سقوط الدولة العُبيدية – الفاطمية (1)

سقوط الدولة العُبيدية- الفاطمية (1)([1])

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،

تمهيد:

لقد قامت الدولة العُبيدية، والمعروفة كذبًا بالفاطمية([2])، على أساس مذهبي، وكان هدفها هو بسط نفوذها على العالم الإسلامي، ومن ثم نشر مذهبها الشيعي، وقد قامت الدولة في بلاد المغرب عام 297ه، ثم سيطرت على مصر عام 358هـ، عن طريق جوهر الصقلي، وذلك بعد عدة محاولات من أجل السيطرة على مصر، ومن ثم السيطرة على دول الشرق، ثم انتقلت قيادة الدولة رسميًا إلى مصر عام 362هـ، وذلك بانتقال المعز من المغرب إلى مصر، ولقد بلغت الدولة ذروة اتساعها في عهد المستنصر بالله، حيث ضمت الدولة مصر والشام وشمالي إفريقية وصقلية والحجاز واليمن وعمان والبحرين، وبعد هذا التمدد والاتساع السياسي والجغرافي، إلا أن الدولة سقطت في نهاية الأمر، وكان ذلك في شهر محرم عام 567ه.

والمؤرخون المنصفون يعتبرون سقوط الدولة هو تاريخ تولية بدر الجمالي السلطة، عام 466هـ، ولم يفعل صلاح الدين الأيوبي حين أسقط الخطبة للفاطميين الشيعة، دون أية معارضة أو مقاومة حقيقية عام 567هـ؛ إلا إسقاطًا لعهد الوزراء العظام، حيث إن عصر الدولة الفاطمية ينقسم إلى – عصر الخلفاء الأقوياء- وعصر الوزراء العظام.

أسماء الحكام العبيديين الشيعة ومدة حكم كل منهم:

لعل من المناسب في هذا المقام أن نذكر أسماء الحكام الذين حكموا خلال عصر الدولة العبيدية، وفترة حكم كل منهم.

  1. عبيد الله المهدي ( 297- 322ه) مؤسس الدولة الفاطمية
  2. أبو القاسم محمد، القائم بأمر الله (322-334ه)
  3. أبو طاهر إسماعيل، المنصور بنصر الله ( 334 – 341ه)
  4. أبو تميم معد، المعز لدين الله ( 341 – 365ه)
  5. أبو منصور نزار، العزيز بالله (365 – 386ه)
  6. أبو علي منصور، الحاكم بأمر الله (386 – 411ه)
  7. أبو الحسن علي، الظاهر لإعزاز دين الله ( 411 – 427ه)
  8. أبو تميم معد، المستنصر بالله ( 427 – 487ه)
  9. أبو القاسم أحمد، المستعلي بالله ( 487 – 495ه)
  10. أبو علي المنصور، الآمر بأحكام الله ( 495 – 524ه)
  11. – أبو الميمون عبد المجيد، الحافظ لدين الله ( 526 – 544ه)
  12. أبو منصور إسماعيل، الظافر بالله ( 544 – 549ه)
  13. أبو القاسم عيسى، الفائز بنصر الله ) 549 – 555ه)
  14. أبو محمد عبد الله، العاضد لدين الله (555 – 567ه)

التغييرات التي أحدثها العبيديون في مصر و العالم الإسلامي:

