مقالات متنوعة

لغة الحوار في الإسلام

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالحوار وسيلة مهمة مِن وسائل الدعوة إلى الله والوصول إلى الحق، والحوار فن من الفنون، له أصول وأركان، وضوابط وآداب، وقد ورد لفظ الحوار في القران العظيم، فمن ذلك قوله -تعالى-: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) (المجادلة:1)، وقال -تعالى-: (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً) (الكهف:37).

ومن أصول الحوار المتفق عليها:

أولاً: الإخلاص والتجرد: فإخلاص النوايا لله والتجرد من حظ النفس أصل أصيل، وركن شديد، فلو أننا جلسنا سويًا في حوار وأخلصنا النوايا لله، وكانت نيتنا الحقيقية هي الوصول للحق؛ وفقنا الله للحق.

أما أن أجلس معك في حوار ونيتي أن أنتصر لنفسي وأثبت لك أن كلامي هو الصحيح، وأنتَ على خطأ، فهذه النية فيها خلل، وتحتاج إلى معالجة.

قال الخطيب البغدادي -رحمه الله-: “وليكن قصده في مناظرته إيضاح الحق وتثبيته دون المغالبة للخصم”.

وقال الشافعي -رحمه الله-: “ما ناظرتُ أحدًا إلا وددت أن يظهر الله الحق على لسانه”.

تأمل هذه “القاعدة الذهبية”… لماذا ذهبية؟!

لأنها تنضح بالإخلاص.

هكذا كان سلفنا… نفوسهم كانت عالية سامية، أما التعصب لكلامي ووجهة نظري؛ فهذا مذموم، ولن نصل بذلك أبدًا إلى الإقناع الفكري المنشود، وبهذا التعصب تنتشر الفوضى الفكرية في المجتمع؛ لأن الفكر لا يُقاوم إلا بفكر مثله، ولكن بطريقة هادئة مهذبة هادفة، فلا بد من التخلص من “ديكتاتورية الأقلية” التي انتشرت هذه الأيام في بعض ميادين الجمهورية؛ لفرض رأيها على الآخرين دون حوار، فلا بد من العودة إلى لغة الحوار.الحق لا يعرف بالرجال، ولكن الرجال هم الذين يعرفون بالحق، والحق أحق أن يتبع

وعلينا ألا نخجل إذا اتضح الحق أثناء الحوار على لسان الخصم، فقضيتنا هي الوصول إلى الحق، والحق لا يعرف بالرجال، ولكن الرجال هم الذين يعرفون بالحق، والحق أحق أن يتبع، قال الله -تعالى-: (قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ) (يونس:35)، فليكن شعارنا أثناء الحوار: “الحق أحق أن يتبع”.

ثانيًا: العلم: فلا بد أن يقوم الحوار على الأدلة العلمية، وأن يكون المحاور متمكنًا علميًا، وعلى دراية كاملة بمذهبه ومذهب مخالفه أيضًا؛ لأن الخصم أو المحاور ربما أخذ من مذهبه ما يريد، وترك ما لا يريد؛ لأن فيه الحجة عليه، وقد كان شيخ الإسلام “ابن تيمية” -رحمه الله- يأتيه الرجل ليناظره، فيذهب الرجل وقد أخذ علمًا جديدًا في مذهبه من شيخ الإسلام -رحمه الله-.

ثالثًا: العدل: لا بد من العدل في الحوار؛ فلا تنتصر لنفسك، ولكن انتصر للحق، فلا تنسِب لمن تحاوره ما لم يقله، قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة:8).

على سبيل المثال: مِن الظلم أن يقول قائل: “إن العلمانيين في مصر جميعًا  كفار!”. لا يا أخي… هذا من الظلم، ولكن تمهل وتثبت، وتعامَل بالضوابط الشرعية.

فالعلمانية منها: العلمانية الجزئية، والشاملة، والمائعة، والصلبة، فلا بد أن نسمع من الخصم، هل علمانيته جزئية أم شاملة؟ أم أنه لا يفقه شيئًا أصلاً في العلمانية، ولكن أَحبَ هذا المصطلح لسبب من الأسباب ثم نادى به، ثم لا بد مِن سماعه والحوار معه، وإظهار الأدلة، وإقامة الحجج والبراهين عليه، ثم بعد ذلك نحكم عليه بعد استيفاء الشروط وانتقاء الموانع؛ فلا بد من العدل، (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة:8).

رابعًا: حسن الاستماع: فمن وصايا لقمان -عليه السلام- لابنه وهو يعظه: (وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ) (لقمان:18)، أي لا تعرض بوجهك عن الناس أثناء الحوار إذا كلمتهم أو كلموك، وحسن الاستماع من حسن الخلق.

قال الحسن البصري -رحمه الله-: “إذا جالست فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول”.

واعلم أن حسن الاستماع يساعدك على استخلاص الحق أو الوقوف على شبهات وأخطاء المحاور، ولا تقاطعه أثناء حديثه، بل دوِّن في ورقة الملاحظات التي تريد أن ترد عليها، فإذا انتهى رددت عليه بهدوء، فذلك أدعى أن نصل سويًا إلى الحق.

قال الخطيب البغدادي -رحمه الله-: “وليتق المناظر مداخلة خصمه في كلامه وتقطيعه عليه”.

ومِن الضوابط أيضًا: “أنه يسعنا الخلاف في مسائل الاجتهاد”؛ فلابد أن نعلم جميعًا أن ما جاءنا محكمًا لا مجال فيه للرأي، وأما مسائل الاجتهاد فيسعنا فيها الخلاف، ففي سورة المائدة قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ… ) (المائدة:6)، فلم يحدد ربنا في الآية حدود الوجه؛ لأنه لا خلاف فيه بين الناس، وإنما حدد الأيدي؛ لأنها محل خلاف؛ لذلك قال: (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ).

إذن هناك مِن الأمور ما اتفق عليه الناس، وهناك ما اختلفوا فيه، ولعلنا كذلك قد نختلف في الفهم، وما قصة الصحابة -رضي الله عنهم- وهم في طريقهم إلى بني قريظة منا ببعيد، فعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الأَحْزَابِ: (لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ)، فَأَدْرَكَ بَعْضُهُمُ العَصْرَ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرِدْ مِنَّا ذَلِكَ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ. (رواه البخاري ومسلم).

فالأولون تمسكوا بعموم الخطاب، والآخرون كان معهم مِن الدليل ما يوجب خروج هذه الصورة عن العموم، فالمقصود المبادرة والإسراع؛ لذلك فالذين صلوا في الطريق كانوا أصوب كما يقول شيخ الإسلام “ابن تيمية” -رحمه الله-، ففي مثل هذه الحالات يسعنا الخلاف، لكن التعصب للرأي والانفعال أثناء الحوار سيؤدي إلى الفرقة والنزاع، ولن يؤدي أبدًا إلى الهدف المرجو والمنشود، وقد قال الشافعي -رحمه الله-: “رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب”.

فلا بد أن يدور الحوار في هذا الإطار بهذه الثقافة، وهذا الفكر المتزن، وهذا هو الذي تمسك به العلماء قديمًا؛ لذلك بقيت مذاهبهم وآراؤهم، فبهذا المنطق تتعايش الآراء، وينجح الحوار، فلا ضير ولا حرج أن نختلف في الفهم ومسائل الاجتهاد، ولكن المصيبة أن يتحول ذلك الخلاف إلى نزاع وفرقة، قال -تعالى-: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا) (آل عمران:103)، وقال: (وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) (الأنفال:46).

فلا بد لنا أن نتخلص من آفة التعصب التي أضعفت شوكتنا، فهذا نداء إلى كل مَن يريد الحق مِن القوى السياسية والتيارات المختلفة، لا بد أن يتسم الحوار بيننا بهذه الضوابط والآداب.

ومِن أصول الحوار وآدابه -كذلك-: الحلم والرفق، والحفاظ على رابطة الإخوة، فلا بد في البرامج الحوارية على شاشات الفضائيات أن نتحلى بهذه الضوابط، وكذلك في الحوارات الثنائية بين الأفراد في جميع المواطن.لا بد لنا -وإن اختلفنا- أن نحافظ على رابطة الأخوة، ولا نسارع في تمزيق هذه الرابطة

انظر إلى الإرشاد الرباني لأدب الحوار، قال الله -تعالى- لموسى وهارون -عليهما السلام-: (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى . فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) (طه:43-44). هل تأملت هذا الضابط: (قَوْلاً لَيِّنًا) أي: لطيفًا، مع أن فرعون جاوز الحد في الكفر، وقال: (أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى) (النازعات:24)؟! لذا قال قتادة -رحمه الله-: “سبحانك ربي ما أحلمك، قلت لموسى وهارون أن يقولا لفرعون قولاً لينًا، وهو الذي يقول: (أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى)؛ فكيف يكون حلمك بعبد يقول: سبحان ربي الأعلى؟!”. فيا ليتنا نعود إلى هدي القرآن في الحوار، حتى مع غير المسلمين.

ولا بد لنا كذلك وإن اختلفنا أن نحافظ على رابطة الأخوة، ولا نسارع في تمزيق هذه الرابطة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: “ولو أنه كلما اختلف مسلمان تهاجرا لم يبقَ بين المسلمين عصمة ولا أخوة”.

وخذ هذه القاعدة الذهبية من علمائنا الأفاضل: “ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن اختلفنا؟!”. هذه القاعدة الذهبية قالها الإمام الشافعي -رحمه الله- ليونس بن عبد الأعلى، وقالها الإمام أحمد لعلي بن المديني عندما اختلفا في مسألة وارتفعت أصواتهما، وعندما انتهيا؛ قام الإمام أحمد وقال للإمام علي بن المديني: “ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن اختلفنا في مسالة؟!”.

فأنا أرسل هذه الرسالة مِن منبر “صوت السلف” إلى جميع طوائف الشعب المصري، على مستوى الأفراد والجماعات، والتيارات المختلفة: “ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن اختلفنا؟!”.

كانت هذه خواطر لأحبابي وأبناء وطني الحبيب حول كيفية إدارة الحوار وآدابه، وضوابطه وأصوله، ولا ننسى شعارنا: “الحق أحق أن يتبع”.

رب اجعل هذا البلد آمنًا، وسائر بلاد المسلمين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى