دور المهندسين في حركة النهضة عبر التاريخ


دور المهندسين في حركة النهضة عبر التاريخ([1])

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه وبعد،

تمهيد:

لا شك أن المسلمين قد لعبوا دورًا كبيرًا في صناعة الحضارة، وقد اهتم المسلمون بجميع العلوم والفنون والمعارف المختلفة، كالكيماء، والفزياء، والطب، والهندسة، والفلك، والتاريخ والجغرافيا، والعلوم السياسية، والعلوم الإنسانية، والاقتصاد، والاجتماع، وعلوم اللغة.

ومن الشواهد التاريخية على ذلك؛ مكتبة بغداد “بيت الحكمة”

كان بيت الحكمة عبارة عن مؤسسة علمية دراسية بحثية، وهو بمثابة منارة أضاءت التاريخ، وقد كان تأسيس بيت الحكمة في بغداد على أيدي العباسيين، حدثًا ثقافيًّا بالغ الأهمية في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، تأسست مكتبة بيت الحكمة لتكون أول حاضرةٍ ثقافيةٍ تاريخيةٍ وعلميةٍ للعرب والمسلمين، وقد لعب بيت الحكمة دورًا بالغ الأهمية في الترجمة والنسخ وحفظ التراث الفكري للشرق والغرب، فقد كان يجمع عصارة الفكر الإسلامي لعدة قرون.

لقد وضع هارون الرشيد نواة بيت الحكمة عام 192 هـ / 808م، وقد بلغ بيت الحكمة ذروة نشاطه العلمي في عصر المأمون عام 218 هـ / 833م، حيث ازدهرت حركة الترجمة من اليونانية والفارسية وغيرها من اللغات إلى اللغة العربية، وقد أنفقت الدولة العباسية أموالًا كثيرة على بيت الحكمة ونشاطاته العلمية المختلفة، فقد كان بيت الحكمة يحتوي على مئات الآلاف من الكتب في العلوم المختلفة، مثل: المخطوطات والعلوم الشرعية والطب والهندسة، والفلك والفيزياء، والتاريخ والجغرافيا، والعلوم السياسية، والعلوم الإنسانية، والاقتصاد والاجتماع.
بل وتشير بعض الدراسات إلى أن عدد الكتب التي اشتملت عليها تلك المكتبة في أيام الخليفة المأمون، ما بين كتب عربية وأجنبية، مؤلفة ومترجمة ومخطوطات، بلغ نحو مليون كتاب.

مكتبة قرطبة:

لقد نال شرف فتح قرطبة: طارق بن زياد بمعاونة مُغيث الرومي أحد قادة الفتح الإسلامي، وكان فتحها عام 93ه / 712م، وكان الوليد بن عبد الملك هو الذي وجَّه مُغيثًا إلى الأندلس غازيًا، ومنذ ذلك الحين سطع نور قرطبة، وأصبحت مدينة حضارية عالمية، لا سيما بعد دخول عبد الرحمن الداخل – صقر قريش- بلاد الأندلس عام 138ه / 756م.

وفي عهد عبد الرحمن الناصر وابنه الحكم المستنصر، بلغت قرطبة أوج ازدهارها، وقمة ريادتها وحضارتها على المستوى الثقافي والسياسي، حيث أصبحت قرطبة هي عاصمة الدولة الأموية في بلاد الأندلس، وكانت قرطبة آنذاك تُضاء ليلًا بالمصابيح في حين كانت أوروبا مظلمة.

وفي القرن الرابع الهجري أصبحت قرطبة مدينة عصرية متقدمة، بل وأصبحت مركزًا ثقافيًا ومجمعًا علميًّا، حيث كثرت فيها المكتبات والمدارس، وشهدت نهضة علمية كبيرة، وكانت البعثات العلمية تأتي إليها من دول أوروبا، لتنهل من علمها وتستضيء بنورها.

فبينما كانت أوربا في عصورها المظلمة تتقلب في غيابات التخلف، كانت الأندلس تعيش عصرها الحضاري الذهبي.

هذا وقد اهتم بنو أمية بقرطبة اهتمامًا كبيرًا، وقد شمل ذلك جميع نواحي الحياة المختلفة، مِن: ثقافة، وزراعة، وصناعة، وبناء الحصون، ودور الأسلحة، وقد شقوا الترُع وحفروا القنوات، وأقاموا المصارف، وجلبوا للأندلس أشجارًا وثمارًا لم تكن تزرع فيها، حتى غَدَت قرطبة تنافس: القسطنطينية، وبغداد، والقيروان، والقاهرة، وأطلق عليها الأوربيون: “جوهرة العالم!”.

وقد أسس بنو أمية مكتبة عامرة بمدينة قرطبة، وقد اشملت المكتبة على  أربعمائة ألف مجلد، وعندما أرادوا نقلها، استغرق النقل ستة أشهر، ولا شك أن مكتبتي بغداد وقرطبة من معالم الحضارة الإسلامية.

علم الهندسة في التاريخ الإسلامي:

ومن العلوم التي اهتم بها المسلمون، علم الهندسة بمختلف فروعها، بل وشهدت علوم الهندسة حركة تطور وازدهار على يد علماء المسلمين، ولقد استفادت البشرية بأسرها من ذلك التطور.

ولقد عقد ابن خلدون ([2]) في تاريخه فصلًا بعنوان: “العلوم الهندسية”، وفي هذا إشارة إلى أن النظرة الإسلامية لهذا الفرع من العلوم، هي نظرة  أصيلة، ويثني ابن خلدون على علم الهندسة فيقول “واعلم أن الهندسة تفيد صاحبها إضاءة في عقله، واستقامة في فكره؛ لأن براهينها كلها بَيِّنَة الانتظام، جليّة الترتيب، لا يكاد الغلط يدخل أقيستها؛ لترتيبها وانتظامها؛ فيبعد الفكر بممارستها على الخطأ، وينشأ لصاحبها عقل على ذلك المهْيَع” (أي: الطريق أو النهج).

ويذكر ابن خلدون – أنه كان مكتوبًا على باب أفلاطون: “من لم يكن مهندسًا فلا يدخل منزلنا” وقال أيضًا: “وكان شيوخنا -رحمهم الله- يقولون: ممارسة علم الهندسة للفكر بمثابة الصابون للثوب الذي يغسل منه الأقذار وينفيه من الأوصار والأردان؛ وإنما ذلك لما أشرنا إليه من ترتيبه وانتظامه”.

ومن المعلوم أن علم الهندسة قد نشأ قبل التاريخ الإسلامي،  وقد ظهر ذلك عند المصريين القدماء، وعند البابليين والسامريين واليونانيين وغيرهم، وقد تمثل ذلك في عمليات البناء المختلفة وإقامة الجسور وتشييد السدود وأجهزة القياس المختلفة وبعض الحيل الميكانيكية.

وبما أن علم الهندسة من العلوم الرياضية العقلية التي يلزم معها الفكر وإعمال العقل، فكان من الطبيعي أن يهتم المسلمون والعرب بهذا العلم، ولذا استطاع المسلمون أن يبدعوا في علم الهندسة وأن تشهد الهندسة حركة تطور على أيديهم.

ومن الأمثلة على ذلك: التقدم في الهندسة الميكانيكية، وقد ظهر ذلك جليًا في آلات الرفع التي استخدمها المسلمون في رفع الأحجار ومواد البناء لإتمام الأبنية العالية من مساجد ومآذن وقناطر وسدود ونحو ذلك، فيكفيك أن ترى الارتفاعات الشاهقة لمعالم العمارة الإسلامية في عصور غابت عنها الروافع الآليَّة المعروفة في زماننا، ومن هنا تظهر براعة المهندسين المسلمين في التوصل لآلات رفع ساعدت على إنجاز تلك الأعمال الخالدة، ثم ما ابتكره المسلمون لرفع المياه، وهذا ما تُرجم في “سور مجرى العيون” في القاهرة أيام صلاح الدين الأيوبي، والذي كان ينقل الماء من فم الخليج على النيل إلى القلعة فوق جبل المقطم.

ولا شك أن تقدم المسلمين في علم الهندسة الميكانيكية، لم يكن إلا جهود عبر سنوات طويلة، عكف فيها أعلام العلماء على التفكير والابتكار، لاسيما وأن المسلمين خلال القرون الأولى عاشوا أزهى عصورهم، وكانت لهم السيادة سياسيًا واقتصاديًا وعلميًا.

ومن رواد  التقنية الإسلامية في مجالات الهندسة الميكانيكية:

  • بنو موسى بن شاكر: محمد وأحمد والحسن، أبناء موسى بن شاكر، وقد عاشوا في القرن الثالث الهجري، وبرزوا في علوم الرياضيات والفلك والعلوم التطبيقية والتقنية، واشتهروا بكتابهم القيم المعروف باسم “حيل بن موسى”، ويعلق ابن خلّكان على الكتاب فيقول: “ولهم في الحيل كتاب عجيب نادر، يشتمل على كل غريبة، ولقد وقفت عليه فوجدته من أحسن الكتب وأمتعها”.

