقد مَثَّلَت هذه المعركة نهاية سيطرة الدولة البيزنطية على البحر المتوسط.

    وسببها: أنه لما بلغ هرقل إمبراطور الروم خبر استيلاء العرب على بلاده في إفريقية؛ جهَّز أسطولًا كبيرًا مؤلفًا من ستمائة مركب، واتجه به من القسطنطينية في البحر إلى ناحية تونس هادفًا إلى القضاء على البحرية الإسلامية الناشئة، فخرج إليه الأسطول الإسلامي بشقيه: الشامي والمصري بقيادة عبد الله بن سعد بن أبي سرح، والتقوا بمراكب الروم بالقرب من شواطئ “كيليكيا”، فانهزم الأسطول الرومي، وفرَّ قائده بما بقي مِن مراكبه، وسميت: “ذات الصواري”؛ لكثرة المراكب وصواريها، وكانت هذه المعركة في خلافة عثمان رضي الله عنه.

  6. () السيد عبد العزيز سالم: تاريخ الدولة العربية (ص213)، عبد الشافي عبد اللطيف: العالم الإسلامي في العصر الأموي (ص 216).
  7. () جزيرة رودس: جزيرة يونانية في البحر الأبيض المتوسط، تقع بالقرب من الساحل الجنوبي لتركيا، في منتصف المسافة بين جزر اليونان الرئيسية وقبرص، وتعد رودس أبعد الجزر الشرقية بالنسبة لليونان وبحر إيجة، وتبعد عن غرب تركيا بحوالي 18 كم تقريبًا. انظر: (بوابة اليونان القديم).
  8. () الطبري: تاريخ الرسل والملوك (6/ 148).
  9. () أَرْوَادُ: بالفتح ثم السكون، وواو، وألف، ودال مهملة: اسم جزيرة في البحر قرب قسطنطينية، غزاها المسلمون وفتحوها في سنة 54 هـ مع جنادة بن أبي أمية في أيام معاوية بن أبي سفيان، وأسكنها معاوية، وكان ممن فتحها: مجاهد بن جبر المقري، وتبيع ابن امرأة كعب الأحبار، وبها أقرأ مجاهد تبيعًا القرآن، ويقال: بل أقرأه القرآن برودس انظر: معجم البلدان (1/ 162).
  10. () عبد الشافي عبد اللطيف: العالم الإسلامي في العصر الأموي (ص 245).
  11. () الإسكندرونة: مدينة تقع على البحر المتوسط ضمن محافظة هاتاي التركية حاليًا.
  12. () بفتح أوله وثانيه، وهي كلمة عجمية رومية، وقالوا: سميت بطرسوس بن الروم بن اليفز بن سام بن نوح عليه السلام، وهي مدينة بثغور الشام بين أنطاكية وحلب وبلاد الروم. الحموي: معجم البلدان (4/ 280).
  13. () تقع على شاطئ الفرات.
  14. () بفتح أوله وثانيه، وسكون الطاء، وتخفيف الياء، والعامَّة تقوله بتشديد الياء وكسر الطاء، وهي من بناء الإسكندر، وجامعها مِن بناء الصحابة، وهي بلدة من بلاد الروم مشهورة. الحموي: معجم البلدان (5/ 193).
  15. () عبد الشافي عبد اللطيف: العالم الإسلامي في العصر الأموي (ص 248).
  16. () الطبري: تاريخ الرسل والملوك (5/ 232).
  17. () هو خالد بن زيد بن كليب، أبو أيوب الأنصاري الخزرجي، شهد بدرًا، والعقبة، والمشاهد كلها، وشهد مع علي رضي الله عنه قتال الخوارج، وفي داره كان نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين قدم المدينة مهاجرًا من مكة فأقام عنده شهرًا حتى بنى المسجد ومساكنه حوله، ثم تحوَّل إليها.وقد وفد أبو أيوب رضي الله عنه على عبد الله بن عباس رضي الله عنهما لما كان واليًا على البصرة في عهد علي، فبالغ في إكرامه، وقال: “لأجزينَّك على إنزالك النبي صلى الله عليه وسلم عندك”، ووصله بكل ما في المنزل، فبلغ ذلك أربعين ألفًا، وجاء في رواية: “لما أراد الانصراف خرج له عن كل شيء بها، وزاده تحفًا وخدمًا كثيرًا، وأعطاه أربعين ألفًا وأربعين عبدًا”؛ إكرامًا له؛ لما كان أنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في داره، وقد كان هذا من أكبر الشرف له.

