مقاصد المكلفين (22)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فما زلنا نطوف حول مقاصد المُكلفين، وأمر النية والإخلاص، وقد سلَّطنا الضوء في مقالنا السابق حول مسألة إخفاء العبادة وإسرارها، وهل الإسرار بالعبادة هو الأفضل والأكمل على الدوام أم لا، وذكرنا أن أمر الإخلاص لا بد أن يُؤدَّى بوسطية واعتدال؛ لا بغلوٍّ وتشددٍ، ونستعرض في هذا المقال بمشيئة الله بعض علامات القائم بالإخلاص، وأحوال السلف في هذا الأمر.

قال الإمام الشافعي -رحمه الله-: “وددت أنَّ الخلق تعلموا هذا العلم على ألا ينسب إليَّ منه حرف” (المجموع للنووي)، وقال: “ما ناظرتُ أحدًا قط على الغلبة، ووددت إذا ناظرت أحدًا أن يظهر الحق على يديه” (المجموع للنووي)، وقال: “ما كلمت أحدًا إلا وددت أن يُسدَّد ويعان، ويكون عليه رعاية من الله وحفظ” (المجموع للنووي)؛ فهذا الكلام من الإمام الشافعي -رحمه الله- يدل على صدق نيته، وحسن سريرته، وهو علامة على قوة إخلاصه لله -تعالى-؛ فهو لا يرجو إلا وجه الله -عز وجل-.

وقال الغزالي -رحمه الله-: “وإنما تعرف حقيقة الإخلاص بأمر؛ وهو أن الواعظ المقبول إن كان يعظ لله لا لطلب القبول، وقصده دعوة الخلق إلى الله، فعلامته أنه لو جلس على مكانه واعظ أحسن منه سيرة، وأغزر منه علمًا، وأطيب منه لهجة، وتضاعف قبول الناس له بالنسبة إلى قبوله؛ فرح به، وشكر الله على إسقاط هذا الفرض عنه بغيره، وبمن هو أقوم به منه” (ميزان العمل).

وقال الدكتور عمر الشقر -رحمه الله-: “ومِن علامات المرائي: أن ترضيه الكلمة التي فيها تعظيمه، وإن كانت باطلًا، وتغضبه الكلمة التي فيها ذمه وإن كانت حقًّا، وكذلك طالب المال؛ بخلاف المخلص، فالذي يرضيه كلمة الحق له أو عليه، والذي يغضبه كلمة الباطل له أو عليه، والمخلص لا يبالي لو خرج له كل قدر في قلوب الناس من أجل صلاح قلبه مع الله -عز وجل-، ولا يحب أن يطلع الناس على مثاقيل الذر من عمله، والمخلص إذا عرض له أمران: أحدهما لله، والآخر للدنيا، آثر نصيبه من الله؛ لأنه يعلم أن الدنيا تنفد، والآخرة تبقى، بخلاف المرائي، وقد ذكر وصف المرائين في بعض الكتب السابقة، قال نوف البكالي -وكان ممَّن يقرأ الكتب-: إني لأجد صفة ناس من هذه الأمة في كتاب الله المنزل؛ قوم يختلون الدنيا بالدين، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمرُّ من الصبر، يلبسون للناس جلود الضأن من اللين، وقلوبهم قلوب الذئاب، فعليَّ يجترئون وبي يغترون، حلفت بنفسي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم فيها حيرانًا.

ويُنسب إلى عيسى ابن مريم -عليه السلام- أنه قال: يا علماء السوء جعلتم الدنيا على رؤوسكم والآخرة تحت أقدامكم، قولكم شفاء، وعملكم داء، مثلكم مثل شجرة الدفلى، تعجب من رآها، وتقتل من أكلها” (مقاصد المكلفين للدكتور عمر الأشقر).

وعن الأعمش -رحمه الله- قال: “كنت عند إبراهيم النخعي وهو يقـرأ في المصحف، فاستأذن عليه رجل فغطّى المصحف، وقال: لا يراني هذا أني أقرأ فيه كل ساعة”.

وقال الحسن البصري -رحمه الله-: “إن كان الرجل جمع القرآن وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل قد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزوار وما يشعرون به، ولقد أدركت أقوامًا ما كانوا على عمل يقدرون أن يعملوه في السرِّ فيكون علانية أبدًا”.

وكان علي بن الحسين زين العابدين -رحمه الله-: يحمل الصدقات والطعام ليلًا على ظهره، ويوصل ذلك إلى بيوت الأرامل والفقراء في المدينة، ولا يعلمون مَن وضعها، وكان لا يستعين بخادم ولا عبد أو غيره؛ لئلا يطَّلع عليه أحدٌ، وبقي كذلك سنوات طويلة، وما كان الفقراء والأرامل يعلمون كيف جاءهم هذا الطعام، فلما مات وجدوا على ظهره آثارًا من السواد؛ فعلموا أن ذلك بسبب ما كان يحمله على ظهره، فما انقطعت صدقة السر في المدينة حتى مات زين العابدين.

والأمثلة على ذلك أكثر مِن أن تحصى.

ونستكمل في المقال القادم بمشيئة الله -تعالى-.

مقالات ذات صلة:

Scroll to Top
Send this to a friend