الالتزام بين الحقيقة والخيال(8)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فما زلنا نبحث عن مواطن الخلل حول شخصية المسلم الملتزم، وفي ضوء مطالعتنا لبعض الخلل الذي نريد أن نصلحه في الفرد المسلم الملتزم، والارتقاء بالمستوى التعبدي والعلمي والسلوكي للمسلم الملتزم؛ نلاحظ أنه من الآفات أيضًا: “البعد عن العمل الجماعي في مجال الدعوة إلى الله”، فلقد حثَّ الإسلام المسلمين على العمل الجماعي لنصرة الدعوة الإسلامية، وتوحيد الأمة المسلمة، وتحقيق آمالها الكبرى في النهوض والبناء والترقي، وأداء دورها الرباني في هداية العالم إلى نور الله، وقد كثُر ذكر لفظة الجماعة في سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد فسَّره العلماء حسب وروده في السنة.

فأحيانًا يُقصد بالجماعة: السواد الأعظم من أهل الإسلام، أو جماعة أئمة العلماء المجتهدين من أهل العلم والفقه والحديث، وأحيانًا أخرى يُقصد بالجماعة: الصحابة -رضي الله عنهم- على وجه الخصوص، ويقصد بها أحيانًا: جماعة أهل الحل والعقد، وأحيانًا تعني الجماعة: جماعة أهل الإسلام، وفي أحوال أخرى يقصد بالجماعة: جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير أو إمام لأداء الواجبات الكفائية، ومنذ أن ضاعت الواجبات وجب الاجتماع والتعاون لإقامتها -وهذا النوع هو الذي نعنيه هنا-، ومن معاني الجماعة: الفريق مِن الناس الذي يجتمع على شيء ما كجماعة المصلين في المسجد أو جماعة يتعاونون على نشر الدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونحو ذلك.

وقد حرِص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على بيان أهمية الجماعة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (عَلَيْكُمْ بِالجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالفُرْقَةَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الجَنَّةِ فَلْيَلْزَمُ الجَمَاعَةَ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، وفي الحديث عن عمر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (كُلُوا جَمِيعًا وَلا تَفَرّقُوا؛ فَإِنَّ الْبَرَكَةَ مَعَ الْجَمَاعَةِ) (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (يَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ) (رواه الترمذي والنسائي، وصححه الألباني).

وعن أنس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لأبي أيوب -رضي الله عنه-: (أَلا أَدُلُّكَ عَلَى تِجَارَةٍ؟) قَالَ: بَلَى، قَالَ: (صِلْ بَيْنَ النَّاسِ إِذَا تَفَاسَدُوا، وَقَرِّبْ بَيْنَهُمْ إِذَا تَبَاعَدُوا) (رواه البزار، وقال الألباني: حسن لغيره)، ولما أرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- معاذًا وأبا موسى إلى اليمن، قال: (يَسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلاَ تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلاَ تَخْتَلِفَا) (متفق عليه).

ونهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الفرقة: فعن أبي ثعلبة الخشني -رضي الله عنه- قال: كَانَ النَّاسُ إِذَا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَنْزِلاً تَفَرَّقُوا فِي الشِّعَابِ وَالأَوْدِيَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (إِنَّ تَفَرُّقَكُمْ فِي هَذِهِ الشِّعَابِ وَالأَوْدِيَةِ، إِنَّمَا ذَلِكُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ). فَلَمْ يَنْزِلْ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْزِلاً إِلا انْضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، حَتَّى يُقَالَ: لَوْ بُسِطَ عَلَيْهِمْ ثَوْبٌ لَعَمَّهُمْ. (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

ومِن ذلك أيضًا بعض التوجيهات النبوية في أمر الصلاة: فعن أبي الدرداء -رضي الله عنه- قال: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (مَا مِنْ ثَلاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ وَلا بَدْوٍ لا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلاةُ إِلا قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، فَعَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ) (رواه أحمد وأبو داود، وحسنه الألباني)، وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (أَقِيمُوا الصُّفُوفَ وَحَاذُوا بَين المنكاكب وَسُدُّوا الْخَلَلَ، وَلِينُوا بِأَيْدِي إِخْوَانِكُمْ وَلا تَذَرُوا فرجات للشَّيْطَان، وَمَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَهُ قطعه الله) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني)، وعن البراء بن عازب -رضي الله عنه- قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَتَخَلَّلُ الصُّفُوفَ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَى نَاحِيَةٍ يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا وَصُدُورَنَا، وَيَقُولُ: (لا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ) (رواه النسائي وابن ماجه، وصححه الألباني)؛ وذلك مِن باب الحفاظ على وحدة الصف.

وفي هذا دليل على أنه يشرع لكل عددٍ بلغ ثلاثة فصاعدًا أن يؤمِّروا عليهم أحدهم؛ لأن في ذلك السلامة مِن الخلاف الذي يؤدي إلى التلف والفرقة والضعف، وإذا شرع هذا لثلاثة يكونون في فلاة مِن الأرض أو مسافرين؛ فشرعيته لعددٍ أكبر يسكنون القرى والأمصار، ويحتاجون لدفع التظالم وفصل التخاصم أولى وأحرى، وفي أمثال العرب: “إذا تفرقت الغنم قادتها العنز الجرباء”، وفي الأمثال أيضًا: “بالساعد تبطش الكف، ولن يعجز القوم إذا تعاونوا”.

وقال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: “كدر الجماعة خير مِن صفو الفرد”.

وقال عبد الله بن المبارك -رحمه الله-:

لولا الجماعة ما كانت لنا سبل                       وكـان أضعـفـنا نـهـبًا لأقــوانـا

فعلى المبتعدين عن دعوتهم وعن إخوانهم أن يدركوا ويتدبروا مثل هذه المعاني الطيبة؛ فإن روح العمل الجماعي هي الصفة المميزة لنجاح الأمة الإسلامية في الحياة ومواجهتها لكل التحديات، وثمرات العمل الجماعي أعظم وأبقى، والدعوة إلى العمل الجماعي ليست دعوة عصرية حديثة، إنما هي دعوة قديمة؛ لأن الثقة في العمل الجماعي أكبر مِن العمل الفردي، كما أن العمل الجليل والإنتاج الغزير لا يتحققان إلا بطريق العمل الجماعي، وهذا بخلاف العمل الفردي الذي لن يثمر إلا شيئًا يسيرًا مِن الأعمال التي تتناسب مع مستوى طاقة الفرد.

وقد كانت هذه قاعدة عامة يطبقها النبي -صلى الله عليه وسلم- في كل أحواله، فكان يدير الدولة بنفسه، ويشرف على شئون الأقاليم البعيدة عن طريق استعمال عددٍ كبير ممن يجد فيهم الكفاءة مِن أصحابه؛ ففي المدينة “عاصمة الدولة” أشرف النبي -صلى الله عليه وسلم- على إدارتها إشرافًا مباشرًا، وكانت المناطق القريبة من المدينة تابعة إداريًّا للرسول -صلى الله عليه وسلم-، وتشير المصادر إلى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يعيِّن نائبًا له على إدارة المدينة في حال خروجه للجهاد أو الحج فيصلي بالناس، ويشرف على تنفيذ متطلبات الناس المتبقين في المدينة؛ وإلا فمَن الذي ينكِر العمل الجماعي، ورب العزة يقول في كتابه الكريم: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (المائدة:2)؟!

فالعمل الجماعي نوع مِن التعاون والتناصر والتآخي على الحق؛ ولذا فهو مشروع مرغَّب فيه لعموم الأدلة الدالة على فضيلة الجماعة والاتفاق والتعاون، ولا يجوز أن  يتخذ ذلك ذريعة إلى التحزب والتعصب للأسماء والشعارات، أو رفض الحق وإنكاره حين يأتي من خارج الجماعة، فالعمل الجماعي للإسلام ضرورة، وقد دلت السنن الكونية على قيمة الاجتماع على الحق، ولا ريب أن نصرة الإسلام واجب شرعي، ولا يمكن أن تتحقق هذه النصرة على المستوى المطلوب إلا مِن خلال عمل جماعي، فلا يستطيع فرد أو أفراد متفرقون أن ينهضوا بهذا العبء، وهل الجهاد في سبيل الله يكون إلا بالعمل الجماعي؟! قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ . الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال:65-66)، وقال -تعالى-: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة:249).

فلا ينبغي أمام هذه التحديات التي تواجهها الأمة أن يعمل كل شخص بمفرده؛ فلا بد مِن الوَحدة والاجتماع، والعمل بروح الفريق الواحد، ولكننا ننبِّه على أمر هام، وهو عدم التعصب الممقوت المذموم، والتحزب الذي ينبني عليه الولاء والبراء بسبب الاسم أحيانًا أو بسبب الشيخ المعلِّم أو بسبب المذهب أو البلد أو العائلة أو القبيلة أو الشعب، ولا بد أن نربي الناس على نصرة الحق لا الأسماء والأشخاص، وعندما حدث ذلك بين المهاجرين والأنصار في موقف من المواقف بدعوى الجاهلية نهاهم عنها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقوله: (دَعُوهَا، فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ) (متفق عليه)، من غير أن يلغي اسم المهاجرين واسم الأنصار، وإنما نهاهم عن الجاهلية؛ فهذا هو التوسط الواجب في علاج هذا الأمر، لا كما يقوله البعض بحرمة التسمي بأي اسم مطلقًا سوى اسم الإسلام!

وقد وُجدت أسماء المذاهب نسبة إلى أصحابها مِن حنفية، ومالكية، وشافعية، وحنابلة، ووجدت كذلك مسميات: كأهل السنة والجماعة، وأهل الحديث، وأهل الكوفة، وأهل المدينة، والشاميين، والعراقيين، والحجازيين، وغير ذلك؛ فلا حرج في المسميات، ولكن الخطر هو التعصب للمسمى على أي وجه كان.

وفي النهاية: نقول ونؤكد على أنه لا مكان للأفراد في ظل هذه التكتلات والكيانات التي نراها؛ فلا بد مِن الإخلاص للدعوة وللمنهج، ووقفة مع النفس؛ لتصحيح المسار، والعودة إلى المنهج النبوي، وسيرة الصحابة -رضي الله عنهم-.

اللهم اجعل أقوالنا وأعمالنا خالصة لوجهك الكريم.

مقالات ذات صلة:

Scroll to Top
Send this to a friend