لقد كان كتاب الأمان الذي أمضاه جوهر ينص على أن يظل المصريون على مذهبهم السني، ولا يُلزمون بالتحول إلى المذهب الشيعي، وأن تظل الأحكام والشعائر تُقام على أصول المذهب السني، وللأسف الشديد لم يقم جوهر بالوفاء بوعوده، بل قام الشيعة بقطع الخطبة والدعاء للخليفة العباسي، واستبدلوا ذلك بالدعاء للمعز، وكذلك تم ضرب اسم المعز على النقود والعملة، وتم منع لبس السواد وهو شعار العباسيين، وتم إلغاء رؤية الهلال، حيث أن الشيعة لهم حسابات تختلف في الرؤية عن مذهب أهل السنة، وتم إلغاء صلاة التراويح، وصلاة الضحى، وأمر المعز بأن تأخذ البنت التركة كلها إذا انفردت بخلاف الحكم القرآني ” وإن كانت واحدة فلها النصف “، وقد قام الشيعة بتغيير عدة أحكام أخرى في المواريث، وتم زيادة عبارة حي على خير العمل في الأذان في المساجد الجامعة، ومنها مسجد أحمد بن طولون ومسجد عمرو بن العاص معقل أهل السنة، وكذا إعلان تفضيل علي على غيره لاسيما الصديق والفاروق، ثم الجهر بالصلاة على علي وفاطمة والحسن والحسين، وأكثر الشيعة من الاحتفالات ببعض المناسبات؛ مثل يوم عاشوراء، فلم يكتف الشيعة بصيام اليوم كما يفعل أهل السنة وإحياء قضية موسى عليه السلام، بل يقوم الشيعة ببعض الطقوس حزنًا على الحسين رضي الله عنه، وكذلك الاحتفال بيوم الغدير، ومولد علي بن أبي طالب وزوجته فاطمة والحسن والحسين والخليفة الفاطمي الحاضر.

ثم تم العمل على نشر المذهب الشيعي عن طريق الجامع الأزهر، وقد تم بناء الجامع الأزهر بعد بناء القاهرة بتسعة أشهر تقريبًا، حيث تم البدء في تشييده عام (359هـ) وافتُتح للصلاة يوم الجمعة السابع من رمضان عام (361هـ)، وقد أُنشئَ هذا المسجد ليكون مسجداً للدولة الفاطمية الشيعية ورمزاً لدعوتها المذهبية، وفى عهد الخليفة العزيز بالله تحول الجامع الأزهر إلى جامعة لنشر المذهب الشيعي.

هذا وقد قام الشيعة ببعض الإجراءات للضغط على أهل السنة من أجل اعتناق المذهب الشيعي.

وكذا تم إسناد بعض الوظائف في مؤسسة القضاء، والحسبة، و المالية، إما للشيعة أو لغير المسلمين، من يهود ونصارى.

وكذلك تم التضييق على علماء السنة، وعلى خطباء المساجد، وتم استبدلاهم بآخرين.

وكذا قام الشيعة بلعن وسب بعض الصحابة، وعلى رأسهم أبي بكر وعمر وأعلنوا ذلك السب.

وتم كذلك تحريم وتجريم لبعض الأطعمة، فلقد صدر قانون من الحاكم يحرم بيع الملوخية، لأنه وصل إلي الشيعة أن معاوية بن أبي سفيان كان يحبها، وتم كذلك تحريم الجرير والقرع، لأن بعض الصحابة كانوا يحبونهما، وقد تم القبض على جماعة كانوا ياكلون الملوخية فضُربوا بالسياط وطيف بهم فى الشوارع ثم ضربت اعناقهم.

عصر ضعف الحُكام ونفوذ الوزراء:

ذكرنا أن عصر الدولة العبيدية الشيعية ينقسم إلى عصر الخلفاء الأقوياء؛ وعصر الوزراء العظام،

والوزراء العظام كان أوَّلهم وأعظمهم ‏‏بدر الجمالي‏ وآخرهم شاور.

وقد أخذت قوة الفاطميين السياسية بالانحدار شيئاً فشيئاً، وكان معظم الخلفاء الذين تولوا بعد الحاكم بأمر الله صغاراً لم يبلغوا سنَّ الرُّشد بعد، لذا فقد افتقروا إلى السُّلطة، وأصبحت الدولة في أيدي الوزراء الفاطميِّين، تولى الظاهر وعمره ستة عشر عامًا، وكانت عمَّته ست الملك هي الحاكم الفعلي للدولة، ومن بعده حكم المستنصر بالله، وهو ابن سبع سنين، وقد دام حكمه نحو 60 عامًا، ليكون أطول الحكام الفاطميِّين عهداً على الإطلاق، ثم مع وقوع الشدة المستنصرية، بدأت العديد من أقاليم الدولة بالتمرد على الفاطميين، فانقطعت الخطبة عن المستنصر في مكة والمدينة عام (462هـ) ليُخطب عوضاً عنه للخليفة العباسي مجدداً، ثم استطاع السلاجقة أن ينتزعوا بلاد الشام وغيرها من الشيعة، ثم اتحد الشيعة مع الصليبيين ضد السلاجقة.

ثم تولى المستعلي بالله، بعد موت أبيه المستنصر، وهنا بدأ عصر الوزراء، وبعد المستعلي تولى ابنه الآمر بأحكام الله وعمره خمس سنوات، و قد عهد الآمر بالخلافة من بعده لابنه الطيب أبو القاسم والذي لم يكن قد وُلدبعد، بل كان لا يزال في رحم أمُّه، ولم يكن للآمر ابنٌ آخر يتولَّى الخلافة، فعُيِّن أخوه الحافظ لدين الله نائباً للخليفة ليتولَّى شؤون الحكم حتى بلوغ الطيّب سنَّ الرشد، وأخطأ الحافظ باختيار أحمد بن الملك الأفضل وزيراً له، فما إن تولَّى هذا الوزارة حتى قبض على الحافظ وزج به في السجن، واستبد الوزير بالدولة ولم يعد للخليفة المسجون كلمة فيها؛ ولم يطُل الأمر، فسُرعَان ما اغتال الإسماعيليُّون أحمد بن الأفضل، وحرروا الحافظ لدين الله من سجنه، فعاد لتولّي شؤون الخلافة سنة (526هـ)، لكنَّ الحافظ ظلَّ بعد ذلك يعاني من نفوذ الوزراء الشديد في دولته، فكان وزراءه هم الذين يحكمون الدَّولة طوال عصره ؛ إلا أنه ظلَّ خليفةً حتى وفاته عام( 544هـ) وبعد وفاة الخليفة الحافظ، تولى الخلافة خلفاء صغار السن وهم الظافر والفائز وكلاهما ليس له في الخلافة إلا مجرّد الاسم فقط، ثم تولى العاضد وعمره تسع سنوات، فكان من الطبيعي أن يكثر التنافس بين كبار موظفي الدولة على منصب الوزارة.

وخلال تلك الفترة كان الوزير هو الحاكم الفعلي للبلاد، مما أثر على مكانة الحكام وسلطتهم، بل وكان الوزراء يعيشون حالة من الصراع والتنافس الدائم على كرسي العرش، ومن أشهر أنواع الصراع بين الوزراء؛ الصراع الداخلي والقتال الشديد الذي وقع بين الوزيرين شاور وضرغام، وهو الصراع الذي انتهى بانتصار ضرغام وفرار شاور إلى بلاد الشام، حيث استنجد بنور الدين محمود صاحب دمشق، ولم يلبث ضرغام أن استغل منصبه في جمع الأموال، ثم قام بقتل عدد من أمراء مصر، لتخلو له الساحة السياسية، ثم أخذ الصراع بُعدًا إقليميًا خارجيًا بتدخل نور الدين محمود وعموري الأول ملك بيت المقدس، وربما كان هذا من المؤشرات التي دلت على قرب انهيار الدولة العبيدية.

ونستكمل في المقال القادم بمشيئة الله تعالى.

  1. () راجع: المقريزي: اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء، ابن تغري بري: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، ابن واصل: مفرج الكروب في أخبار بني أيوب، أبو شامة: الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية، محمد سهيل طقوش: الدولة الفاطمية، أحمد حرفوش: زوال المذهب الشيعي من مصر في العصر الأيوبي وأثره على الحياة الثقافية والعلمية فيها.
  2. () ذهب جمهور المؤرخين إلى أن نسب العبيديين إلى فاطمة رضي الله عنها كذب وافتراء، وأن عبيد الله المهدي اسمه سعيد، وكان زوج أمه الحسين بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن ميمون القداح،وجَدُّ القداح هو ديصان الذي يرجع أصله إلى المجوس، وبعضهم ينسبه إلى اليهود.

 

مقالات ذات صلة:

Scroll to Top
Send this to a friend