أحداث من التاريخ والأزمات الراهنة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلابد أن نعلم جميعًا أن الإخلاص وحده لا يكفي، وكذلك الحماس وحده لا يكفي، بل لابد أن يكونا منضبطين بضوابط الشرع؛ لأننا نرى الآن في ظل الأحداث والمتغيرات أن البعض قد جهل القواعد والضوابط الشرعية، ومِن ثَمَّ أخطأ في تقديراته وتحليلاته وتوصيفه للواقع الذي نحياه.

ولا مستقبل لأمة تجهل تاريخها وماضيها، فلابد من مراجعة التاريخ الإسلامي لنتعلم منه كيف نتعامل مع الأحداث الراهنة؟ وأنا أريد أن أضع بين يدي القارئ الكريم بعض أحداث التاريخ لعلها تزيل الالتباس الذي استشرى وسط بعض الكيانات وعند بعض الأفراد.

أولاً: تأملوا موقف أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- يوم الحديبية وقد اعترض كثير من الصحابة -رضي الله عنهم- على بنود الصلح، وعلى رأسهم: عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، ولما ذهب عمر إلى أبي بكر -رضي الله عنهما- وشكا إليه، قال له الصديق -رضي الله عنه-: ” أَيُّهَا الرَّجُلُ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَلَيْسَ يَعْصِي رَبَّهُ، وَهُوَ نَاصِرُهُ، فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ عَلَى الحَقِّ” (رواه البخاري). فلم يتعامل الصديق بالعاطفة والحماس مع أنه أرق قلبًا منهم.

وكذلك في قتاله لمانعي الزكاة يوم أن قال له عمر: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لا إِلَهَ إِلا اللهُ، فَمَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللهُ، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ، وَنَفْسَهُ، إِلا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ)، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: “وَاللهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاةِ، وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالاً كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: فَوَاللهِ، مَا هُوَ إِلا أَنْ رَأَيْتُ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ” (متفق عليه). فلم يتعامل معهم الصديق -رضي الله عنه- بالعاطفة؛ لأنه يعلم خطورة الأمر.

وهكذا لابد أن نتجرد من العواطف والحماس الذي يؤدي أحيانًا إلى الدمار الشامل، كالطبيب الذي يريد بتر ساق المريض للحفاظ على حياته؛ فلو أخذته العاطفة لضحى بحياة المريض كلها.

ثانيًا: بعد مقتل عثمان -رضي الله عنه- تولى الخلافة علي بن أبى طالب -رضي الله عنه-، واختلف الصحابة -رضي الله عنهم- في مسألة أخذ الثأر لعثمان -رضي الله عنه-، فلقد طلب معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهما- ومعه بعض الصحابة أخذ الثأر لعثمان -رضي الله عنه-، وهنا اعتذر إليهم علي -رضي الله عنه- كما يقول ابن كثير -رحمه الله- في “البداية والنهاية”: “فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ عَلِي بِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَهُمْ مَدَدٌ وَأَعْوَانٌ، وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ يَوْمَهُ هَذَا”.

وهنا لابد من وقفة مع مسألة الدم: ففي مثل هذه الأمور يصعب أولاً تحديد الجناة، وهذا يحتاج إلى تحقيق واسع للتعرف على الجناة؛ لاسيما مع صعوبة التثبت في أوقات الفتن والفوضى، ثم إن ذلك يحتاج إلى قوة واستقرار في الدولة للقدرة على إقامة القصاص، ولكن هذا هو الحماس المذموم الذي أدى بعد ذلك إلى وقوع القتال بين الفريقين في موقعتي: “الجمل” و”صفين”، وكانت النتيجة مقتل عشرات الآلاف من المسلمين، بل ومن الصحابة الأفاضل -رضي الله عنهم أجمعين-، وكان الأصوب في هذا الأمر هو ما رآه علي -رضي الله عنه-، فإن النصوص قد نصت على أن الفئة الباغية هي مَن قاتلت عليًّا -رضي الله عنه-.

ثالثًا: في عهد يزيد بن معاوية قُتل الحسين -رضي الله عنه- ومعه سبعون من أل بيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومع ذلك لم يخرج الصحابة على يزيد بسبب مقتل الحسين -رضي الله عنه- ومَن معه، بل ولم يُحمِّل العلماء يزيدَ مقتل الحسين؛ لأنه لم يأمر بقتله، ولم يرضَ بذلك، وقد ذكر ابن كثير -رحمه الله- في “البداية والنهاية” أن يزيد قال: “لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أَفْعَلْ مَعَهُ مَا فَعَلَهُ ابْنُ مَرْجَانَةَ -يَعْنِي عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ-، وَقَالَ للرسل الذين جاؤوا بِرَأْسِهِ: قَدْ كَانَ يَكْفِيكُمْ مِنَ الطَّاعَةِ دُونَ هَذَا، وَلَمْ يُعْطِهِمْ شَيْئًا، وَأَكْرَمَ آلَ بَيْتِ الْحُسَيْنِ وَرَدَّ عَلَيْهِمْ جَمِيعَ مَا فُقِدَ لَهُمْ وأضعافه، وردهم إلى المدينة في محامل وأهبة عَظِيمَةٍ”.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: “وجرت في إمارة يزيد بن معاوية أمور عظيمة، أحدها: مقتل الحسين، فقد قٌتل -رضي الله عنه- في إمارة يزيد بن معاوية، ويزيد بن معاوية لم يأمر بقتل الحسين -رضي الله عنه-، ولا أظهر الفرح بقتله… “.

ثم كانت وقعة “الحَرة”، والتزم الكثيرون من صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم- وعلماء المدينة ببيعتهم ليزيد بن معاوية خشية الفتنة واقتتال المسلمين فيما بينهم، واعترض بعض علماء المدينة على خلع يزيد بن معاوية والخروج عليه، ولم يؤيدوا مَن قام بالخروج، وقاموا بنصح إخوانهم واعتزلوا الفتنة، وكان أغلب هذا الرأي من أهل العلم والفقه في الدين، وفي مقدمة هؤلاء الصحابي الجليل عبد الله بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- فقد اشتُهِر عنه إنكاره على الذين رفضوا البيعة ليزيد وسعوا في خلعه.

فقد عارض ابن عمر -رضي الله عنهما- مَن خرج من أهل المدينة لسببين:

الأول: نقضهم البيعة، وهو يرى أنهم أعطوا البيعة عن رضا واختيار، ولم يفعلوا مثل الحسين -رضي الله عنه- حيث كان موقفه واضحًا منذ البداية، ولم يُعطِ البيعة.

الثاني: هو تعظيم حرمة دماء المسلمين وحرمة الاقتتال بينهم، وتزداد هذه الحرمة في الأماكن المقدسة: كمكة، والمدينة، ولقد استدل ابن حجر -رحمه الله- بموقف ابن عمر -رضي الله عنهما- السابق، والأحاديث التي استشهد بها على وجوب طاعة الإمام الذي انعقدت له البيعة، والمنع من الخروج عليه ولو جار في حكمه، وأنه لا ينخلع بالفسق.

وقد انتهتْ موقعة “الحَرة” بهزيمة أهل المدينة هزيمة ساحقة قُتِلَ فيها خَلْقٌ كثير، ويشهد لذلك ما ذكره سعيد بن المسيب -رحمه الله- حينما قال: “وقعت الفتنة الأولى -يعني مقتل عثمان- فلم تُبقِ من أصحاب بدر أحدًا، ثم وقعت الفتنة الثانية -يعني الحَرة- فلم تُبقِ من أصحاب الحديبية أحدًا، وقد قتل المئات من حملة القرآن أيضًا! وقال عبد الله بن وهب عن الإمام مالك -رحمهما الله-: “قٌتل يوم الحرة سبعمائة رجل من حملة القرآن، حسبت أنه قال: وكان فيهم ثلاثة من أصحاب رسول الله”، ولكن العلماء في هذه المرة حمَّلوا يزيدَ المسئولية كاملة؛ لأنه هو الذي أمر باستباحة المدينة المنورة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: “والأمر الثاني: نقض أهل المدينة لبيعة يزيد، فقد نقضوا بيعته وأخرجوا نوابه وأهله، فبعث إليهم يزيد جيشًا لإخضاعهم، وأمر القائد إذا لم يطيعوا ولم يرجعوا إلى الطاعة خلال ثلاثة أيام أن يدخلها بالسيف، وأن يبيحها مدة ثلاثة أيام، فمن زنى أو سرق أو قتل فلا يقام عليه الحد، هذا معنى الإباحة، فصار عسكره في المدينة النبوية ثلاثًا يقتلون مَن شاءوا، وينهبون ما شاءوا، ويفتضون الفروج المحرمة، ثم أرسل يزيد جيشًا إلى مكة المشرفة فحاصروا مكة؛ لأن فيها عبد الله بن الزبير، فتوفي يزيد وهم يحاصرون مكة”.

