صراع الأشقاء وتأثيره على القضية الفلسطينية

لا شك أن القوة تتمثل في الوحدة ، ولا يستقيم للناس حال في دنياهم ومآلهم إلا بالاتفاق والائتلاف, وقد حرص الإسلام على هذا المعنى، قال -تعالى- في سورة آل عمران: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ . وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران:103-104)، وقال -تعالى- في سورة الأنفال: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال:46).
وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (عَلَيْكُمْ بِالجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الجَنَّةِ فَلْيَلْزَمُ الجَمَاعَةَ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)،
يبدأ صراع الأشقاء والإخوة في فلسطين اعتبارًا من عام 1994م يوم أن تسلمت السلطة الفلسطينية مدينتي غزة وأريحا ، ثم أعقب ذلك حملات اعتقالية واسعة ، نال القسط الأوفر منها قيادات حركة حماس وعناصرها وجهازها العسكري ،وفي 25 فبراير عام 1996 أعلنت قيادة الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية عن قيامها بأوسع حملة اعتقالات ضد عناصر حركتي حماس والجهاد الإسلامي في الضفة الغربية وقطاع غزة ولقد استمرت هذه الحملات عدة أشهر، وقد نالت حركة الاعتقالات عددًا من قادة حماس ، منهم : محمود الزهار وأحمد بحر وغازي حمد وإبراهيم المقادمة وغيرهم ، ومع بداية الانتفاضة الثانية للشعب الفلسطيني في سبتمبر عام 2000 م توقفت حملات الاعتقال بسبب غضب الجماهير، وهنا توحد الفلسطينيون ضد الاحتلال، وشرعوا في حوارات داخلية قادتها مصر وانتهت باتفاق القاهرة بين الفصائل في مارس 2005 م، ثم في مطلع عام 2006 تم تنظيم ثاني انتخابات تشريعية فلسطينية، وهي أول انتخابات تشريعية تشارك فيها حركة حماس ، ومثلت حركة حماس في هذه الانتخابات ، الحصان الأسود، حيث حصدت أغلبية المقاعد في المجلس التشريعي، وهنا رفضت معظم الفصائل الفلسطينية المشاركة في حكومة حماس، وبالفعل شكلت الحركة حكومتها برئاسة إسماعيل هنية،ولكن تصاعدت حدة الخلاف بين حماس وبين فتح وبعض الفصائل الأخرى ، مما أثر على الوضع الداخلي في فلسطين ، وأصبح الشعب الفلسطيني يعاني من قوة الفرقة والانقسام ، ومع زيادة التوتر بادر الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز إلى دعوة حركتي فتح وحماس إلى التحاور في مكةعام 2007، ووقعت الحركتان على اتفاق عُرف بـ”اتفاق مكة” ، ولكن للأسف لم يتم تنفيذ ما تم الاتفاق عليه ، واستمرت الخلافات بين الحركتين الشقيقتين ،ثم تطورت الأمور و قامت حماس بالسيطرة على قطاع غزة فيما عرف باسم “الحسم العسكري”، ليتحول الانقسام الجغرافي إلى انقسام سيطرة سياسية ، ومما يدمي القلب أن قتالًا عنيفًا وقع بين الطرفين في غزة ، وفي النهاية سيطرت حركة حماس على كل المواقع الأمنية في قطاع غزة الذي وقع بذلك تحت السيطرة الكاملة لحركة حماس ، ثم تتسارع الأحداث نحو مزيد من الفرقة والانقسام ، ويعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس في رام الله إقالة حكومة إسماعيل هنية، وكلف سلام فياض بتشكيل حكومة جديدة، وقد رفضت حركة حماس تكليف فياض تشكيل حكومة طوارئ واعتبرته انقلابًا ضد الشرعية ،ثم خاضت حماس حربًا مع الكيان الإسرائيلي الذي هاجم قطاع غزة وأكثر من قتل الأبرياء والمدنيين ، ثم تتدخل القاهرة عام 2009م ، للوساطة بين فتح وحماس ولكن دون جدوى ، ثم تم فتح نافذة للمصالحة بين فتح وحماس بالعاصمة السورية دمشق، وقد حضر هذه المرة اللواء عمر سليمان رئيس المخاربات المصرية ، ولكن فشلت محولات الصلح مرة أخرى ، ويأتي عام 2011م وتقوم ثورات الربيع العربي ، وهنا تقوم القاهرة بمحاولة جديدة ، وبالفعل وقعت الفصائل الفلسطينية في القاهرة على الورقة المصرية (وثيقة الوفاق الوطني للمصالحة وإنهاء الانقسام الفلسطيني) وأقيم احتفال موسع بحضور الرئيس الفلسطيني محمود عباس والأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى ووزير خارجية مصر نبيل العربي ورئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) خالد مشعل،ولكن لا تزال هناك خلافات ، فيأتي إعلان الدوحة للمصالحة الفلسطينية ، وهو اتفاق بين حركتي فتح وحماس جرى توقيعه بحضور أمير قطر في العاصمة القطرية الدوحة في فبراير 2012م ووقعه محمود عباس نيابة عن حركة فتح وخالد مشعل نيابة عن حركة حماس ، وفي عام 2015 م تم تكوين حكومة توافق وطني ، ثم تعرقلت المسيرة مرة أخرى فكان اتفاق القاهرة الجديد عام 2017م وينص اتفاق المصالحة الجديد على تمكين حكومة الوفاق لتقوم بكافة مهامها في غزة،وهكذا كثرت محطات الخلاف الفلسطيني عبر التاريخ الحديث، وبرزت معايبه،والله المستعان .

Scroll to Top
Send this to a friend