ويحتوي هذا الكتاب على مائة تركيب ميكانيكي مع شروح تفصيلية ورسوم توضيحية لطرق التركيب والتشغيل، ومما تميز به بنو موسى؛ استخدام الصمامات المخروطية،  وأفكار التحكم الآلي، ومن إنجازاتهم عمل مصباح إذا وضع في الريح العاصف لا ينطفئ، وعمل مصباح آخر يُخرج الفتيلة لنفسه ويصب الزيت لنفسه، وكل من يراه يظن أن النار لا تأكل من الزيت ولا من الفتيلة شيئًا، واستحدثوا كذلك آلات لخدمة الزراعة والفلاحة والري.

  • ثابت بن قُرّة: وهو من علماء القرن الثالث أيضًا، ولد في حَرَّان جنوب شرق تركيا، وقد ذاع صيته في أوروبا، وهو الذي مهد لإيجاد علم التكامل والتفاضل، كما استطاع أن يحل المعادلات الجبرية بالطرق الهندسية، وتمكن من تطوير وتجديد نظرية فيثاغورث، وكانت له بحوث عظيمة وابتكارات رائدة في مجال الهندسة التحليلية؛ فقد ألف كتابا في الجبر، شرح فيه العلاقة بين الجبر والهندسة، وكيفية التوفيق بينهما، واستطاع أن يعطي حلولًا هندسية لبعض المعادلات التكعيبية، وهو ما أفاد علماء الغرب فيما بعد في تطبيقاتهم وأبحاثهم الرياضية، وله العديد من المؤلفات في هذا الشأن.
  • علي بن خلف المُرادي: وهو من علماء القرن الخامس الهجري، وهو من أصل عربي أسباني، و له كتاب بعنوان” الأسرار في نتائج الأفكار” ويحتوي الكتاب على أجزاء مهمة حول الطواحين والمكابس المائية، ويشرح أكثر من ثلاثين نوعًا من الآلات الميكانيكية.

ومن التقنيات المتطورة التى صورها كتاب المرادي: “حامل المصحف” الموجود في جامع قرطبة، ويتيح تناول نسخة نادرة من القرآن الكريم، وقراءتها دون أن تمسها الأيدي، ينفتح الحامل بطريقة آلية،  وهناك تقنية أخرى متطورة في قصر جبل طارق، يتم فيها تحريك جدران مقصورة الخليفة آليا أيضًا.

  • أبو العز بن إسماعيل الجزري: الذي عاش في القرنين السادس والسابع الهجريين، ولقد ولد الجزري في جزيرة ببلاد الشام، وهو صاحب كتاب “الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل”،  وقد تُرجم الكتاب الذي أبهر الغرب إلى لغات عدة، وهو يُعرض في متاحف عديدة حول العالم مثل تركيا وفرنسا وبريطانيا، ويُعد الجزري من عمالقة الهندسة في التاريخ، إذ ساهمت اختراعاته في فتح الباب لظهور كثير من الآلات التي لعبت دورًا محوريًا في الثورة الصناعية في أوروبا، وقد تحدث أبو العز في هذا الكتاب عن كيفية تصنيع الساعات المائية، وآلات رفع الماء، ويُعد الجزرى أول من اخترع الإنسان الآلي المتحرك، فقد طلب منه الخليفة أن يصنع له آلة تغنيه عن الخدم كلما رغب في الوضوء للصلاة، فصنع له الجزري آلة على هيئة غلام منتصب القامة، وفي يده إبريق ماء، وفي اليد الأخرى منشفة، وعلى عمامته يقف طائر، فإذا حان وقت الصلاة يصفر الطائر، ثم يتقدم الخادم نحو سيده ويصب الماء من الإبريق بمقدار معين، فإذا انتهى من وضوئه يقدم له المنشفة تم يعود إلى مكانه والعصفور ما زال يغرد، وهو كذلك مخترع ما يعرف بعمود الكامات، وهو العمود الذي يدور بضغط مكابس المحرك فتتولد قوة دافعة للأمام كما يحدث في محرك السيارة، ومن هنا استلهم الغرب فكرة المحرك وبدأ عصر القطارات البخارية في أوروبا، وهو كذلك أول من استخدم سلسلة معدنية لتدوير عمود الكامات، وهي التقنية نفسها التي تستخدم في محركات السيارات.

وهو صاحب اختراع   الـ “stop watch” حيث صنع أدقّ ساعة شمعية في التاريخ، لقياس الزمن الذي تستغرقه عملية ما، ويقول عنها المهندس والمؤرخ البريطاني دونالد هيل؛ إنها احتوت على تقنية الحركة الذاتية، وذلك عن طريق شمعة وضعت على صحن خفيف تحته أسطوانات، وكلما احترقت الشمعة وخف وزنها دفعت الأسطوانات الصحن إلى الأعلى بشكل مستمر، وهذه التقنية لم يسبقه إليها أحد.

واختراع كذلك ساعة الفيل،  وهي من بدائع ما صنع الإنسان إلى اليوم، فهي ساعة على شكل فيل، تعمل عن طريق نظام ماء متدفق مخبأ في بطن الفيل.

  • تقي الدين الدمشقي: وهو فخر التقنية الإسلامية، وكان من علماء القرن العاشر الهجري، وهو صاحب كتاب “الطرق السنية في الآلات الروحانية”، وفيه وصف العديد من الأجهزة الميكانيكية مثل: الساعات المائية والآلية والرملية، والروافع بالبكرات والتروس، والنافورات المائية، وآلات الدوران باستعمال المراوح البخارية، وآلات جَرِّ الأثقال والمضخات، وغير ذلك.

وأخيرًا نقول: لقد استفاد الغرب من تقدم المسلمين في علم الهندسة، وقد شهد المنصفون منهم بهذه الحقيقة، ومما يُروى أن الخليفة العباسي هارون الرشيد، أهدى هدية  إلى شارلمان ملك الفرنجة، وكانت عبارة عن ساعة ضخمة بارتفاع حائط الغرفة تتحرك بواسطة قوة مائية، وعند تمام كل ساعة يسقط منها عدد معين من الكرات المعدنية، فوق قاعدة نحاسية ضخمة، فيُسمع لها رنين صوتي يُسمع دويه في أنحاء القصر،  ويكون بعدد الساعات، وفي نفس الوقت يُفتح باب من الأبواب الاثني عشر المؤدية إلى داخل الساعة ويخرج منها فارس يدور حول الساعة ثم يعود من حيث خرج، فإذا حانت الساعة الثانية عشرة يخرج من الأبواب اثنا عشر فارسًا دفعة واحدة، ويدورون دورة كاملة ثم يعودون فيدخلون من الأبواب فتغلق خلفهم.

ولقد اهتمت المراجع الأجنبية بوصف تلك الساعة، التي كانت تعد وقتئذ أعجوبة الفن والهندسة، وفي عهد الخليفة المأمون أهدى إلى ملك فرنسا ساعة أكثر تطورًا تُدار بالقوة الميكانيكية بواسطة أثقال حديدية معلقة في سلاسل وذلك بدلًا من القوة المائية.

ومن أبرز آثار المسلمين الهندسية في الحضارة الغربية ذلك القصر الشامخ الذي يطل على غرناطة في موقع متميز، و هو قصر الحمراء، الذي بناه محمد بن يوسف بن الأحمر (671هـ / 1272م)، ثم وسَّعه وزيَّنه خلفاؤه من بعده، وهذا القصر يزوره سنويًا ما بين (50 – 60) مليون نسمة، من جميع أنحاء العالم.

 وقد جاء في كتاب – شمس العرب تسطع على الغرب – لزيغريد هونكه “إن الوقت قد حان للتحدث عن شعب قد أثر بقوة في مجرى الأحداث العالمية ويدين له الغرب، كما تدين له الإنسانية كافة بالشيء الكثير”

وهكذا لعب المهندسون المسلمون دورًا عظيمًا في حركة النهضة العالمية، وما ذكرناه هو غيض من فيض، أفاض به المهندسون على البشرية، ويجب علينا أن نستكمل حركة النهضة، التي وللأسف الشديد توقفت منذ عهد بعيد….والله المستعان.


([1]) للتوسع والمراجعة انظر: القونجي: أبجد العلوم، ومقدمة ابن خلدون، وعلى عبد الله الدفاع: لمحات من تاريخ الحضارة العربية والإسلامية، وشوقي أبو خليل: علماء الأندلس إبداعاتهم المتميزة وأثرها في النهضة الأوروبية، و أحمد علي الملاّ: أثر العلماء المسلمين في الحضارة الأوروبية، وأحمد يوسف الحسن: تقي الدين والهندسة الميكانيكية، مع كتاب الطرق السنية في الآلات الروحانية من القرن السادس عشر، جامعة حلب، معهد التراث العلمي العربي 1976م، نقلاً عن: أحمد فؤاد باشا: التراث العلمي الإسلامي، وانظر كذلك مواقع:( إسلام أون لاين و إسلام ست وقصة الإسلام).

([2])  عبد الرحمن بن محمد بن محمد، ابن خلدون أبو زيد، ولي الدين الحضرمي الإشبيلي (المتوفى: 808هـ): ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر.

مقالات ذات صلة:

Scroll to Top
Send this to a friend