رسالة إلى القضاة .. احذروا قاضي السماء

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمن أهم الوسائل التي يتحقق بها القسط، وتحفظ بها الحقوق، وتُصان بها الدماء والأعراض والأموال هي إقامة النظام القضائي الذي فرضه الإسلام وجعله جزءًا من تعاليمه، وركيزة من ركائزه التي لابد منها ولا غنى عنها، فإن الشريعة الإسلامية وسائر الشرائع الإلهية قد جاءت لتحقيق مصالح الناس.

ولا شك في أن وجود القضاء في المجتمع الإنساني هو إحدى الوسائل المحققة لهذه المصالح؛ فبه تُحمى الحقوق وتصان عن الانتهاك، ويزال بواسطته تعدي الناس بعضهم على بعض، وهو أحد المناصب العظيمة التي تحقق العدل وتمنع الظلم، وترسي الحق، والعدل هو أحد مقاصد الشريعة الإسلامية الغراء، قال -تبارك وتعالى-: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) (الحديد:25).

والقسط هو العدل، فهما كلمتان مترادفتان, وأي طريق أدى إلى الوصول إلى العدل بين الناس كان مطلوبًا في الشرع، وقد أمر الله -تعالى- بالعدل في الحكم، قال -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) (النساء:58)، وقال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة:8).

والقضاء من عمل الرسل -عليهم الصلاة والسلام-؛ يدل على ذلك قوله -تعالى-: (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ) (الأنبياء:78)، وقد ورد في القرآن الكريم في غير ما آية ما يشير إلى ذلك، منها قوله -تعالى-: (احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) (المائدة:49)، وقوله: (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (المائدة:42).

وأما السنة المطهرة: فتدل لمشروعية القضاء أحاديث كثيرة، منها: ما رواه عمرو بن العاص -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ، فَلَهُ أَجْرٌ) (متفق عليه).

وأول مَن تولى هذه الوظيفة في الإسلام هو الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فالقضاء مِن أجلِّ الوظائف وأسمى الأعمال، ومِن أقوى الفرائض، قد أمر الله به -جلَّ جلاله-، وبعث بها رسله، فقاموا به -صلوات الله وسلامه عليهم- أتم قيام، وقام به مِن بعدهم أئمة العدل؛ امتثالاً لأمره -سبحانه وتعالى-: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (المائدة:44)، وقال -تعالى-: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) (النساء:105).

ولم تكن السلطة التنفيذية منفصلة عن السلطة القضائية في زمن الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فقد كان يتولى الفصل في الخصومات بنفسه تطبيقًا لأحكام الشريعة الإسلامية، كما أنه استعان ببعض أصحابه في ذلك، فبعث معاذًا -رضي الله عنه- إلى اليمن قاضيًا ومعلِّمًا، وكذلك بعث عليًّا -رضي الله عنهما-.

ولما تولَّى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وتوسَّعَتِ الدولة في عهده واختلط العربُ بسكان البلاد المفتوحة، وازدادَتِ القضايا في هذه الأمصار – تعذر على الخليفة النظر فيها، وكذلك الولاة، فعمل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- على فصل القضاء عن الولاية، وشرع في تعيين القضاة في البلاد المفتوحة، فولَّى أبا الدرداء قضاءَ المدينة، وشريحًا الكندي قضاء الكوفة، وعثمانَ بن أبي العاص قضاء مصر، وأبا موسى الأشعري قضاء البصرة، وقد أجرى عمر -رضي الله عنه- عليهم الرواتب، فجعل للقاضي سليمان بن ربيعة خمسمائة درهم في كل شهر، وجعل لشريح مائةَ درهم ومؤْنته من الحنطة.

وقد رهب الإسلام مِن هذه الوظيفة: فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ جُعِلَ قَاضِيًا بَيْنَ النَّاسِ، فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني).

وأخرج ابن عساكر عن مكحول قال: “لو خيرت بيْن القضاء وبين ضرب عنقي لاخترت ضرب عنقي”.

وأخرج ابن عساكر عن أبي زُرعة الثقفي قال: “عرض يحيى بن خالد القضاء على عبد الله بن وهب المصري فكتب إليه: إني لم أكتب العلم أريد أن أحشر في زمرة القضاة، ولكني كتبت العلم أريد أن أحشر به في زمرة العلماء”، وقد رفض أبو حنيفة وسفيان الثوري -رحمهما الله- وغيرهما تولي منصب القضاء لشدة خطره.

وقد رغب الإسلام في الحكم بين الناس بالحق وجعله من الغبطة: روى البخاري عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا حَسَدَ إِلا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَة فَهُوَ يقْضِي بهَا وَيعلمهَا) (متفق عليه).

ووعد الإسلام القاضي العادل بالجنة: فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَنْ طَلَبَ قَضَاءَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَنَالَهُ، ثُمَّ غَلَبَ عَدْلُهُ جَوْرَهُ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ غَلَبَ جَوْرُهُ عَدْلَهُ فَلَهُ النَّارُ) (رواه أبو داود، وحسنه الحافظ ابن حجر).

وعن عبد الله بن أبي أوفى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ القَاضِي مَا لَمْ يَجُرْ، فَإِذَا جَارَ تَخَلَّى عَنْهُ وَلَزِمَهُ الشَّيْطَانُ) (رواه الترمذي وابن ماجه، وحسنه الألباني).

ولا يقضي بين الناس إلا مَن كان عالمًا بالكتاب والسنة، وقد ذكر الله لنا المثل الأعلى في القضاء فقال -جل شأنه-: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) (ص:26).

وإذا كان هذا الخطاب موجهًا إلى داود -عليه السلام- فهو في الواقع موجه إلى ولاة الأمور؛ لأن الله لم يذكر ذلك إلا ليبين لنا المثل الأعلى في الحكم، وأن داود -عليه السلام- وهو نبي معصوم يخاطبه الله بقوله: (وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)، وعن أبي بريدة عن أبيه -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (الْقُضَاةُ ثَلاثَةٌ: وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ وَاثْنَانِ فِي النَّارِ، فَأَمَّا الَّذِي فِي الْجَنَّةِ فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني).

فعلى القضاة أن يتقوا الله -تعالى-، وأن يكونوا على يقين بأن الله -تعالى- سيسألهم عن أعمالهم وأحكامهم التي حكموا بها في الدنيا.

فاحذر أيها القاضي من أن تحكم على بريء بالعقوبة وأنت تدري، أو أن تحكم على مذنب بالبراءة وأنت تدري، واعمل على مرضاة الله واحذر مِن قاضي السماء؛ فإنه لا يضيع عنده مثقال ذرة!

والله المستعان.

Scroll to Top
Send this to a friend