مقالات متنوعة

انتبه أمامك يوم عرفة

بقلم الدكتور/ زين العابدين كامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،

ففي هذة الأيام المباركة يتابع المسلمون أحوال حجاج بيت الله الحرام وهم يتوافدون من كل مكان إلى الأراضي المقدسة والبقاع الطاهرة، رحلة إيمانية لبيت الله الحرام، ذلكم البيت الذي تحن له القلوب وتدمع عنده العيون وتشتاق له الأرواح والأفئدة، فنحن في موسم من مواسم الطاعة، وإن الليالي والأيام والشهور والأعوام تمضي سريعًا وتنقضي سريعًا؛ ومواسم الخيرات وأزمنة الطاعات تزداد فيها الحسنات، وتكفر فيها السيئات.

ومن تلك الأزمنة يوم عرفة؛ فيوم عرفة هو أحد أيام الأشهر الحرم، قال الله -عز وجل-: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) [سورة التوبة : 39]. والأشهر الحرم هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب، ويوم عرفه من أيام ذي الحجة.

و يوم عرفة هو أحد أيام أشهر الحج قال الله -عز وجل-: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ) [سورة البقرة : 197] وأشهر الحج هي: شوال، ذو القعدة، ذو الحجة. وقيل هي شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة، تنتهي بطلوع الفجر من يوم النحر.

و يوم عرفة هو أحد الأيام المعلومات التي أثنى الله عليها في كتابه، قال الله -عز وجل-: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ) [سورة الحج:28]. قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: الأيام المعلومات: عشر ذي الحجة.

و يوم عرفة هو أحد الأيام العشر التي أقسم الله بها منبها على عِظم فضلها وعلو قدرها، قال الله -عز وجل-: (وَلَيَالٍ عَشْرٍ ) [سورة الفجر:2]. قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: إنها عشر ذي الحجة وقال ابن كثير: وهو الصحيح.

و يوم عرفة هو أحد الأيام  المفضلة في الطاعة على غيرها من أيام السنة: قال النبي صلى الله عليه وسلم : (ما من عمل أزكى عند الله -عز وجل- ولا أعظم أجرا من خير يعمله في عشر الأضحى قيل: ولا الجهاد في سبيل الله -عز وجل-؟ قال ولا الجهاد في سبيل الله -عز وجل- إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء) رواه الدارمي وحسن إسناده الشيخ  الألباني.

ويوم عرفة هو اليوم الذي أتم الله فيه النعمة وأكمل الدين، في الصحيحين عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لا تخذنا ذلك اليوم عيدا فقال: أي آية: قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً} [المائدة: 3] فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه والمكان الذي نزلت فيه: نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم بعرفة يوم الجمعة، وفي رواية نزلت في يوم عيد من يوم جمعة ويوم عرفة. 

وليوم عرفة فضائل أخرى. ومنها: أنه عيد لأهل الإسلام كما قاله عمر بن الخطاب وابن عباس، فإن ابن عباس قال: نزلت في يوم عيدين يوم الجمعة ويوم عرفة، وعن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام وهي أيام أكل وشرب). صححه الألباني. وقال كثير من أهل العلم هو عيد لأهل الموقف خاصة، ويستحب صيامه لأهل الأمصار عند جمهور العلماء.

فيوم عرفة يوم عيد، والعيد هو موسم الفرح والسرور، وأفراح المؤمنين وسرورهم في الدنيا إنما تكون بطاعتهم لله تعالى، قال تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58] فعرفة يوم إكمال الدين وإتمام النعمة.

ومنها: أنه يوم مغفرة الذنوب والتجاوز عنها والعتق من النار والمباهاة بأهل الموقف، كما في صحيح مسلم عن عائشة -رضي الله عنها- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبيدا من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟” وروى ابن خزيمة وابن حبان والبزار وأبو يعلى والبيهقي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة ينزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا فيباهي بأهل الأرض أهل السماء فيقول: انظروا إلى عبادي شعثا غبرا ضاحين جاءوا من كل فج عميق يرجون رحمتي ولم يروا عذابي فلم ير أكثر عتيقا من النار من يوم عرفة”.

وقال ابن رجب رحمه الله في لطائف المعارف: ” ويوم عرفة هو يوم العتق من النار فيعتق الله من النار من وقف بعرفة، ومن لم يقف بها من أهل الأمصار من المسلمين، فلذلك صار اليوم الذي يليه عيدا لجميع المسلمين في جميع أمصارهم من شهد الموسم منهم ومن لم يشهده لاشتراكهم في العتق والمغفرة يوم عرفة “.

ويروى في الحديث أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنْ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ إِلَّا مَا أُرِيَ يَوْمَ بَدْرٍ. قِيلَ: وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ .( حديث مرسل)

وعن أبي قتادة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (صيام يوم عرفة إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده).صححه الألباني.

وينبغي للمسلم أن  يحفظ جوارحه عن المحرمات في ذلك اليوم، فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: كان الفضل بن عباس رديف النبي صلى الله عليه وسلم من عرفة، فجعل الفتى يلاحظ النساء وينظر إليهن، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يصرف وجهه من خلفه، وجعل الفتى يلاحظ إليهن، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (ابن أخي، إن هذا يوم من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غفر له) رواه أحمد.

ويوم عرفة هو اليوم المشهود الذي أقسم الله به، قال تعالى {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} وبهذا قال بعض الصحابة والتابعين.

