جهود موسى بن نصير في استكمال حركة فتوحات المغرب

جهود موسى بن نصير في استكمال حركة فتوحات المغرب:

اختلف المؤرخون حول تاريخ تولية موسى بن نصير([1]) على بلاد المغرب وعزل حسان بن النعمان، وأقرب الأقوال أنه تولى عام 85 هـ، وهذا هو المتوافق مع تسلسل الأحداث، وهنا يقوم موسى بتسطير صفحات جديدة من التاريخ الإسلامي في بلاد المغرب؛ فبعد أن عزل عبد العزيز بن مروان والي مصر حسان بن النعمان والي إفريقية وولَّى مكانه موسى بن نصير.

بدأ موسى بن نصير عمله على الفور، وقام خطيبًا في الناس فكان مما قاله لهم: “إنما أنا رجل كأحدكم، فمَن رأى مني حسنة، فليحمد الله، وليحض على مثلها، ومَن رأى مني سيئة فلينكرها، فإني أخطئ كما تخطئون، وأصيب كما تصيبون، وقد أمر الأمير أكرمه الله لكم بعطاياكم وتضعيفها ثلاثًا، فخذوها هنيئًا مريئًا، مَن كانت له حاجة فليرفعها إلينا، وله عندنا قضاؤها على ما عز وهان، مع المواساة إن شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله“.

واتبع موسى مع البربر سياسة حسان، والتي تقوم على التفاهم والتعاون المشترك، ولقد استطاع موسى أن يجنِّد أعدادًا كبيرة من قبائل البربر، مثل: كتامة، وهوارة، وزناتة، ومصمودة، وغيرها.

وكان موسى حريصًا على نشر الإسلام بين البربر؛ ولهذا كان يختار عمالًا يحسنون السيرة في أهالي المناطق المفتوحة، ويُذكر أن موسى ترك سبعين رجلًا من العرب في طنجة يعلِّمون البربر القرآن وأحكام الإسلام، وهذا أدَّى إلى انتشار الإسلام في المغرب الأقصى، ثم تحرك موسى سريعًا نحو بعض المناطق التي تحتاج إلى تدخل عسكري، واستطاع أن يسيطر على زغوان وهي منطقة جبلية بين القيروان وتونس، ثم غزا صنهاجة وسجومة في المغرب الأوسط، ثم وجَّه حملة عسكرية بقيادة ابنه مروان إلى السوس الأقصى، ثم استولى على مدينة طنجة، وولَّى عليها مولاه: طارق بن زياد([2]).

وكانت له أيضًا حملات بحرية على جزر البحر الأبيض المتوسط، ولم تستعصِ عليه كما يقول د. “السيد عبد العزيز سالم”([3]) إلا مدينة سبتة؛ وذلك لشدة تحصينها ومناعتها؛ ولأن الإمدادات كانت تأتيها من ساحل البحر.

وهكذا استطاع موسى بن نصير بعد حملات جهادية منظمة، السيطرة على جميع شمال إفريقية من برقة إلى المحيط الأطلسي، وأصبح سيد إفريقية بلا منازع، وهكذا مهَّد موسى بن نصير الطريق نحو بلاد الأندلس([4]).  

 

([1]) وُلد موسى بن نصير سنة (19هـ -640م) في قرية مِن قرى الخليل في شمال فلسطين، تُسَمَّى: كفر مترى، فتعلَّم الكتابة، وحَفِظَ القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة، وهو فاتح المغرب، وصقلية، وقبرص، ورودس، والأندلس، وهو شيخ المجاهدين.

 ([2]) وُلد طارق بن زياد عام (50 هـ / 670م) في خنشلة في الجزائر في قبيلة نفزة، وهي قبيلة بربرية، وهكذا فإن هذا البطل العظيم لم يكن مِن أصلٍ عربي، ولكنه مِن أهالي البربر الذين يسكنون بلاد المغرب العربي، وقد نشأ طارق بن زياد مثلما ينشأ الأطفال المسلمون؛ فتعلَّم القراءة والكتابة، وحفظ سورًا من القرآن الكريم وبعضًا من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وصار قائدًا عسكريًّا أمويًّا وفتح الأندلس؛ حيث قاد أول الجيوش الإسلامية التي دخلت شبه جزيرة إيبيريا، وصاحَبَ الانتصار الإسلامي الكبير في معركة وادي لكة، ويُعتبر مِن أشهر القادة العسكريين المسلمين في التاريخ، ويحمل جبل طارق جنوب إسبانيا اسمه، وكان رحمه الله عالمًا كريمًا شجاعًا ورعًا تقيًّا لله تعالى، وكان مِن رجال العلم حزمًا ورأيًا وهمّة، ونبلًا وشجاعة وإقدامًا.

 ([3]) د. السيد محمود عبدالعزيز سالم: مؤرخ مصري أكاديمي، وأستاذ التاريخ والحضارة العربية الإسلامية، وُلد بطنطا -محافظة الغربية– في 1928م. حصل على ليسانس الآداب –قسم الآثار الإسلامية- جامعة الإسكندرية  1950م، ثم حصل على دبلوم الدراسات الإسبانية من جامعة مدريد في أغسطس 1952م. ثم حصل علي دكتوراة الدولة في الآداب من جامعة باريس (السوربون) في يناير 1957م، بمرتبة الشرف الأولي. عُين معيدًا بقسم الآثار الإسلامية – جامعة الإسكندرية 1951م، ثم مدرسًا للتاريخ الإسلامي بجامعة عين شمس 1958 – 1959م، ثم مدرسًا للتاريخ الإسلامي والحضارة بجامعة الإسكندرية (1959-1965)، ثم أستاذًا للتاريخ الإسلامي والحضارة بجامعة الإسكندرية 1965- 1972م. وقد عُين رئيسًا لقسم التاريخ والآثار بجامعة الإسكندرية منذ سبتمبر 1981م. وعين مديرًا لمعهد دراسات البحر المتوسط منذ عام1988م. وقد انتدب مستشارًا ثقافيًا بسفارة مصر في إسبانيا ومديرًا لمعهد الدراسات الإسلامية بمدريد ما بين 1978-1980م. وانظر للمؤلف: كتاب المغرب الكبير (2/257).

([4]) فتوح البلدان (ص272)، البيان المغرب (2/42)،  تاريخ المغرب الكبير (2/ 128).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Scroll to Top
Send this to a friend