د. زين العابدين كامل: اجتماع عاجل مع الأسرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد؛

كثيرة هي الاجتمعات المختلفة التي تقام هنا وهناك، سواء في مواقع العمل المختلفة أو المؤسسات المتنوعة، ومن المؤكد أن الجميع يحرص على حضور تلك الاجتماعات، وذلك يعود إلى أهمية تلك الاجتماعات على مستوى الأفراد والمؤسسات، وهذه الاجتماعات تُقام بصفة منتظمة ولها مواعيد محددة، وقد رأيت بعض الشركات الأجنبية تحرص على هذه الاجتماعات كل الحرص، ربما بصورة يظن البعض أنه مبالغ فيها، ولكن بالنسبة لهم تشكل هذه الاجتماعات رصيدًا كبيرًا من النظام العام للمؤسسة، والسؤال الذي يطرح نفسه:

هل نحرص على الاجتماع مع أُسرنا كما نحرص على الاجتماعات الأخرى؟

هل نتناقش ونتحاور مع الأهل والأبناء كما يحدث في الاجتماعات الأخرى؟

هل نسمعهم ونفتح حوارًا معهم؟

هل نتعرف على وجهات نظرهم في القضايا المختلفة أو فيما يخص أحوالهم وحياتهم؟

إن الجلوس مع أفراد الأسرة يخلق فرصة للتواصل وتبادل الأفكار ويوطد عملية الانتماء بينهم؛ فلابد من توفير فرصة للمناقشات في المسائل والقضايا المختلفة، قضايا أخلاقية أو فكرية أو اجتماعية، يتعلم أفراد الأسرة من خلالها مهارات التواصل الفعال مع بعضهم البعض؛ لأن عملية التواصل الحقيقي عن طريق الجلوس مع الأهل والأبناء تساهم بقدر كبير في تأصيل روح التعاون بين أفراد الأسرة، وتنمي الابتكار والإبداع من خلال إتاحة الفرصة لإيجاد حلول لبعض المشاكل، بل هذه الجلسات تساعد في التعبير عن المشاعر بكل شفافية ووضوح، وتساعد في تعلم فن الحوار وآدابه.

كما تساعد كذلك على غرس معنى تحمل المسئولية في اتخاذ القرارات وتنفيذها.

ولعل أهم فائدة من هذه الاجتماعات، هو تحقيق الترابط والتقارب بين جميع أفراد الأسرة؛ لأن القلعة الكبرى المحصنة التي يتحصن بها الطفل هي الأسرة، وهي أقوى مؤسسة تربوية على الِإطلاق، والوالدان بصفة خاصة، قال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله: “والصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة، فإن عُوِّد الخير وعُلِّمَه نشأ عليه، وسَعِدَ في الدنيا والآخرة، وإن عُوِّد الشر، وأُهمِلَ إهمالَ البهائم شقي وهلك. وصيانته بأن يؤدِّبَه، ويهذبه، ويعلمه محاسن الأخلاق”، وقال الِإمام المحقق ابن القيم رحمه الله تعالى: “وإذا اعتبرت الفساد في الأولاد، رأيت عامته من قبل الآباء”. وفي هذا أنزل الله تعالى آية من كتابه تتلى في المحاريب إلى آخر الزمن، قال عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون}، قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: “علِّموا أنفسكم وأهليكم الخير، وأدِّبوهم”. و قال عمرو بن العاص لحلقة قد جلسوا إلى جانب الكعبة، وقد أبعدوا الفتيان عن مجلسهم، فقال: “لا تفعلوا! أوسعوا لهم، وأدنوهم، وألهموهم، فإنهم اليوم صغار قوم يوشك أن يكونوا كبار قوم آخرين، قد كنا صغار قومٍ أصبحنا كبار آخرين”. وقال ابن القيم رحمه الله ” إنًّ القوم ليتواصلون  فتكثر أموالهم، ويكثر عددهم، وإن القوم ليتقاطعون فتقل أموالهم، ويقل عددهم”. وقد رأينا كثيرًا من الأسر، لا يجتمع أفرادها ولا حتى على مائدة الطعام، ومن السن النبوية الاجتماع على الطعام، وعدم التفرُّق فيه. ويدلّ عليه: حديث جابر بن عبد اللّه رضي الله عنه يقول: سِمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:«طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِي الاثْنَيْنِ، وَطَعَامُ الاثْنَيْنِ يَكْفِي الأَرْبَعَةَ، وَطَعَامُ الأَرْبَعَةِ يَكْفِي الثَّمَانِيَةَ» ( أخرجه مسلم) قال ابن حجر ؒ: «وعند الطبراني من حديث ابن عمر رضي الله عنه ما يرشد إلى العِلَّة في ذلك، وأوله: «كُلُوا جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا، فَإِنَّ طَعَامَ الْوَاحِدِ يَكْفِي الاثْنَيْنِ» فيؤخذ منه أنَّ الكفاية تنشأ عن بركة الاجتماع، وأن الجمع كلما كثر ازدادت البركة.

ومن السلبيات التي انتشرت بين بعض من يقومون بأمر الدعوة إلى الله تعالى، هي عدم الموازنة بين مقتضيات الدعوة وحق الأهل والأبناء، فربما يفرط الداعي إلى الله في حق أهله وأبنائه بسبب انشغاله الدائم في مجال الدعوة إلى الله، فأولى الناس  بالدعوة والإصلاح هم الأهل بنص القرآن العظيم، قال تعالى:  (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى)، وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا)، فكيف نخصص أوقاتًا من حياتنا لعموم المسلمين ونترك من هم أولى بالدعوة والتربية، إن دعوتهم والاهتمام بهم أَولى من دعوة عامة الناس؛ “لأن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بعشيرته قبل أن يبدأ بقومه، والله تبارك وتعالى قال في كتابه العزيز: (وأنذر عشيرتك الأقربين)”.

إن عدم اهتمام الداعية ببيته وزوجته وبتربية أبنائه نتيجة انشغاله بالدعوة؛ يؤثر تأثيرًا سلبيًّا في نفس الداعية، وعلى أهله وأبنائه؛ إذ إنه بعد فترة من الزمن من الممكن أن يُفاجَىء أن زوجته وأبناءه غير ملتزمين بما يدعو هو إليه، وهذا واضح بلا شك في مجتمعاتنا، فلابد من تخصيص جلسة يومية مع الأهل والأبناء ولو لمدة 30 دقيقة، فسيجعل الله فيها خيرًا كثيرًا بإذن الله تعالى .. والله المستعان.

Scroll to Top
Send this to a friend