الفتوحات الأُموية في بلاد المشرق

الفتوحات الأُموية في بلاد المشرق

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،

لقد ذكرنا سابقًا أن حركة الفتوحات البرية في العصر الأموي قد شملت ثلاث جبهات برية، وهي: جبهة شمال إفريقية، والأندلس، وقد تحدثنا عنها، ثم جبهة ما وراء النهر، وجبهة السند على الحدود الجنوبية الشرقية، وبذلك يظهر أن الدولة الأموية قد حرصت كل الحرص على نشر الإسلام في جميع الاتجاهات؛ فقد امتدت الفتوحات الإسلامية في العصر الأموي إلى بلاد ما وراء النهر (نهر جيحون أو أموداريا) في الشمال الشرقي، وكذا إقليم السند في الجنوب الشرقي.

وقد قويت الفتوحات في تلك الأقاليم وأصبحت تتوجه بشكلٍ ثابتٍ ومنتظمٍ منذ عصر الخليفة الوليد بن عبد الملك (86 – 96 هـ)، وأما قبل ذلك؛ فقد انشغل الخلفاء والحكام في هذه الناحية بتثبيت أقدامهم في المناطق التي فُتحت في بلاد فارس، حيث كان حكام الفرس ينقضون العهود التي تمت مع المسلمين، ويقومون بحركات تمرد وعصيان، وانشغل الخلفاء كذلك بمناوشة الأتراك فيما وراء النهر، وذلك لدفع عدوانهم ورد غاراتهم.

وإذا استعرضنا أحوال الفتوحات في تلك الأقاليم نرى:

– أنه في عام 24هـ غزا الوليد بن عقبة أذربيجان وأرمينية لمنع أهلها ما كانوا صالحوا عليه أهل الإسلام في عصر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

– وفي عام 30 هـ توجَّه عبد الله بن عامر إلى خراسان.

– وفي خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، توجَّه ربعي بن الكاس العنبري في أربعة آلاف إلى سجستان ليضبط أمرها.

– وفي عصر معاوية رضي الله عنه، استمر على سياسة التصدي لحركات التمرد في بلاد فارس، وقد أرسل معاوية في عصره السرايا والبعوث إلى خراسان لتثبيت دعائم الإسلام في تلك المناطق، وقد عبر النهر عبيد الله بن زياد والحكم بن عمرو الغفاري وسعيد بن عثمان بن عفان، ووصل الأخير إلى بُخارَى بعد عبور النهر.

وهكذا كانت هناك فتوحات كثيرة في الجناح الشرقي للدولة الأموية، تمثلت في خراسان وسجستان وما وراء النهر، فتم فتح مدينة زرنج([1]) صلحًا، ووافق مرزبانها على دفع ألفي ألف (مليوني) درهم، وألفي وصيف، ثم تقدموا نحو مدن خواش([2])، وبست، وخُشَّك([3])، وغيرها من البلدان وتمكنوا من فتحها، كما تمكنوا من فتح مدينة كابل بعد أن ضربوا عليها حصارًا استمر لعدة أشهر([4])، وما لبث أن جعل معاوية رضي الله عنه إقليم سجستان ولاية مستقلة وأمَّر عليها عبد الرحمن بن سمرة كمكافأةٍ له على تحقيقه مثل تلك الفتوحات([5]).

ثم تمكَّن المسلمون في عهد معاوية رضي الله عنه مِن بسط نفوذهم إلى ما وراء نهر السند، ففي سنة 44 هـ غزا المهلب بن أبي صفرة([6]) ثغر السند فأتى بَنَّة([7])، ولاهور، وهما بين المُلتان([8])، وكابل، ثم تم فتح بلاد القيقان([9])، وقندهار، وغير ذلك من البلدان.

وهكذا كثرت الفتوحات الإسلامية في عهد معاوية رضي الله عنه في الناحية الشرقية، ثم في عصر يزيد بن معاوية عبر النهر سلم بن زياد، وصالح أهل خوارزم وسمرقند.

ومن هنا يتضح أن الحملات لم تكن تتوقف، لكنها ضعفت منذ نهاية عصر يزيد بن معاوية وحتى أواخر عصر عبد الملك بن مروان.

ثم منذ أن أصبح الحجاج بن يوسف الثقفي واليًا على العراق سنة 75 هـ، بدأت الحركة تنشط مرة أخرى تجاه الناحية الشرقية، وفي عام 78 هـ ضمَّ عبد الملك خراسان إلى الحجاج بعد عزل أمية بن عبد الله، وهنا اختار الحجاجُ المهلبَ بن أبي صفرة ليكون على خراسان، حيث إن المهلب له تاريخ طيب، فهو مِن خيرة رجال عصره، ومِن القادة الذين كسروا شوكة الخوارج، وقد صحب المهلب قبل ذلك سعيد بن عثمان في معارك خراسان وبلاد ما وراء النهر، فهو ليس غريبًا على هذه البلاد.

وفي سنة 80 هـ بدأ المهلب نشاطه العسكري، فعبر المهلب بنفسه نهر بلخ (سيحون) ونزل كش، ثم جعل يغزو البلاد غزوًا متواصلًا لا يفتر عن الجهاد، وكان له عسكر بسمرقند، وبُخارى، وطخارستان، وبست([10]).

ووجَّه المهلب ابنه يزيد إلى بلاد الختلة، واستطاع تحقيق أهداف الحملة، وأرسل ابنه الثاني حبيب إلى رابنجن، فوافى صاحب بخارى في أربعين ألفًا، فقام قسم مِن أهالي بخارى بالهروب والاختباء بإحدى القرى فاجتثهم، وعاد حبيب إلى أبيه منتصرًا([11]).

ثم توفي المهلب عام 82 هـ، وتولى بعده ابنه يزيد الذي قام بغزو خوارزم، ثم تولى بعده المفضل بن المهلب، تم تولى بعد ذلك قتيبة بن مسلم عام 85 هـ، وهو الذي استطاع أن يجعل تلك البلاد جزءًا من العالم الإسلامي.

 

([1]) زرنج: مدينة كبيرة هي قصبة سجستان. معجم البلدان (3/ 138).

([2]) خواش: مدينة بسجستان. المصدر السابق (2/ 398).

([3]) خشك: بلدة من نواحي كابل. المصدر السابق (2/ 373).

([4]) فتوح البلدان (ص 395).

([5])  المصدر السابق (ص 396).

([6]) المهلّب بن أبي صفرة الأزدي وكنيته أبو سعيد: مِن ولاة الأمويين على خراسان، عيَّنه الحجاج عاملًا على خراسان عام (78هـ – 697م)، وقام بفتوحٍ واسعةٍ فيما وراء بلاد النهر، وغزا “خوارزم” وافتتح جرجان، وطبرستان، وبذلك فرض سيطرة الدولة الأموية على أراضٍ كثيرةٍ فيما وراء النهر، وكان لها أكبر الأثر في إثراء الحضارة الإسلامية. وقد برز في تلك المناطق علماء ومفكرون، أمثال: الخوارزمي، والبخاري.

وجاء في طبقات ابن سعد: “أن المهلب كان من التابعين”، وفي كتاب الإصابة: “أنه قد وُلد عام الفتح الذي كان سنة ثمان من الهجرة”. ومِن صفاته: الشجاعة، والقدرة الفائقة على القتال وإدارة المعارك بكفاءة منقطعة النظير، فهو الذي مهَّد لفتح السند، ومدينة خجندة على نهر سيحون -بينها وبين سمرقند عشرة أيام-، وهو الذي استعاد منطقة الختل، وقد ظل يحارب الخوارج طيلة تسع عشرة سنة ولم يقضى على شوكتهم غيره.

ومن صفاته أيضًا: الكرم، فقد كان مِن أكرم أهل زمانه، والأمثلة على ذلك كثيرة، منها: أنه أقبل يومًا من إحدى غزواته فتلقته امرأة فقالت له: “أيها الأمير إني نذرت إن أنت أقبلت سالمًا أن أصوم شهرًا وتهب لي جارية وألف درهم. فضحك المهلب وقال: قد وفينا نذرك فلا تعودي لمثلها؛ فليس كل أحد يفي لك به”، وقد أثني عليه الصحابة رضوان الله عليهم؛ لما وجدوا فيه من كريم الخلال، فقد قال عبد الله بن الزبير عن المهلب: “هذا سيد أهل العراق” [الإصابة في تمييز الصحابة (6/331)، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان (5/351)].

([7]) بَنَّة: مدينة بكابل. معجم البلدان (2/ 500).

([8]) المُلتان: بالضم، وسكون اللام، وتاء مثناة من فوقها، وآخره نون، وأكثر ما يكتب مولتان بالواو: هي مدينة من نواحي الهند قرب غزنة، أهلها مسلمون منذ قديم. المصدر السابق  (5/189).

([9]) القيقان: بلاد قرب طبرستان. المصدر السابق (4/ 423).

([10]) بست: مدينة عظيمة من سجستان.

([11]) الكامل في التاريخ (3/ 138).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Scroll to Top
Send this to a friend