وعن أنس بن مالك قال: وقف النبي -صلى الله عليه وسلم- بعرفات وقد كادت الشمس أن تؤوب -تغرب- فقال يا بلال أنصِت لي الناس، فقام بلال فقال: أنصتوا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأنصتَ الناس، فقال: معشر الناس أتاني جبرائيل عليه السلام آنفا فأقرأني من ربي السلام وقال إن الله -عز وجل- غفر لأهل عرفات وأهل المشعر -المزدلفة- وضمن عنهم التبعات -التّبعات هي حقوق العباد، كالدّيون والودائع، فإنّ الله يضمنها عنهم، بمعنى أنّه تعالى ييسّر لهم أداؤها، أو يوفّق من يؤدّيها عنهم-. فقام عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فقال: يا رسول الله هذا لنا خاصة؟ قال هذا لكم ولمن أتى من بعدكم إلى يوم القيامة. فقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كَثُر خيرُ الله وطاب. (صحيح لغيره).

وتأملوا أحوال السلف في يوم عرفة: قال ابن المبارك: جئت إلى سفيان الثوري عشية عرفة وهو جاث على ركبتيه وعيناه تهملان، فقلت له: من أسوأ هذا الجمع حالا؟ قال: الذي يظن أن الله لا يغفر له. وروي عن الفضيل أنه نظر إلى تسبيح الناس وبكائهم عشية عرفة فقال: أرأيتم لو أن هؤلاء ساروا إلى رجل فسألوا دانقا -يعني سدس درهم- أكان يردُهم؟ قالوا: لا، قال: والله للمغفرة عند الله أهون من إجابة رجل لهم بدانق.

وخطب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه بعرفة، فقال: إنكم قد جئتم من القريب والبعيد، وأنضيتم الظهر – أي: أتعبتم رواحلكم -، وأخلقتم الثياب – أي: أبليتم ثيابكم -، وليس السابق اليوم من سبقت دابته وراحلته، وإنما السابق اليوم من غُفر له.

ويوم عرفة هو يوم الدعاء: ففي الجديث ” خيرُ الدعاءِ دعاءُ يومِ عرفةَ وخيرُ ما قلتُ أنا والنبيونَ مِن قبلي لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له له الملكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ،” ( حسن بشواهده).

قال الزرقاني في شرحه على الموطأ: قال الباجي: أي أعظمه ثواباً وأقربه إجابة. ويحتمل أن يريد به اليوم، ويحتمل أن يريد الحاجَّ خاصة. اهـ..

وذهب بعض أهل العلم إلى أن هذا الفضل خاص بالحاج.

قال الباجي المالكي في المنتقى شرح الموطأ: ويحتمل أن يريد به الحاج خاصة؛ لأن معنى دعاء يوم عرفة في حقه يصح، وبه يختص. وإن وصف اليوم في الجملة بيوم عرفة فإنه يوصف بفعل الحاج فيه. والله أعلم. انتهى.

وقال ابن قدامة في المغني: يستحب الإكثار من ذكر الله تعالى، والدعاء يوم عرفة؛ فإنه يوم ترجى فيه الإجابة، ولذلك أحببنا له الفطر يومئذ، ليتقوى على الدعاء، مع أن صومه بغير عرفة يعدل سنتين. انتهى.

وقال أحد الصالحين: “والله ما دعوت دعوة يوم عرفة وما دار عليها الحول إلا رأيتها مثل فلق الصبح” .

وقال الأوزاعي: أدركت أقواماً كانوا يخبئون الحاجات ليوم عرفة ليسألوا الله بها.

وعلى غير الحاج كذلك أن يغتنم يوم عرفة فى طاعة الله تعالى ما بين الصيام والذكر والدعاء وتلاوة القرآن، ولا حرج لو لزم المسجد ليتفرغ لطاعة الله تعالى، وينشغل بالذكر والدعاء، لكن لا يواظب على الإعتكاف في المسجد كل عام في يوم عرفة، فقد كره بعض أهل العلم ذلك، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (فَإِنَّ الْمُدَاوَمَةَ فِي الْجَمَاعَاتِ -عَلَى غَيْرِ السُّنَنِ الْمَشْرُوعَةِ- بِدْعَةٌ؛ كَالْأَذَانِ فِي الْعِيدَيْنِ، وَالْقُنُوتِ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَالدُّعَاءِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهِ أَدْبَارَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، أَوْ الْبَرْدَيْنِ مِنْهَا، وَالتَّعْرِيفِ الْمُدَاوَمِ عَلَيْهِ فِي الْأَمْصَارِ..؛ فَإِنَّ مُضَاهَاةَ غَيْرِ الْمَسْنُونِ بِالْمَسْنُونِ بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْآثَارُ وَالْقِيَاسُ..). [مجموع الفتاوى].

يَا رَاحِلِينَ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ لَقَدْ … سِرْتُمْ جُسُومًا وَسِرْنَا نَحْنُ أَرْوَاحَا

إنَّا أَقَمْنَا عَلَى عُذْرٍ وَعَنْ قَدَرٍ  …    وَمَنْ أَقَامَ عَلَى عُذْرٍ فَقَدْ رَاحَا

اللهم يسر لحجاج بيتك الحرام أمرهم وتقبل منهم سعيهم، ورُدّهم إلى بلادهم مقبولين غانمين،اللهم أمين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى