رسائل البريد العاجل إلى الشباب الحائر (5)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد؛

فما زلنا نرسل عدة رسائل سريعة إلى شباب الأمة، وهذه الرسائل هى عبارة عن عدة نماذج من شباب الصحابة رضى الله عنهم، نتأمل أحوالهم، ونعيش مع سيرتهم، ولا شك أن قراءة السير والأمثلة الواقعية لها الأثر الفعال في النفوس، والدليل على ذلك، كثرة إيراد القرآن الكريم لقصص الأنبياء والأمم السابقة، لذا فإن قراءة سير شباب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم تغير النفوس وتحرك القلوب، ونحن نرى أن شباب اليوم الذين يعيشون في هذه المرحلة العمرية التي يصفها البعض بأنها سن المراهقة تعطي الدليل القاطع أن الجزء الأكبر من مشكلة المراهقين في مجتمعاتنا اليوم إنما هو نتاج وضع تربوي واجتماعي ومؤثرات معاصرة أكثر منه مرحلة ملازمة لكل من عاش هذه السن، لأننا نرى نماذج الصحابة فى مرحلة شبابهم، قد أسسوا أمة، ونحن نعلم أن من خصائص الشاب في هذه المرحلة (القابلية للاستهواء وقبول المؤثرات) فيتعلق الشاب بالنماذج ويعجب بها، لذا فإن العناية بإبراز هذه النماذج أمام الشاب يخدم جانبًا فطريًّا مهمًّا لديهم، ويحميهم في الوقت نفسه من المحرمات، ومن هذه النماذج المشرقة:

مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف:

مصعب بن عمير شابٌ من أكثر شباب قريشٍ رقة وثراءً، نشأ منعمًا في ظل والديه، في بيت يزخر بالفاخر من اللباس، والنادر من العطور، زينة فتيان قريش، يكنى أبا محمد، دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم وكتم إسلامه، وكان يختلف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سرًّا، فلما علموا به حبسوه فلم يزَل محبوسًا حتى خرج إلى أرض الحبشة في الهجرة الأولى، ثم خرج في الهجرة الثانية، وكان من أنعم الناس عيشًا قبل إسلامه، فلما أسلم زهد في الدنيا فتحسف جلده تحسف الحية، وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد أن بايع الأنصار البيعة الأولى يفقههم ويقرؤهم القرآن، وكان يأتيهم في دورهم فيدعوهم إلى الإسلام فأسلم منهم خلق كثير وفشا الإسلام فيهم، وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذنه أن يجمع بهم، فأذن له فجمع بهم في دار خيثمة. ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع السبعين الذين وافوه في العقبة الثانية، فأقام بمكة قليلا ثم قدم قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فهو أول من قدمها.

وعن عمر بن الخطاب قال: نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى مصعب بن عمير مقبلًا وعليه إهاب كبش قد تنطق به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “انظروا إلى هذا الرجل الذي قد نوَّر الله قلبه، لقد رأيته بين أبوين يغدوان بأطيب الطعام والشراب، فدعاه حب الله ورسوله إلى ما ترون“.

شهد مصعب بن عمير بدرًا واختاره الله للشهادة في سبيله يوم أحد: حمل مصعب لواء المسلمين في أحد، ففي الطبقات لابن سعد عن أهيم بن محمد بن شرحبيل العبدري عن أبيه قال: حمل مصعب بن عمير اللواء يوم أحد, فلما جال المسلمون ثبت به مصعب فأقبل ابن قميئة وهو فارس فضرب يده اليمنى فقطعها, ومصعب يقول: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران:144]، وأخذ اللواء بيده اليسرى وحنا عليه فضرب يده اليسرى فقطعها, فحنا على اللواء وضمه بعضديه إلى صدره وهو يقول: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144]، ثم حمل عليه الثالثة بالرمح فأنفذه واندق الرمح ووقع مصعب وسقط اللواء, وسقط شهيدًا رضى الله عنه وأرضاه.

وعن عبيد بن عمير قال لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحد، مر على مصعب بن عمير مقتولا على طريقه فقرأ: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 23] عَنْ خَبَّابٍ قَالَ هَاجَرْنَا مع رسول الله –صلى الله عليه وسلم– وَنَحْنُ نَبْتَغِي وَجْهَ اللهِ فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللهِ فَمِنَّا مَنْ مَضَى لِسَبِيْلِهِ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا مِنْهُم مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ وَلَمْ يَتْرُكْ إلَّا نَمِرَةً كُنَّا إِذَا غَطَّيْنَا رَأْسَهُ بَدَتْ رِجْلاَهُ وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ بَدَا رَأْسُهُ فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ –صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “غَطُّوا رَأْسَهُ وَاجْعَلُوا عَلَى رِجلَيْهِ مِنَ الإِذْخِرِ“. وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يُهْدِبُهَا – أى :يجنيها ويأكل منها (أخرجاه في الصحيحين).
قتل يوم أحد على رأس اثنين وثلاثين شهرًا من الهجرة وهو ابن أربعين سنة أو يزيد شيئًا، فرضى الله عنه.

من سبق من الشباب إلى الإسلام:
الشباب كان لهم الدور الأعظم فى بداية الدعوة، فلقد جاء النبي صلى الله عليه وسلّم بهذا الدين فاستنكف أهل مكة واستكبروا، وقالوا: (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ، وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ). [ص: 5 –6]. وهنا قبلت قلوب بعض شبان الصحابة، هذا الدين وكانوا من السابقين الأولين، فمن السابقين الأولين للإسلام علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومنهم سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه الذي قال عن نفسه: “ما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام وإني لثلث الإسلام“. رواه البخاري.

وقال رضي الله عنه: “إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله، وكنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم ومالنا طعام إلا ورق الشجر حتى إن أحدنا ليضع كما يضع البعير أو الشاة ماله خلط، ثم أصبحت بنو أسد تعزرني على الإسلام، لقد خبت إذًا وضل عملي“. (رواه البخاري) والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهما كانا من السابقين.

وكان ممن أسلم قبل دخول دار الأرقم خباب بن الأرت، وسعيد بن زيد، وعبد الله بن مظعون، وقدامة بن مظعون، ومسعود بن الربيع رضي الله عنهم وإياس، وعاقل، وخالد، وعامر أبناء بكير كانوا أول من بايع في دار الأرقم.

وأما من أسلم في دار الأرقم فهم كثر، ولا يزال الأمر في مرحلة الاستضعاف. بل الأرقم بن أبي الأرقم رضي الله عنه الذي اتخذ النبي صلى الله عليه وسلّم داره لتكون مقرًا للمسلمين في مكة، كان حين أسلم شابًّا، وكان من السابقين للإسلام عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، إذ يقول عن نفسه: “لقد رأيتني سادس ستة، وما على ظهر الأرض مسلم غيرنا“. (أخرجه أبو نعيم في الحلية والحاكم وصححه ووافقه الذهبي). ولهذا كان أكثر المستجيبين لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم شبابًا، وأما المشايخ من قريش فعامتهم بقوا على دينهم ولم يسلم منهم إلا القليل .. فهيا يا شباب الأمة، أفيقوا من غفلتكم وأنقذوا أمتكم.

ونستكمل في المقال القادم بمشيئة الله تعالى.

مقالات ذات صلة:

Scroll to Top
Send this to a friend