حول أخطر اجتماع في تاريخ الرسالة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قال الله -تعالى- في سورة الأنفال: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (الأنفال:30).

وقد كان هذا المكر على ما ذكره ابن عباس وغيره مِن أهل التفسير أن قريشًا خافت لما أسلمت الأنصار أن يتفاقم أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فاجتمع نفر مِن كبرائهم في دار الندوة، ليتشاوروا في أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ، فلما رأوه قالوا: مَن أنت؟ قال: شيخ مِن نجد، سمعتُ باجتماعكم، فأردت أن أحضركم، ولن تعدموا مني رأيًا ونصحًا، قالوا: ادخل فدخل، فقال أبو البختري: أما أنا فأرى أن تأخذوا محمدًا وتحبسوه في بيت، وتشدوا وثاقه، وتسدوا باب البيت غير كوة تلقون إليه طعامه وشرابه، وتتربصوا به ريب المنون حتى يهلك فيه، كما هلك مَن كان قبله من الشعراء.

قال: فصرخ عدو الله الشيخ النجدي وقال: بئس الرأي رأيتم! والله لئن حبستموه في بيت فخرج أمره مِن وراء الباب الذي غلقتم دونه إلى أصحابه فيوشك أن يثبوا عليكم ويقاتلوكم ويأخذوه من أيديكم، قالوا: صدق الشيخ. فقال هشام بن عمرو من بني عامر بن لؤي: أما أنا فأرى أن تحملوه على بعير تخرجوه مِن بين أظهركم؛ فلا يضركم ما صنع، ولا أين وقع إذا غاب عنكم واسترحتم منه، فقال إبليس -لعنه الله-: ما هذا لكم برأي، تعمدون إلى رجل قد أفسد سفهاءكم فتخرجونه إلى غيركم فيفسدهم؛ ألم تروا إلى حلاوة منطقه وحلاوة لسانه وأخذ القلوب بما تسمع من حديثه؟! والله لئن فعلتم ذلك ليذهبن وليستميل قلوب قوم ثم يسير بهم إليكم فيخرجكم من بلادكم، قالوا: صدق الشيخ!

فقال أبو جهل: والله لأشيرن عليكم برأي ما أرى غيره، إني أرى أن تأخذوا مِن كل بطن من قريش شابًا نسيبًا وسيطـًا فتيًّا ثم يُعطَى كل فتى منهم سيفًا صارمًا، ثم يضربوه ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرَّق دمه في القبائل كلها، ولا أظن هذا الحي من بني هاشم يقوون على حرب قريش كلها، وأنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل فتؤدي قريش ديته، فقال إبليس: صدق هذا الفتى! وهو أجودكم رأيًا، القول ما قال لا أرى رأيًا غيره، فتفرقوا على قول أبي جهل وهم مجمعون له.

فأتى جبريل النبي -صلى الله عليه وسلم- وأخبره بذلك، وأمره ألا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه، وأذِن الله له عند ذلك بالخروج إلى المدينة.

وأود أن ألقى الضوء على عدة نقاط هامة حول هذا الاجتماع؛ لعلنا نتعلم منها، ونوظفها في واقعنا المعاصر:

أولاً: أن أهل الحق في حرب مع بعض الإنس وشياطين الجن أيضًا، وإن لم يظهر ذلك جليًّا، فالشيطان يدبر لهم ويستلهمون منه بعض الأفكار الخبيثة للتخلص من أهل الحق والكيد بهم، فهو يساعدهم ويدعمهم؛ لذا لا بد أن نكون على يقين بأن الحرب شرسة وخطيرة، وتحتاج إلى جد ومصابرة ورفع حالة الاستعداد إلى الحالة القصوى.

ثانيًا: أن الصراع بين أهل الحق والباطل ربما يصل إلى صراع البقاء والوجود لا إلى صراع سياسة الإضعاف فقط، وموقف أبي سفيان بعد غزوة “أحد” وعزمه على العودة من طريقه إلى مكة إلى المدينة مرة أخرى كان مِن أجل صراع البقاء والوجود، فهو أراد أن يتخلص من المسلمين ولم يرضَ بانتصاره عليهم فقط مع بقائهم؛ فأهل الباطل يصعب عليهم أن يتحملوا أهل الحق معهم إلا إذا كان ذلك سيكون رغمًا عنهم أو أن بقاء أهل الحق ربما يشكِّل لهم شيئًا من المصلحة المؤقتة التي يحتاجون إليها، ومِن ثَمَّ فلا بد لأهل الحق أن يرغموا أهل الباطل على احتوائهم واستيعابهم بقدر المستطاع، ولن يكون ذلك إلا بفرض قوتهم على الأرض، وفرض سياسة الأمر الواقع.

ثالثًا: وماذا بعد أن اتفقت قريش على استئصال الدعوة بقتل صاحبها؟! كانت الهجرة المباركة إلى المدينة وتأسيس دولة الإسلام الأولى، ومِن ثَمَّ تأسيس الجيش الإسلامي لحماية الدولة ثم كان عصر الفتوحات بعد ذلك في أنحاء الجزيرة العربية، وما حولها بعد ذلك.

قال الإمام الشافعي -رحمه الله-:

ولرب نازلة يضيـق لها الفـتى           ذرعًا وعند الله منها الـمخرج

ضاقت فلما استحكمت حلقاتها           فـرجت وكـنت أظـنها لا تفرج

رابعًا: هل تأملنا كيف دار الاجتماع بين رؤساء قريش؟ وكيف قَبِل البعض وجهات النظر التي تخالفه لما رأى فيها المصلحة؟ هذا لأنهم يجتمعون من أجل غاية وفكرة اتفقوا عليها والتفوا حولها، فأحيانًا تختلف وجهات النظر والرؤى بين أهل الباطل: هل يسجنوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو يتركونه محبوسًا أم يقتلونه؟! لكنهم في النهاية جلسوا واتفقوا؛ لذا أقول: المهم أن تٌرفع الراية، وليس المهم مَن سيرفعها، فانتبه.

خامسًا: (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (الأنفال:30)، فهم يدبرون، والله -تعالى- هو الذي يتولى أمر التدبير لعباده المؤمنين، وما قصة النمرود والبعوضة في قصة إبراهيم -عليه السلام- منا ببعيد.

سادسًا: لا بد من الانتقال من مرحلة رجل الدعوة إلى مرحلة رجل الدولة والدعوة معًا، وظهر ذلك جليًّا في شخصية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد الهجرة وتأسيس الدولة.

قال الغزالي -رحمه الله-: “فإن الدنيا مزرعة الآخرة، ولا يتم الدين إلا بالدنيا، والملك والدين توأمان؛ فالدين أصل والسلطان حارس، وما لا أصل له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع، ولا يتم الملك والضبط إلا بالسلطان، وطريق الضبط في فصل الحكومات بالفقه” (إحياء علوم الدين 1/ 17).

فكانت هذه وقفات مع اجتماع دار الندوة، وهو مِن أخطر الاجتماعات في تاريخ الرسالة أو في مكة، ولعلنا نكون قد ألقينا الضوء على بعض النقاط الهامة.

والله المستعان.

مقالات ذات صلة:

Scroll to Top
Send this to a friend