مقالات متنوعة

الالتزام بين الحقيقة والخيال(7)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فما زلنا نبحث عن مواطن الخلل حول شخصية المسلم الملتزم، وفي ضوء مطالعتنا لبعض الخلل الذي نريد أن نصلحه في الفرد المسلم الملتزم، والارتقاء بالمستوى التعبدي والعلمي والسلوكي للمسلم الملتزم؛ نلاحظ أنه من الآفات أيضًا: ترك العمل الدعوي، والجمع بين الشعائر التعبدية والسلوك والأخلاق، ولا أقصد هنا بالعمل الدعوي: الخطابة، وإعطاء المحاضرات، والتصنيف، ونحو ذلك فقط، لا؛ بل الدعوة أشمل وأعم من ذلك.

فلسنا مطالبين أن نكون جميعًا خطباء على المنابر، وإنما أخص في المقام الأول الدعوة بالسلوك والأخلاق، فهناك تناقض واضح ملموس عند البعض، وآه مِن هذه الآفة؛ فقد أصبحت الشعائر التعبدية عند البعض هي كل الالتزام، وضعفت الأخلاق والسلوك عند هؤلاء.

وهناك مَن يصاحب أهل السوء ويجلس معهم ويصادقهم، وليس مِن باب الدعوة، ولكنهم صادفوا هواه؛ فهذا الشخص على خطر عظيم، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنًا، وَلا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيٌّ(رواه أحمد وأبو داود الترمذي، وحسنه الألباني)، وقال عثمان -رضي الله عنه-: “ودَّت الزانية لو زنت النساء كلهن!”.

فلماذا تُقدِم على الخطر؟! بل ابتعد عن هؤلاء، وصاحِب أهل الصلاح والتقوى الذين يُبصرِّونك بحقيقة الأمر ويعينونك على طاعة الله، ولا تنسَ يا أخي أن قائدك في الالتزام هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، واعلم أن الأخلاق الحميدة والسلوك القويم مِن الالتزام بلا شك، بل هي أصل الالتزام وحقيقته.

وهناك مَن يُسيء إلى جاره، وهناك مَن يهمِل ولا يتقي الله في العمل، وغير ذلك مِن الآفات والأمراض: كالغيبة، والنميمة… نعم هؤلاء أفراد قلائل، ولكنهم كشوكة في ثمرة، هناك خير كثير بلا شك؛ فالمساجد تمتلئ بالمصلين، ودروس العلم موجودة، والسنة ظاهرة في الشوارع والطرقات، والنقاب تراه في كل طريق، ولكن وسط هذا الثوب الأبيض تلمح نقطًا سوداء تُعكر هذا البياض الناصع؛ فلا بد مِن معالجة هذا الانفصام الخطير بين الشعائر التعبدية وبين السلوك والأخلاق.

فإن السلوك هو سيرة الإنسان وتصرفاته القولية والفعلية، والسلوك السلبي يدل على أن العبادة لم تؤدَّ على الوجه الأكمل، والسلوك الإيجابي يدل على أن العبادة تؤدَّى على الوجه الأكمل، فالخلل في السلوك يدل على الخلل في العبادة؛ لأن هناك ترابطًا بينهما.

وانظر إلى “القرآن العظيم” كيف جمع بين العبادة والسلوك، قال الله -تعالى-: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ(البقرة:177)، فانظر كيف ربطت الآية بين الصلاة والزكاة، وبين السلوك وهو الوفاء بالعهد.

وقال الله -تعالى-: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ(البقرة:197)، فقرن الله بين المناسك وبين سلوك الحاج.

وعن أبي هريرة –رضي الله عنه– قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ(رواه البخاري)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ حَجَّ هَذَا البَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ(متفق عليه). فالأجر توقف على حسن الخلق وهو السلوك.

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟) قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ، فَقَالَ: (إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ(رواه مسلم). فهذا حقق الصلاة والصيام والزكاة، وضيع السلوك والأخلاق؛ فكانت عاقبته الضياع -والعياذ بالله-.

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فُلانَةً تُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا. قَالَ: (هِيَ فِي النَّارِ). قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّ فُلانَةً تُذْكَرُ قِلَّةَ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلاتِهَا وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالأَثْوَارِ مِنَ الأَقِطِ، وَلا تؤذي جِيرَانَهَا. قَالَ: (هِيَ فِي الْجَنَّةِ(رواه أحمد، وصححه الألباني).

وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، وَلَئِنْ أَمْشِي مَعَ أَخٍ لِي فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ شَهْرًا فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، وَمَنْ كَفَّ غَضَبَهُ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ، مَلأَ اللَّهُ قَلْبَهُ رَجَاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَةٍ حَتَّى يُثَبِّتَهَا لَهُ ثَبَّتَ اللَّهُ قَدَمَهُ يَوْمَ تَزُولُ الأَقْدَامُ، وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل(رواه الطبراني في الكبير، وصححه الألباني).

 وقد غفر الله -تعالى- لبَغيِّ من بني إسرائيل لحسن سلوكها مع الحيوان، فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: (غُفِرَ لامْرَأَةٍ مُومِسَةٍ مَرَّتْ بِكَلْبٍ عَلَى رَأْسِ رَكِيٍّ يَلْهَثُ، كَادَ يَقْتُلُهُ العَطَشُ، فَنَزَعَتْ خُفَّهَا فَأَوْثَقَتْهُ بِخِمَارِهَا، فَنَزَعَتْ لَهُ مِنَ المَاءِ، فَغُفِرَ لَهَا بِذَلِكَ(متفق عليه).

بل وفي المقابل عذَّب أخرى لسوء سلوكها أيضًا مع الحيوان، فعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا، فَلا هِيَ أَطْعَمَتْهَا، وَلا هِيَ أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ، حَتَّى مَاتَتْ هَزْلاً(رواه مسلم).

بل وفي إحدى الروايات أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (وَعُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ فَجَعَلْتُ أَنْفُخُ خَشْيَةَ أَنْ يَغْشَاكُمْ حَرُّهَا… وَرَأَيْتُ فِيهَا امْرَأَةً طَوِيلَةً سَوْدَاءَ تُعَذَّبُ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَسْقِهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ(رواه النسائي، وصححه الألباني).

فإذا كان هذا مع الحيوان؛ فما بالك مع أخيك المسلم… ؟!

عن حذيفة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِنَّ رَجُلاً كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَتَاهُ المَلَكُ لِيَقْبِضَ رُوحَهُ، فَقِيلَ لَهُ: هَلْ عَمِلْتَ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: مَا أَعْلَمُ، قِيلَ لَهُ: انْظُرْ، قَالَ: مَا أَعْلَمُ شَيْئًا غَيْرَ أَنِّي كُنْتُ أُبَايِعُ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا وَأُجَازِيهِمْ، فَأُنْظِرُ المُوسِرَ، وَأَتَجَاوَزُ عَنِ المُعْسِرِ، فَأَدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ(متفق عليه). وفي رواية: (أَنَّ رَجُلا أَتَى بِهِ اللَّهُ، فَقَالَ: مَاذَا عَمِلْتَ لِي فِي الدُّنْيَا؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: مَا عَمِلْتُ لَكَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ أَرْجُوكَ بِهَا، قَالَ: فَقَالَهَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ: كُنْتَ يَا رَبِّ أَعْطَيْتَنِي فَضْلَ مَالٍ فِي الدُّنْيَا، وَكُنْتُ رَجُلا أُبَايِعُ النَّاسَ، وَكَانَ مِنْ خُلُقِي الْجَوَازُ، فَكُنْتُ أُيَسِّرُ عَلَى الْمُوسِرِ، وَأَنْظُرُ الْمُعْسِرَ، فَقَالَ اللَّهُ: نَحْنُ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْكَ تَجَاوَزُوا عَنْ عَبْدِي، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ(أخرجه أحمد بسند صحيح).

فانظر إلى سبيل النجاة لهذا الرجل مع قلة أعماله وعبادته؛ لكن الله -تعالى- غفر له ونجَّاه مِن النار، وأدخله الجنة بحسن خُلقه وسلوكه مع الناس.

ونستكمل في المقال القادم -بمشيئة الله-.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى