مقالات متنوعة

د. زين العابدين كامل يكتب: لا بأس عليك يا شيخ الحديث

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فما أصعب أن تتحدث عن رجل كالشيخ العلامة المحدث “أبي إسحاق الحويني” -حفظه الله- أكتب مقالاً كل أسبوع تقريبًا، و- بفضل الله تعالى لا أجد في ذلك صعوبة، ولكن عندما اقترح عليَّ بعض إخواني أن أكتب مقالاً عن الشيخ “الحويني” -حفظه الله- حار فكري وتعب فؤادي، وتوقف قلمي بيْن السطور، وقلت: إنه لا ينبغي لمثلي أن يتحدث عن الجبال الشامخة والنجوم الساطعة، ولكني استعنت بالله -تعالى-.

أقول: لقد كنت أتمنى أن أنال شرف لقاء الشيخ “الحويني” -حفظه الله-، وأن أجلس بين يديه؛ لطلب العلم الشرعي، وهذا فخر وشرف يعلم قيمته طلاب العلم، حتى كان شهر رمضان لعام 1431هـ/ 2010م، فقررت أن أسافر إلى محافظة كفر الشيخ؛ لأعتكف العشر الأواخر من رمضان في مسجد “ابن تيمية” الذي يحاضر فيه الشيخ؛ حتى أنال ما أتمنى، ووفقني الله، بل وشرفني بأن جلست بين يدي الشيخ لأسمع منه وأنظر إلى وجهه المنير، لا سيما إذا تبسم وظهرت ثناياه.

ولما رأيت الشيخ تذكرتُ قول “ابن القيم” -رحمه الله- عن شيخه “ابن تيمية”، قال: “كنا إذا نزل بنا البلاء ذهبنا إلى شيخ الإسلام ابن تيمية، فإذا رأيناه وسمعنا كلامه ذهب عنا ما نحن فيه“.

وتذكرتُ أيضًا كلام الشيخ “الحويني” عن شيخه “الألباني” -رحمه الله-: “كأنه من القرون الأولى”.

ولا أستطيع أن أصف مدى السعادة التي كانت تملأ قلبي عندما يصل الشيخ إلى المسجد للقاء المعتكفين وإلقاء المحاضرة، والله لا أريد أن ينتهي من الكلام أبدًا، وكان الشيخ ليس له موعد محدد، فمرة يأتي في منتصف الليل، وأخرى في منتصف النهار، وهكذا… كما كان سلفنا يعيشون الليل والنهار في طاعة الله.

ومِن الكلمات التي سمعتها مِن الشيخ، ولم أنسها -فهي في خاطري دائمًا-، قوله:أريد من الأخ الداعي إلى الله أن يكون مريضًا بالحِلم“. أي: أن يكون حليمًا إلى أقصى درجة، ووالله كم انتفعت بهذه الكلمات في حياتي الدعوية، وقال لنا يومًا -وهو يضحك-: “نحن في معتكف ولسنا في معتلف“. أي: لا تكثروا من الطعام في المعتكف.

واستفدت كثيرًا من أسلوبه وشجاعته، وقراءته للواقع وهو يتحدث في المعتكف عن الأخت “كاميليا شحاتة” في وقت سكت فيه كثيرون، كانت كلماته شديدة، ولكنه لم يخشَ في الله لومة لائم.

الشيخ -حفظه الله- تتعلم منه العلم الشرعي وفن التعامل مع الآخرين، تتعلم منه ما ينفعك في دنياك وآخرتك، ويظهر ذلك جليًّا في حلقاته المعروفة بـ”مدرسة الحياة”.

ثم تنتقل إلى عالم آخر وأنت تسمعه يتحدث في خطبته الشهيرة “أنت الجماعة ولو كنت وحدك“، وهو يقول: “إنني أتمنى أن أموت واقفًا، وأن أناضل عن ديني إلى آخر لحظة!”. تشعر وقتها بقيمة الشيخ وحبه لدينه ودعوته، وهمته في الدعوة، وأنها كل حياته.

ومما تعلمته من الشيخ أيضًا حرصه على نشر العلم، أرسلتُ له يومًا رسالة قد كتبتها ليراجعها ويقدِّم لها، وتأخرتْ الرسالة عند الشيخ لضيق وقته وانشغاله، وعلم الشيخ أنني لن أقوم بطبع الرسالة ونشرها إلا بعد أن يراجعها ويقدم لها ، وهنا أرسل الشيخ لي رسالة مع أحد الإخوة يطالبني بطبع الرسالة ونشرها حتى لا نتأخر في نشر العلم؛ وكنت أحيانًا أنقل بعض كلامه بل ودرره، لبعض مشايخنا بمدينة الإسكندرية، فيعجبهم كلام الشيخ ويثنون عليه خيرًا، وأنا أقول: سبحان الله! هؤلاء حقًا هم العلماء، وهذا هو التواضع والتجرد، ولم أرَ ما يكون أحيانًا بين الأقران من طلاب العلم من الغيرة ونحو ذلك…

الشيخ الحويني حقًا كالغيث “حيثما وقع نفع”، وهو مِن نعم الله علينا -بل وعلى الأمة كلها-، وقد سمعتُ ثناء العلماء عليه مرات عديدة، وذلك لثباته على الحق في أشد اللحظات حتى إنني سمعتُ يومًا أحد الدعاة يقول: “والله لو أستطيع أن آخذ من عمري وأعطي الشيخ الحويني لفعلت!”.

تتعجب عندما تسمع الشيخ “الحويني” وهو يقول بعد أن بترت ساقه: “إنني لم أشعر بالرضا يومًا كشعوري بالرضا هذه الأيام!”، ثم يقول: “ليس عندي ما ألقى به ربي إلا حبي لله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-!”.

فماذا نقول نحن يا شيخنا… ؟!

عن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً؟ قَالَ: (الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الصَّالِحُونَ، ثُمَّ الأَمْثَلُ، فَالأَمْثَلُ مِنَ النَّاسِ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صَلابَةٌ زِيدَ فِي بَلائِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ خُفِّفَ عَنْهُ، وَمَا يَزَالُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ لَيْسَ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).

وفي حديث أبي الدرداء -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وفيه: (وَإِنَّ العَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ حَتَّى الحِيتَانُ فِي المَاءِ، وَفَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ، كَفَضْلِ القَمَرِ عَلَى سَائِرِ الكَوَاكِبِ، إِنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا العِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني).

وما أرق وأعذب هذه الكلمات التي قالها الشاعر “يعقوب العتيبي” حديثًا عن الشيخ “الحويني”:

فـي ذمـة الـمـولى تركـتَ الساقـا       

              عــافــاك ربــك يـا أبــا إســحـــاقـا

إن كان قـد عـاق المسيرَ فراقُها        

             لـكــنّ قـلـبــك لن يـكــونَ مـُعــاقـا

أو كـان تـرياقُ المريضِ بجرعة        

            فصفاء روحِـك قـد غـدا تـريـاقـا

يـا خــادمـًا سنن الرسول وهديه         

             ومُــضــَمِّـخـًا بـعـبــيــره الأوراقــا

ومـجلـيـًا نـهـجـًـا تـجـدد عــهــده         

            كـالبـدر حـسنـًا والـسـنـا إشــراقـا

ومضيت تنشر في الأنام رسـالة         

            حـتـى بـلـغـت بـشـرحـهـا الآفــاقـا

لا بـأس يـا شـيخ الحديث فـربنا          

            يـجـزي الصـبـور ويـفتحُ الأغلاقا

فـاهـنـأ بـأدعـيـة العبـاد وحبِّهـم         

             صاغوا الودادَ وأرسلوا الأشواقا

يـا مـصـر يـا بـلـد الكرام تحـية           

            مـن أرض نـجــدٍ والقــلوب تلاقى

نسب التقى والعلم أوثق عروة           

         وحــبـالـه قــد فـــاقــت الأعــراقـا

فأبشر يا شيخنا…

أبشر يا شيخ الحديث…

أبشر يا ناصر السنة...

أبشر يا أسد الأمة… أبشر بعاجل بشرى المؤمن، فإن الله جعل لك القبول في الأرض، أحبك العوام، وطلاب العلم والعلماء.

أبشر… فأنت قيمة كبيرة، وقامة عظيمة.

لا بأس عليك يا شيخنا، فإن الله -تعالى- أراد أن يُعلي قدرك في الآخرة، كما أعلى قدرك في الدنيا.

وندعو الله -تعالى- بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يمتِّع شيخنا بالصحة والعافية، وأن يمسح عليه بيمينه الشافية، وألا يحرم الأمة مِن علمه، وأن يبارك له ولنا في عمره، وأن يزيده من الرضا، وأن يجعل مرضه في ميزان حسناته، وأن يرفع قدره في الدنيا والآخرة، وأن يجعل كل خطوة خطاها بساقه في سبيل الدعوة كجبل أحد في ميزان حسناته.

واحفظ اللهم جميع مشايخنا وعلمائنا، وكل مَن كان له فضل علينا.

اللهم آمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى