رسائل البريد العاجل إلى الشباب الحائر (6)

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،
نعلم جميعا أن الصحوة الإسلامية المباركة فى وقتنا الحاضر، استطاعت بفضل الله تعالى أن تؤثر فى الواقع، وأن تغير فيه أمورًا كثيرة، وقد ظهر ذلك فى الثلاثين سنة الأخيرة، فتم القضاء على بعض الأمور البِدعية التي كانت منتشرة فى المجتمع، سواء كان ذلك في المساجد أو الجنائز أو المناسبات البِدعية أو غير ذلك، وفي نفس التوقيت انتشرت سنة النبى -صلى الله عليه وسلم-، وتجدر الإشارة هنا إلى أن الذين قاموا بذلك هم الشباب، ولكن لا يزال الطريق طويلا، والحرب بين الحق والباطل قائمة على أشدها، وهذا يحتاج إلى مزيد من كتائب المدافعين والمهاجمين من أبناء الصحوة الإسلامية.

وهذه الكتائب لا بد أن تحرص أولا على بناء نفسها وتربيتها، ثم إنها تحتاج إلى نماذج يُقتدى بها، وذلك لأن النموذج العملي والصورة الحية تؤثر تأثيرا كبيرا في النفس البشرية، بخلاف الخطاب النظري المجرد. ولأجل ذلك جاء الحديث عن القصص في القرآن الكريم كثيرا، وجاء الأمر بالاعتبار والاتعاظ بها، قال تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ}. [يوسف: 3]. {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [يوسف: 111].

فالشباب هم أمل المستقبل، ولن تنهض الأمة إلا بسواعد شبابها، ولربما كانوا أقرب إلى الهداية من غيرهم، قال الإمام أحمد (الشيخ لا يكاد أن يسلم، والشاب يسلم،كأنه أقرب إلى الإسلام من الشيخ).

وأريد أن ألقي الضوء على أحوال شباب الصحابة مع القرآن، ليكون ذلك دافعا للشباب اليوم، فما أحوج شباب اليوم إلى العودة إلى كتاب الله تعالى.
أحوال شباب الصحابة مع القرآن: 
أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- باستقراء القرآن من أربعة، ثلاثة منهم من الشباب وهم معاذ، وابن مسعود، وسالم رضي الله عنهم، إذ يقول: “استقرئوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود فبدأ به، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل” (متفق عليه ). ويشهد أنس رضي الله عنه مع معاذ لشاب آخر هو زيد بن ثابت رضي الله عنه بأنه قد وعى القرآن وجمعه، فيقول: “جمع القرآن على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أربعة كلهم من الأنصار: أبيّ، ومعاذ بن جبل، وأبو زيد، وزيد بن ثابت” (متفق عليه ). وكان عمرو بن سلمة رضي الله عنه، وهو من صغار الصحابة، حريصا على تلقي القرآن، فكان يتلقى الركبان ويسألهم ويستقرئهم حتى فاق قومه أجمع، وأهَّله ذلك لإمامتهم، يقول عمرو بن سلمه رضي الله عنه: (كُنَّا بِمَاءٍ مَمَرَّ النَّاسِ، وَكَانَ يَمُرُّ بِنَا الرُّكْبَانُ فَنَسْأَلُهُمْ: مَا لِلنَّاسِ؟ مَا لِلنَّاسِ؟ مَا هَذَا الرَّجُلُ؟ فَيَقُولُونَ: يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ، أَوْحَى إِلَيْهِ أَوْ أَوْحَى اللَّهُ بِكَذَا، فَكُنْتُ أَحْفَظُ ذَلِكَ الْكَلَامَ وَكَأَنَّمَا يُقَرُّ فِي صَدْرِي، وَكَانَتْ الْعَرَبُ تَلَوَّمُ بِإِسْلَامِهِمْ الْفَتْحَ، فَيَقُولُونَ: اتْرُكُوهُ وَقَوْمَهُ فَإِنَّهُ إِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهُوَ نَبِيٌّ صَادِقٌ. فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ أَهْلِ الْفَتْحِ بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلَامِهِمْ، وَبَدَرَ أَبِي قَوْمِي بِإِسْلَامِهِمْ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: جِئْتُكُمْ وَاللَّهِ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- حَقًّا. فَقَالَ: صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، وَصَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا. فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنِّي، لِمَا كُنْتُ أَتَلَقَّى مِنْ الرُّكْبَانِ، فَقَدَّمُونِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَأَنَا ابْنُ سِتٍّ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ، وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ كُنْتُ إِذَا سَجَدْتُ تَقَلَّصَتْ عَنِّي، فَقَالَتْ: امْرَأَةٌ مِنْ الْحَيِّ أَلَا تُغَطُّوا عَنَّا اسْتَ قَارِئِكُمْ. فاشتروا فَقَطَعُوا لِي قَمِيصًا فَمَا فَرِحْتُ بِشَيْءٍ فَرَحِي بِذَلِكَ الْقَمِيصِ (رواه البخاري). فقارن بين عمرو بن سلمة وبين من هو في عمره اليوم.
وهذا زيد بن ثابت رضي الله عنه، يأتي قومه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- مفاخرين بما حصَّل صاحبهم، يقولون للنبي -صلى الله عليه وسلم-: “هذا غلام من بني النجار معه مما أنزل الله عليك بضع عشرة سورة، فأعجب ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقال: يا زيد، تعلم لي كتاب يهود؛ فإني والله ما آمن يهود على كتابي. قال زيد: فتعلمت كتابهم، ما مرت بي خمس عشرة ليلة حتى حذقته، وكنت أقرأ له كتبهم إذا كتبوا إليه، وأجيب عنه إذا كتب”. (رواه البخاري تعليقا، وأحمد).