رابعًا: قٌتل عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما- وقد كان أميرًا للمؤمنين، ودخلت في طاعته ومبايعته: “الكوفة، والبصرة، ومصر، وخراسان، والشام -معقل الأمويين-“، ولم يبقَ سوى الأردن في عهد عبد الملك بن مروان، وقد قتله الحجاج؛ فماذا كان موقف عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-؟!

عن نافع عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: أَتَى رَجُلاَنِ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالاَ: إِنَّ النَّاسَ صَنَعُوا وَأَنْتَ ابْنُ عُمَرَ، وَصَاحِبُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَخْرُجَ؟ فَقَالَ: “يَمْنَعُنِي أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ دَمَ أَخِي”، فَقَالاَ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ) (الأنفال:39)، فَقَالَ: “قَاتَلْنَا حَتَّى لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ، وَكَانَ الدِّينُ لِلَّهِ، وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ فِتْنَةٌ، وَيَكُونَ الدِّينُ لِغَيْرِ اللَّهِ”.

وعن أبي نوفل بن أبي عقرب قال: “لَمَّا قَتَلَ الْحَجَّاجُ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَصَلَبَهُ عَلَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ يُغَايِظُ بِهِ قُرَيْشَ الْمَدِينَةِ، فَمَرَّ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَوَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: “السَّلامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وَاللَّهِ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، ثَلاثًا، وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتَ صَوَّامًا قَوَّامًا وَصُولاً لِلرَّحِمِ، وَاللَّهِ لأُمَّةٌ أَنْتَ شَرُّهَا لَنِعْمَ تِلْكَ الأُمَّةُ. ثُمَّ مَضَى”. 

بل كان -رضي الله عنه- يصلي خلف الحجاج، بل وحج معه، وبايع عبد الملك بن مروان، ولم يخرج على الحاكم أو يأمر بالخروج عليه؛ لأنه كان يكره اللجوء إلى العنف والاقتتال؛ لما في ذلك من سفك الدماء، وإضعاف لوحدة الجماعة المسلمة، فالعلة ليست في ثبوت الولاية الشرعية من عدمها، ولكن العلة هي سفك الدماء “علمًا بأننا لا نثبت الولاية الشرعية في النظام الجمهوري الحديث، فانتبه”.

خامسًا: الحاكم المتغلب: لقد قامت الدولة العباسية على أنقاض الدولة الأموية على يد أبي العباس السفاح الذي قضى على الدولة الأموية وقتل عشرات الآلاف من المسلمين، وهنا سؤال: ماذا فعل العلماء في عصره؟! لقد بايعوه ولم يأمروا بقتاله؛ نظرًا لعدم القدرة على ذلك، وللمفاسد المحتملة، بل وربما المفاسد المحققة.

يقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- في شرح العقيدة السفارينية: “(وشرطه): أي شرط الإمام الذي يكون خليفة على المسلمين، وعدد شروطًا… ومنها: (الإسلام): وهذا لابد منه، فلا يمكن أن يتولى على المسلمين غير مسم أبدًا، بل لابد أن يكون مسلمًا، فلو استولى عليهم كافر بالقهر، وعندهم فيه من الله برهان أنه كافر؛ بأن يعلن أنه يهودي أو نصراني مثلاً، فإن ولايته عليهم لا تنفذ ولا تصح، وعليهم أن ينابذوه، ولكن لابد من شرط مهم وهو القدرة على إزالته، فإن كان لا تمكن إزالته إلا بإراقة الدماء وحلول الفوضى؛ فليصبروا حتى يفتح الله لهم بابًا؛ لأن منابذة الحاكم بدون القدرة على إزالته لا يستفيد منها الناس إلا الشر والفساد والتنازع، وكون كل طائفة تريد أن تكون السلطة حسب أهوائها… ثم قال: ولابد أن يكون على دراية ومعرفة بالسياسة، ومعرفة بالأحوال حتى يدير الحكم على ما تقتضيه الشريعة، وتقتضيه المصالح”.

وأخيرًا: بعد ذكر هذه الأحداث من التاريخ يتضح أنه لابد من النظر إلى مآلات الأمور، وتأمل قاعدة القدرة والعجز والنظر فيها، وحساب موازين القوى والترجيح دائمًا بين المصالح والمفاسد، وأن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، وأنه لابد من تحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام.

فهل سنتعلم من التاريخ… ؟!

الله المستعان.

مقالات ذات صلة:

Scroll to Top
Send this to a friend