وقفة مع موجة الحر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد؛

لقد عشنا خلال الأيام الماضية موجة حر شديدة، اشتكى الناس فيها مِن شدة الحر وارتفاع درجات الحرارة عن معدلاتها الطبيعية، وأسرع الناس إلى أجهزة التكييف في المنازل والسيارات وغيرها، لقد اشتكى الصغير والكبير والرجل والمرأة، الكل يشكو مِن شدة الحر، مع أننا نحمد الله تعالى؛ فنحن أفضل مِن غيرنا بكثير، فلقد وصلت درجات الحرارة في بعض دول الخليج إلى 50 درجة، وفي دولة إيران وصلت الحرارة إلى 72 درجة؛ فلابد أن نعترف بفضل الله علينا، وما بنا مِن نعمة فمِن الله، ثم لابد أن نتعظ، وأن نأخذ العبرة مِن حر الصيف ونتذكر به الآخرة، وعطش الصيف يذكرنا بعطش يوم القيامة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا، فَقَالَتْ: رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ». (متفق عليه)، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ, فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ». (متفق عليه)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «نَارُكُمْ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً! قَالَ: «فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا». (متفق عليه) .. ولا بد أن نأخذ العبرة مِن العرق الذي نشعر به في الصيف، وأنه يذكرنا بعرق يوم القيامة، قال بعض السلف: «ما رأى العارفون شيئًا مِن الدنيا إلا تذكروا ما وعد الله به من جنسه في الآخرة مِن كل خير وعافية».
عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «تَدْنُو الشَّمْسُ مِنَ الأَرْضِ، فَيَعْرَقُ النَّاسُ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَبْلُغُ عَرَقُهُ كَعْبَيْهِ, وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ, وَمِنْهُمْ مَنْ يبلغ إلى ركبتيه, وَمِنْهُمْ مَن يبلغ الحجر, وَمِنْهُمْ مَن يبلغ الخاصرة, وَمِنْهُمْ مَن يبلغ منكبيه, ومنهم مَنْ يَبْلُغُ وَسَطَ فِيهِ وَأَشَارَ بِيَدِهِ فَأَلْجَمَهَا فَاهُ -رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُشِيرُ بِيَدَيْهِ هَكَذَا- وَمِنْهُمْ مَنْ يُغَطِّيهِ عَرَقُهُ» وَضَرَبَ بِيَدِهِ إِشَارَةً. (رواه أحمد وابن حبان، وصححه الألباني).
واعلم أن حرَّ الصيف لم يمنع الأفاضل مِن الاجتهاد في العبادة؛ لاسيما الصوم لمضاعفة ثوابه؛ لما فيه مِن ظمأ الهواجر، وقد ثبت عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُئِيَ بِالْعَرْجِ -مكان بين مكة والمدينة-، وَهُوَ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ مِنَ الْحَرِّ أَوْ مِنَ الْعَطَشِ، وَهُوَ صَائِمٌ». (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني). وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول: «صوموا يومًا شديدًا حره، لحر يوم النشور»، فهكذا كان السلف، وهكذا يجب أن نكون .. اللهم ارحمنا مِن حر يوم القيامة، واجعلنا في ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك .. اللهم آمين، والله المستعان.

مقالات ذات صلة:

Scroll to Top
Send this to a friend