معركة تهوذة واستشهاد عقبة بن نافع وأبي المهاجر واحتلال كُسَيْلَة للقيروان

معركة تهوذة واستشهاد عقبة بن نافع وأبي المهاجر واحتلال كُسَيْلَة للقيروان:

لقد جَرَت سنة الله تعالى أن مَن عاش على شيءٍ مات عليه، ومَن مات على شيءٍ بـُعِثَ عليه، ويبدو أن عقبة الرجل الشجاع المجاهد المخلص، كان يشعر شعور المؤمن الصادق، أنه سيلقى ربه شهيدًا في هذه الجولة، فعندما عزم على المسير من القيروان في بداية الغزو دعا أولاده وقال لهم: “إني قد بعت نفسي من الله عز وجل، وعزمت على مَن كفر به حتى أقتل فيه وألحق به ولست أدري أتروني بعد يومي هذا أم لا؛ لأن أملي الموت في سبيل الله”، وأوصاهم بما أحب، ثم قال: “عليكم سلام الله، اللهم تقبل نفسي في رضاك”([1]).

لقد نعى عقبة بن نافع رحمه الله نفسه إلى أولاده، فتقبل الله منه، وحقق له أمله في الشهادة، فقد أعدَّ له الروم والبربر كمينًا عند تهوذة([2])، وأوقعوا به وقضوا عليه هو ومَن معه مِن جنوده، وترجع المصادر أمر الكارثة التي تعرض لها عقبة عند تهوذة إلى سببٍ رئيسيٍ، وهو: سياسته نحو البربر بصفةٍ عامةٍ، وزعيمهم كسيلة بصفة خاصة؛ ذلك الزعيم صاحب النفوذ والمكانة في قومه، والذي كان أبو المهاجر قد تألفه وأحسن إليه، فأسلم وتبعه كثيرٌ من قومه، لكن عقبة أساء إلى هذا الرجل إساءة بالغة، فأدرك أبو المهاجر عاقبة الخطأ الذي وقع فيه عقبة، ولم يكتم نصيحته عنه؛ رغم أنه كان في حكم المعتقل آنذاك بسبب خلافاتٍ كانت بينه وبين عقبة، ولكن عقبة لم يسمع منه، وكان أبو المهاجر من معاشرته للبربر وزعيمهم، قد عرف مدى اعتزازهم بكرامتهم، وأدرك أنهم لن يقبلوا هذه الإهانة، وهذا الإذلال الذي لحق بزعيمهم من عقبة، فخاف غدرهم، فأشار على عقبة بالتخلص من كسيلة وقال له: “عاجله قبل أن يستفحل أمره”، ولكن عقبة لم يصغَ إلى هذه النصيحة أيضًا، وليته احتاط للأمر، بل أقدم على عمل آخر في غاية الخطورة، حيث جعل معظم جيشه يسير أمامه بعد أن رجع من رحلته الطويلة من المغرب الأقصى قاصدًا القيروان، ولما صار قريبًا من القيروان أرسل غالب جيشه على أفواج إلى القيروان، وبقي هو على رأس الفوج الأخير، ومعه ما يقرب من ثلاثمائة من الفرسان من الصحابة والتابعين.

وكان من عادة عقبة أنه يكون في مقدمة الجيش عند الغزو، ويكون في الساقة عند عودة الجيش، فهو بذلك يعرض نفسه لخطر مواجهة العدو دائمًا، وإن هذه التضحية الكبيرة جعلته محبوبًا لدى أفراد جيشه بحيث لا يعصون له أمرًا ويتسابقون على التضحية اقتداءً به، وهذه الصفة تعتبر من أهم عوامل نجاح القائد في أي عملٍ يتوجه إليه.

ولما علم الروم بانفراد عقبة بهذا العدد القليل من جيشه، انتهزوا هذه الفرصة لمحاولة القضاء عليه، وهم يدركون أن وجوده القوي يعتبر أهم العوامل في تماسك المسلمين وبقاء قوتهم، فتآمروا عليه مع كسيلة البربري، فجمعوا لعقبة وأصحابه جمعًا لا قِبَلَ لهم به، وإذا بكسيلة يحيط بجيش عقبة في جمع عدته خمسون ألفًا، وعندما رأى عقبة ذلك وأيقن أنه لن يستطيع الإفلات من هذه الكارثة والمحنة الشديدة، قرر أن يواجه الموقف بنفسه وأمر أبا المهاجر بالفرار وقال له: “الحق بالمسلمين وقم بأمرهم، وأنا اغتنم الشهادة”، فلم يفعل وقال: “وأنا أيضًا أريد الشهادة”، وهكذا كان أبو المهاجر نموذجًا من تلك النماذج الفريدة من الرجال الذين هانت عليهم الحياة الدنيا، واستولى على قلوبهم حب الآخرة وكسب رضوان الله تعالى، ثم إنه أبت عليه شهامته وخلقه أن يترك عقبة وحده في تلك المواجهة، وكسر كلُّ واحدٍ منهما جفن سيفه، وكسر المسلمون أغماد سيوفهم، وقاتلوا قتالًا شديدًا، حتى بلغ منهم الجهد وكثرت فيهم الجراح، وكان بإمكان بعضهم الفرار، ولكنهم ثبتوا ثبات الأبطال حتى اُستشهدوا جميعًا في بلاد تهوذة، وهكذا تحققت أمنياتهم بالموت في سبيل الله تعالى.

هذا وقد استطاع عددٌ كبيرٌ مِن الجيش أن يفر وينجو، وهكذا استشهد هذا القائد العظيم بعد جهادٍ دام أكثر من أربعين عامًا قضاها في فتوح شمال إفريقية، ابتداءً بمصر وانتهاءً بالمغرب الأقصى([3]).

ولا شك أن معركة تهوذة كانت كارثة ومصيبة على المسلمين، وتأثرت معنويات الجند بعد أن فقدوا قائدهم البطل الشجاع عقبة رحمه الله، وانتشرت حالة من اليأس والهزيمة النفسية، ترتب عليها بعد ذلك أن كسيلة قويت شوكته، واجتمع إليه جميع أهل إفريقية، وقصد القيروان، وعجز الجيش المسلم عن المواجهة، حتى إن المسلمين طلبوا الأمان من كسيلة فأمَّنهم، ودخل القيروان واستولى على إفريقية وأقام بها، إلى أن قوي أمر عبد الملك بن مروان؛ فلقد بقيت القيروان بيد كسيلة مدة تقارب خمس سنوات من عام (64 هـ – 69 هـ) حتى خلَّصها زهير البلوي([4]) مِن قبضته بعد أن أمدَّه عبد الملك بن مروان بجيشٍ كبيرٍ([5]).

والله المستعان.

  1. () البيان المغرب (1/ 23- 24).
  2. () تهوذة: اسم لقبيلة بربرية بناحية إفريقية، لهم أرض تعرف بهم. معجم البلدان (2/64).
  3. () الكامل في التاريخ (2/ 591)، البيان المغرب (1/ 25)، العالم الإسلامي في العصر الأموي (ص 284 – 285).
  4. () زهير بن قيس البلوي له صحبة، وهو مِن كبار الفاتحين المجاهدين في بلاد المغرب، وقد لازم عقبة في فتوحاته ومعظم معاركه.
  5. () النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة (1/ 160).

 

مقالات ذات صلة:

Scroll to Top
Send this to a friend