وآخر جاوز العاشرة بقليل، وهو البراء بن عازب رضي الله عنه يقول: “فلم يقدم علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى قرأت سورا من المفصل”. (طبقات ابن سعد).

وهذا ابن مسعود رضي الله عنه يقول: “ثم أتيته بعد ذلك قلت: علمني من هذا القرآن. قال: إنك غلام معلم. قال: فأخذت من فيه سبعين سورة”. (رواه أحمد).

وابن عباس رضي الله عنه يقول عن نفسه: “توفي رسول -صلى الله عليه وسلم- وأنا ابن عشر سنين، وقد قرأت المحكم”.(رواه البخاري )، والمحكم هو المفصل. (وقال في رواية أخرى عن نفسه: “سلوني عن التفسير، فإني حفظت القرآن وأنا صغير”. (أورده الحافظ في الفتح،). وقال محمد بن إسحاق عن مجمع بن جارية: “كان حدثا قد جمع القرآن”.(الإصابة ).

ويحمد النبي -صلى الله عليه وسلم- ربه تبارك وتعالى أن جعل في أمته مثل سالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنه، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: أبطأت على النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: “ما حبسك يا عائشة؟” قالت: يا رسول الله، إن في المسجد رجلا ما رأيت أحدا أحسن قراءة منه، قال: فذهب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإذا هو سالم مولى أبي حذيفة. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “الحمد لله الذي جعل في أمتي مثلك”. (رواه أحمد، وابن ماجه).
إن هذا ليمثل أعظم دافع لشبابنا بأن يغتنموا سني شبابهم في حفظ كتاب الله تبارك وتعالى والعناية به، لا سيما وأن صاحب القرآن مقدم على غيره فى الدنيا والأخرة، ففي الدنيا يكون هو إمامهم الذي يصلي بهم، وبعد موته يقدم على غيره أيضا، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يجمع بين رجلين من قتلى أحد، ثم يقول: “أيهم أكثر أخذا للقرآن؟” فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد، فقال: “أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة…”. (رواه البخاري). بل وتعلو درجة حامل القرآن يوم القيامة حين يدخل الجنة، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ بها”. (رواه وأبو داود، الترمذي(.
إن هذه النصوص وغيرها كانت تدفع شباب الرعيل الأول للعناية بالقرآن، تلاوة وفهما وحفظا وتدبرا، فما أجدر شبابنا بالسير على نهجهم واقتفاء أثرهم. ولم يكن الأمر لدى شباب أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- في تعلم القرآن واقفا عند مجرد حفظه وإقامة حروفه، بل كانوا يتعلمون أحكامه وحدوده. فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: “كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن، والعمل بهن”. (أخرجه الطبري).

ومن فقه أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الأمر موقف ابن عباس رضي الله عنهما، إذ قدم رجل على عمر فجعل عمر يسأله عن الناس، فقال: يا أمير المؤمنين، قد قرأ القرآن منهم كذا وكذا، فقلت -ابن عباس-: والله ما أحب أن يسارعوا يومهم هذا في القرآن هذه المسارعة، قال: فزبرني عمر، ثم قال: مه، فانطلقت إلى منزلي مكتئبا حزينا، فقلت: قد كنت نزلت من هذا بمنزلة ولا أراني إلا سقطت من نفسه، فاضطجعت على فراشي، حتى عادني نسوة من أهلي وما بي وجع، فبينا أنا على ذلك، قيل لي: أجب أمير المؤمنين، فخرجت فإذا هو قائم على الباب ينتظرني، فأخذ بيدي، ثم خلا بي، فقال: ما الذي كرهت مما قال الرجل آنفا؟ قلت: يا أمير المؤمنين، إن كنت أسأت فإني أستغفر الله وأتوب إليه، وأنزل حيث أحببت، قال: لتخبرني، فقلت: متى ما يسارعوا هذه المسارعة، يحيفوا، ومتى ما يحيفوا يختصموا، ومتى ما يختصموا يختلفوا، ومتى ما يختلفوا يقتتلوا، قال: لله أبوك لقد كنت أكاتمها الناس حتى جئت بها. (أخرجه عبد الرزاق في المصنف).

ومن هذا الأثر نتعلم درسين: درس لطالب العلم في الأدب مع الأكابر، ودرس للمعلم في التواضع، وسعة الصدر لرأي تلاميذه، وقبول الحق ممن جاء به. ويدرك الشباب من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أن حفظ القرآن وتعلمه يتطلب منهم أن يقوموا بواجب التعليم، كما أخبر -صلى الله عليه وسلم-: “خيركم من تعلم القرآن وعلمه”.(رواه البخاري). ولهذا بعث عمر بن الخطاب رضي الله عنه مجمع بن جارية رضي الله عنه لأهل الكوفة يعلمهم القرآن. (الإصابة).

فهكذا كان شباب الصحابة رضي الله عنهم، وهكذا يجب أن يكون شباب الإسلام اليوم، والله المستعان.

Scroll to Top
Send this to a friend