حقيقة الهجرة إلى الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد اعتاد كثير من المسلمين أن يحتفلوا في مثل هذه الأيام بذكرى هجرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من مكة المكرمة إلى المدينة المباركة، وأنا أقول: للأسف إن كثيرًا من الناس يحتفلون بذكرى الهجرة وهم لا يعون حقيقة ما يحتفلون به!

فالهجرة عطاء متجدد… الهجرة تضحية عظيمة… كيف للأمة أن تحتفل بذكرى الهجرة ثم نراها كذلك تحتفل بذكرى مولده -صلى الله عليه وسلم- ومن أبنائها من يحتفل ويشارك في أنواع الاحتفالات الدينية المختلفة وهو يصد عن سبيل الله ولا يرضى بتحكيم شرع الله -تعالى-؟!

لذا أقول: إن كثيرًا من الناس لا يعون حقيقة ما يحتفلون به، فالهجرة عطاء وتضحية عظيمة، هذا العطاء وهذه التضحية بدأت بستة نفر من أهل يثرب أسلموا في موسم الحج سنة 11 من النبوة، وواعدوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إبلاغ رسالته في قومهم، وكان من جراء ذلك أن جاء في الموسم التالي -موسم الحج سنة 12 من النبوة- اثنا عشر رجلاً، فيهم خمسة من الستة الذين كانوا قد اتصلوا برسول الله -صلى الله عليه وسلم- في العام السابق وبايعوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيعة العقبة الأولى -وبعث النبي -صلى الله عليه وسلم- مع هؤلاء مصعب بن عمير -رضي الله عنه-؛ ليعلم المسلمين شرائع الإسلام وليقوم بنشر الإسلام، وقد قام بذلك -رضي الله عنه- أتم قيام.

ذهبوا جميعًا ليزرعوا شجرة التوحيد بين صخور الكفر والشرك، وفي موسم الحج في السنة الثالثة عشرة من النبوة حضر لأداء الحج من يثرب ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان، وكلهم قد أسلموا، فلما قدموا مكة واعدوا النبي -صلى الله عليه وسلم- عند العقبة وجاءهم على موعدهم، ثم تكلم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم قالوا: يَا رَسُولَ اللهِ، عَلامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: (تُبَايِعُونِي عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ وَعَلَى النَّفَقَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَعَلَى الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَعَلَى أَنْ تَقُولُوا فِي اللهِ لا تَأْخُذُكُمْ فِيهِ لَوْمَةُ لائِمٍ، وَعَلَى أَنْ تَنْصُرُونِي إِذَا قَدِمْتُ يَثْرِبَ فَتَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَزْوَاجَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ وَلَكُمُ الْجَنَّةُ) (رواه أحمد وابن حبان، وصححه الألباني)، فقاموا إليه فبايعوه.

وإذا نظرنا إلى حدث الهجرة نرى الفداء والعطاء والتضحية، نرى أروع الأمثلة من الجيل الأول الذي تربى على يد المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، ذلكم الجيل الذي كان هو اللبنة الأولى لبناء دولة الإسلام… ذلكم الجيل الذي تحمل الصعاب لنشر دين الله -تعالى- وجاهد في الله حق جهاده، وصدق في وعده مع الله ووفى بما عاهد الله عليه.

هل تدبرنا موقف أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- في حدث الهجرة؟

تقول عائشة -رضي الله عنها-: فَبَيْنَا نَحْنُ يَوْمًا جُلُوسٌ فِي بَيْتِنَا فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ فَقَالَ قَائِلٌ لأَبِي بَكْرٍ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُقْبِلاً مُتَقَنِّعًا فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِدًا لَكَ أَبِي وَأُمِّي، وَاللَّهِ إِنْ جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلا لأَمْرٍ، فَجَاءَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنَ لَهُ فَدَخَلَ، فَقَالَ حِينَ دَخَلَ لأَبِي بَكْرٍ: (أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ)، قَالَ: إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (فَإِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي فِي الخُرُوجِ)، قَالَ: فَالصُّحْبَةُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (نَعَمْ) (رواه البخاري). فهذا أول ما فكر فيه الصديق -رضي الله عنه-: “فَالصُّحْبَةُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟“، ويترك أهله ووطنه وملاعب صباه ويهاجر مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

وهذا علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- الفدائي الشاب، الذي كان على أتم استعداد أن يضحي بحياته في سبيل الإبقاء على حياة رسول الله -صاى الله عليه وسلم-، قال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “نَمْ عَلَى فِرَاشِي وَتَسَجَّ بِبُرْدِي هَذَا الْحَضْرَمِيِّ الأَخْضَرِ فَنَمْ فِيهِ، فَإِنَّهُ لَنْ يَخْلُصَ إِلَيْكَ شَيْءٌ تَكْرَهُهُ مِنْهُمْ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَنَامُ فِي بُرْدِهِ ذَلِكَ إِذَا نَامَ” (السيرة النبوية لابن هشام)، وينام علي على فراش رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يعلم مدى خطورة ذلك الأمر على حياته… إنها التضحية العملية لدين الله.

وأما أسماء بنت أبي بكر فهي من أبطال حدث الهجرة المبارك، وهي أخت عائشة لأبيها، وهي زوجة حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام ، وهي أم الخليفة عبدالله بن الزبير.

وبالنسبة لدورها في الهجرة فإن رواية البخاري بينت أن أسماء – رضي الله عنها – صنعت الطعام في بيت أبي بكر وقبل الخروج للغار، ولم تكن تذهب بالطعام إلى الغار كما ذكر البعض، قالت – رضي الله عنها -: “صنعت سفرة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في بيت أبي بكر حين أراد أن يهاجر إلى المدينة. قالت عائشة: فلم تجد أسماء لسفرته ولا لسقائه ما نربطهما به، فقالت لأبي بكر: والله ما أجد شيئا أربط به إلا نطاقي، قال: فشقيه باثنين فاربطيه: بواحد السقاء وبالآخر السفرة، ففعلت. فلذلك سميت ذايت النطاقين وبوب له الإمام البخاري بقوله: “باب حمل الزاد في الغزو”.
ولذا قالت عائشة – رضي الله عنها -: “فجهزناهما أحث الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاقين. قالت: ثم لحق رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأبو بكر بغار في جبل ثور “.

أما طعامهما (رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأبو بكر – رضي الله عنه) في غار ثور في الأيام الثلاثة التي مكثاها في الغار، فالظاهر أنه من تلك السفرة التي أعدت في بيت أبي بكر – رضي الله عنه – وما كان يأتيهما به عامر بن فهيرة – رضي الله عنه -، ففي رواية البخاري أيضًا “ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبى بكر منحة من غنم فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل -وهو لبن منحتهما….. إلى آخر الرواية

والغرض المقصود أن تجهيز أسماء للسفرة كان في بيت أبي بكر، ولم تكن أسماء تذهب بالطعام إلى الغار.
ثم كان عامر بن فهيرة يذهب إليهما باللبن، ثم إن عبدالله بن أبي بكر كان هو أيضًا يذهب إلى الغار،
فلو احتاج الرسول شيئا لذهب هو به.
ولها دور آخر وهو أنها حفظت سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك يوم أن دخل عليها وفد من قريش بقيادة أبي جهل، حيث سألها عن أبيها فلم تجب وقالت لا أدري أين هو، فضربها أبو جهل ولطمها على خدها حتى طرح قرطها.
ولها موقف ثالث، يوم أوهمت جدها أن أباها قد ترك لهم خيرًا ومالًا، وأتت بحجارة ووضعت عليها ثوباً وأخذت بيد أبي قحافة وكان قد عمي، وقالت له: ضع يدك على هذا المال، علمًا بأن أبا بكر قد أخذ كل ماله معه في الهجرة، وكان عبارة عن ستة آلاف درهم.
وهكذا احتوت جدها وكتمت سر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فهل وعت الأمة هذا الدرس وضحى أبناؤها كما ضحى الأخيار الأطهار؟!

وحول معنى الهجرة نقول: الهجرة في اللغة هي الترك والبعد.

وأما معناها شرعًا فيقول ابن القيم -رحمه الله-: “الهجرة هجرتان: هجرة بالجسم مِن بلد إلى بلد وهذه أحكامُها معلومة. والهجرة الثانية: الهجرة بالقلب إلى الله ورسوِله وهذه هي المقصود هنا وهذِه الهِجرة هي الهِجرة الحقيقيةُ وهي الأَصل”.

ويقول العز بن عبد السلام -رحمه الله-: “الهجرة هجرتان: هجرة الأوطان، وهجرة الإثم والعدوان، وأفضلهما هجرة الإثم والعدوان؛ لما فيها من إرضاء الرحمن وإرغام النّفس والشّيطان”.

وهذه هي الهجرة الحقيقية التي نريدها وننشدها… هجرة الأرواح من سجن البدن وشهواته ودنس الدنيا وأهوائها إلى الملكوت الأعلى، هجرة الذنوب والمعاصي والآثام والبدع إلى فعل الخيرات وإلى حسن المتابعة؛ فهيا بنا نهاجر إلى الله ورسوله لا سيما ونحن في وقت الفتن، فعن معقل بن يسار عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ) (رواه مسلم)، فالعبادة في وقت الفتن واختلاط الأمور كهجرة إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

وقد سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: (أَنْ تَهْجُرَ مَا كَرِهَ رَبُّكَ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني)، وفي لفظ لهما: (مَنْ هَجَرَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ).

وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أنه قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ السَّيِّئَاتِ، وَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ) (رواه ابن حبان، وصححه الألباني)، فحقيقة الهجرة تحصل لمن هجر ما نهى الله عنه.

إن الهجرة في حقيقتها: معرفة الحق والاستمساك به، ثم الانتقال به والدعوة إليه والصبر على الأذى فيه، تلك هي طريقة رسل الله والسائرين على دروبهم، وفي القرآن الكريم حكاية عن إبراهيم -عليه السلام-: (وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (العنكبوت:26).

الهجرة: استمساك بالإسلام وانتقال به من موقع إلى موقع فالهجرة حركة ودعوة وجهاد، والمهاجر لا يزال في ساحة الدعوة والجهاد ليس بخارجٍ عنها، إذا ضعف في موطن انتقل إلى موطن يكون فيه أكثر نفعًا وعزًا.

الهجرة: أن تهجر التوكل على غير الله إلى التوكل عليه، والخوف من غيره إلى الخوف منه وحده، وحب غيره والحب لغيره إلى الحب له وفيه -سبحانه-، ورجاء غيره وابتغاء غير وجهه إلى رجاء فضله وابتغاء وجهه -سبحانه وتعالى-، وهكذا في كل عبادة من العبادات تهجر ما نهاك الله عنه إلى ما يحبه -عز وجل- ويرضاه.

ندعو الله -تعالى- أن يوفقنا لكل ما يحب ويرضى، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

مقالات ذات صلة:

Scroll to Top
Send this to a friend