هكذا بدأ الرسول بنفسه في حجة الوداع

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه وبعد،

فمن الخطب الجامعة التي يجب على المسلمين أن يتمسكوا بما جاء فيها من توصيات وإرشادات؛ خطب النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، فلقد بين فيها النبي صلى الله عليه وسلم، معالم هذا الدين، وأكد على كثير من القواعد والضوابط والأصول والتنبيهات، ومن تلك الأصول؛ أن يبدأ المسلم بنفسه دومًا، وأن يسبق غيره فيما يدعو إليه من معروف، فلا ينبغي أن ينادي المسلم بالإصلاح وهو بعيد عنه، أو أن يدعو إلى المثاليات والمبادىء وهو ينحيها جانبًا، بل ينبغي عليه أن يكون أكثر الناس التزامًا بما يدعو إليه؛ وأن يكون صاحب حال قبل أن يكون صاحب مقال.

وقد ظهر ذلك المعنى جليًا في جزء من خطب النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، حيث قال صلى الله عليه وسلم،” أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ” ( أخرجه مسلم وغيره).

في قَوْله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْتَ قَدَمَيَّ؛ إِشَارَة إِلَى إِبْطَالِهِ، فهو باطلٌ ومُهْدَر، فأبطل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أفعال الجاهلية، وقد بدأ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأقاربه، ليحُثَّ النَّاسَ على الاقتِداءِ، وأنْ يفعَلوا مثْلَه؛ حيث قال ” ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بنِ عبدِ المُطَّلبِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ” وَكَانَ هَذَا الِابْنُ الْمَقْتُولُ طِفْلًا صَغِيرًا يَحْبُو بَيْنَ الْبُيُوتِ فَأَصَابَهُ حَجَرٌ فِي حَرْبٍ كَانَتْ بَيْنَ بَنِي سَعْدٍ وَبَنِي لَيْثِ بْنِ بَكْرٍ، فأهدَر الدَّمَ المستحَقَّ للحارثِ بنِ عبدِ المُطَّلبِ، وهُو ابِن عَمِّه؛ لِيعلَمَ النَّاسُ أنه لا رُخْصَة لأحدٍ في إعَادةِ أَوْتارِ الجاهليةِ، فهذا الدم لا قِصاصَ فيه، ولا دِيةَ.

ثم قال” وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ ”  ومعنى إِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، مَعْنَاهُ الزَّائِدُ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ، كما قال تعالى { وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} وقد كان العباس قديمًا يتعامل بالربا.

وقد كان هذا الخلق؛ هو خلق النبي صلى الله عليه وسلم دومًا، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي”(رواه الترمذي وابن ماجه).

وقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى في كتابه العزيز حيث قال منكرًا على أهل الكتاب {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [البقرة:44]. وقال تعالى منكرًا على بعض المؤمنين {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2- 3]. والله المستعان.

مقالات ذات صلة:

Scroll to Top
Send this to a friend