    وهو القائل لزوجته أم أيوب حين قالت له: “أما تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ ” -أي: في حديث الإفك- فقال لها: “أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ فقالت: لا والله. فقال: “والله لهي خير منك”، فأنزل الله: ‏﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾‏ [النور: 12]، وقد آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أبي أيوب ومصعب بن عمير رضي الله عنهما صاحب الفتح السلمي الكبير بالمدينة النبوية.

    وقد توفي أبو أيوب ببلاد الروم قريبًا من سور قسطنطينية، وكان في جيش يزيد بن معاوية وإليه أوصى، وهو الذي صلَّى عليه [انظر: سير أعلام النبلاء (2/ 405)، والبداية والنهاية (11/ 252)].

  18. () ابن الأثير: الكامل في التاريخ (6/ 480)، محمد سيد الوكيل: الأمويون بين الشرق والغرب (1/ 59).
  19. () رواه البخاري (2924).
  20. () التاريخ الإسلامي: آفاقه السياسية وأبعاده الحضارية (ص 175).
  21. () العالم الإسلامي في العصر الأموي (ص 223).
  22. () للاطلاع على تفاصيل الأحداث والثورات في العصر الأموي، راجع كتابنا: “أحداث الفتن السياسية في عصر الخلافة الراشدة والدولة الأموية”.
  23. () العالم الإسلامي في العصر الأموي (ص 225)، الأمويون بين الشرق والغرب (1/ 420).
  24. () هو سليمان بن عبد الملك بن أبي العاص بن أمية، الخليفة أبو أيوب القرشي الأموي، بويع بعد أخيه الوليد سنة ست وتسعين، وكان ديِّنًا فصيحًا مُفَوَّهًا، عادلًا محبًّا للغزو، وكان جميلًا، ويرجع إلى دينٍ وخيرٍ، ومحبةٍ للحق وأهله، واتباع القرآن والسُّنة، وإظهار الشرائع الإسلامية، وكان يستعين في أمر الرعية بعمر بن عبد العزيز، وعزل عُمَّال الحجَّاج وكتب: “إن الصلاة قد أميتت فأحيوها بوقتها”، وهمَّ بالإقامة ببيت المقدس، ثم نزل قنسرين للرباط وحجَّ في خلافته، وعن ابن سيرين قال: “يرحم الله سليمان افتتح خلافته بإحياء الصلاة، واختتمها باستخلاف عمر”.وكان سليمان ينهي الناس عن الغناء [البداية والنهاية (12/ 642)، سير أعلام النبلاء (5/ 112)].
  25. () سبق تخريجه.
  26. () الوافي بالوفيات (15/ 403).
  27. () تاريخ الرسل والملوك (7/ 433)، العالم الإسلامي في العصر الأموي (ص 227)، الدولة الأموية عوامل الازدهار وتداعيات الانهيار (2/ 10).
  28. () سليمان بن عبد الله السويكت: الحملة الأخيرة على القسطنطينية في العصر الأموي (ص440).
  29. () تاريخ الرسل والملوك (7/ 433).
  30. () لمزيدٍ من أخبار ليون وقصته، راجع المرجع السابق (6/ 530)، الكامل في التاريخ (5/ 27)، العالم الإسلامي في العصر الأموي (ص 227-229).
  31. () تاريخ الرسل والملوك (6/531)، التاريخ الإسلامي: آفاقه السياسية وأبعاده الحضارية (ص 221)، العالم الإسلامي في العصر الأموي (ص 230).
  32. () محمد سهيل طقوش: الدولة العباسية (ص 85).
  33. () محمد سهيل طقوش: الدولة العباسية (ص 102).
  34. () رواه أحمد (6645)، والحاكم (8301)، وقال: “صحيحٌ على شرط الشيخين ولم يخرجاه”، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي: “رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح؛ غير أبي قبيل وهو ثقة”، وصححه الألباني.
  35. () سالم الرشيدي: محمد الفاتح (ص 335 – 342).

 

مقالات ذات صلة:

Scroll to Top
Send this to a friend