مقالات متنوعة

الفوائد الحسان حول إبطال التبني في القرآن

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

قال تعالى: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 82]، ومن باب التدبر نطوف سريعًا حول آيات إبطال التبني في القرآن العظيم؛ قال الله تعالى: ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا * مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا * الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا * مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 37 – 40].

قدر الله تعالى أن يكون هدمُ قاعدة التبني، وأن الأدعياء ليسوا في حكم الأبناء حقيقةً من جميع الوجوه، وأن أزواجهم لا جناح على مَن تبناهم في نكاحهم على يد رسول الله، وهو الذي يتولى بنفسه القضاء على هذا الأمر بالفعل لا بالقول فحسب، وكانت زينب بنت حجش ابنة عمة النبي صلى الله عليه وسلم تحت زيد بن حارثة، وهو الذي كان يُدعى زيد بن محمد؛ لأن رسول الله كان قد تبناه، وكان زيد حبيبًا لرسول الله، ويقال له: الحِب، وذلك لشدة محبة رسول الله له، واستمر الزواج بين زيد وزينب رضي الله عنهما نحو عام تقريبًا، لكن لم يكن بينهما توافق، وكان قد وقع في قلب رسول الله أنه لو طلَّقها زيد سيتزوَّجها هو، وقد أطلع الله تعالى نبيَّه أنه سيتزوجها، ثم جاء زيد يشتكي منها لرسول الله، ويستأذنه في فراقها، فقال له رسول الله ناصحًا: أمسِك عليك زوجك؛ أي: لا تفارقها واصبِر، واتَّق الله في أمر زوجك، وقد أخفى رسول الله ما كان علِمه، وما كان بداخله من أمر الزواج منها، وهنا عاتبه ربُّه: ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ﴾، والذي أخفاه أنه لو طلقها زيد، لتزوَّجها صلى الله عليه وسلم، قال علي بن الحسين: كان الله تعالى قد أعلَمه أنها ستكون من أزواجه، وأن زيدًا سيُطلقها، فلما جاء زيد وقال: إني أريد أن أُطلقها قال له: أمسِك عليك زوجك، فعاتبه الله؛ وقال: لم قلت: أمسك عليك زوجك، وقد أعلمتك أنها ستكون من أزواجك؟

﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ ﴾ في عدم إبداء ما في نفسك، وقد أَخَذَتْكَ خَشْيَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولُوا: تَزَوَّجَ امْرَأَةَ ابْنِهِ، ﴿ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ﴾؛ لأن خشية الله جالبة لكل خير، ولعل رسول الله كان يخشى شيئًا من هذا الزواج، لا سيما الدعاية التى ستكون من المنافقين والمشركين واليهود الذين يثيرون الوساوس والفتن في المجتمع، وكذلك أثر ذلك في نفوس ضعفاء المؤمنين، فخشِي رسول الله عليه الصلاة والسلام ضررَ الناس، ووقوعهم في الهلاك بسبب إساءة ظنهم به، وبسط ألسنتهم فيه بالسوء، وهذا ما أشار إليه ابن حزم في كتابه (الفصل في الملل والنحل): ولم يرض الله من رسوله بهذا التخوف لذا عاتبه، ثم طلقها زيد، وتزوجها رسول الله، وتم إبطال قاعدة التبني المتأصلة في المجتمع آنذاك، وكان هدمها أو تعديلها من الصعوبة البالغة، ونزل قوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 40].

وَلِهَذَا كَانَتْ زَيْنَبُ تُفَاخِرُ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَقُولُ: زَوَّجَكُنَّ آبَاؤُكُنَّ وَزَوَّجَنِي اللَّهُ تَعَالَى؛ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ.

وأريد أن ألقي الضوء على بعض الفوائد التى ذكرها أهل العلم في كتبهم، لعلها تضيء لنا طريقنا في سيرنا إلى الله تعالى:

1- صدق رسول الله فيما أخبر به عن الله، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا. قَالَتْ: لَوْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَاتِمًا شَيْئًا مِنَ الْوَحْيِ لَكَتَمَ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ ﴾ [الأحزاب: 37]، فلم يدع رسول الله شيئًا مما أوحي إليه إلا وبلغه، حتى هذا الأمر الذي فيه عتابه، وهذا يدل على أنه رسول الله لا يقول إلا ما أوحي إليه.

2- الفرق بين أثري القول والفعل في التعليم والتربية وغيرهما، وإذا نظرنا إلى حال الصحابة رضي الله عنهم وقد بايعوا رسول الله على الموت في سبيل الله تحت الشجرة يوم الحديبية، والذين كان فيهم مثل أبي بكر وعمر، لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أولئك الصحابة المتفانين في ذاته بعد عقد الصلح أن يقوموا، فينحروا هديهم، لم يقم لامتثال أمره أحد، حتى أخذه القلق والاضطراب، لكن لما أشارت عليه أم سلمة أن يقوم إلى هديه فينحر، ولا يكلم أحدًا، ففعل، تبادر الصحابة إلى اتباعه في فعله، فتسابقوا إلى نحر جزورهم، وبهذا الحادث يتضح جليًّا ما هو الفرق بين أثري القول والفعل في التعليم والتربية ونحوهما.

3- إياك وخشية الناس ما دمت تعلم أنك على الحق، فلا تخشى كلام الناس، ولا المجتمع، فأنت الجماعة ولو كنت وحدك، فلا تخف من مخالفة الناس، وخذ بالأسباب، وتوكل على الله، فهو نعم المولى ونعم النصير.

4- أن بعض القرارت تكون أحيانًا صادمة للمشاعر والعواطف، فلا بد من تنفيذها، وتَهيَّأ دائمًا لاستقبال القرارات والتوجيهات، وتأمَّل حال إبراهيم عليه السلام وهو يترك زوجه ورضيعها في واد، ليس فيه أنيس ولا ونيس، ولا طعام ولا ماء، قرار صعب بلا شك، وأمر لا يتحمله بشر يحكم عواطفه ومشاعره، ثم انظر إلى حاله أيضًا وقد كبر ولده، ويأتي أمر أشد من الأول، وهو أن يذبح ولده إسماعيل بيده، فإن الأول كان يحتمل فيه الحيا ، أما الثاني فالموت محقق، ماذا لو حكَّم إبراهيم عليه السلام مشاعر الأبوة؟ وهكذا حال أم موسى لما أوحى الله لها أن تلقيه في اليم، ماذا لو حكَّمت مشاعر الأمومة؟ فكانت حياة موسى ونجاته في تنفيذ أمرٍ من أصعب ما يكون على بشر.

5- في القصة دليل على شرف زيد رضي الله عنه، ومكانته عند خالقه، فلقد كان محورًا لبعض التشريعات الربانية التي تعود بالخير والبركة على الأمة، وهو الوحيد من الصحابة الذي ذكر الله اسمه في القرآن تصريحًا وتلميحًا معًا.

6- فضيلة زينب رضي الله عنها أم المؤمنين؛ حيث تولى الله تزويجها، من رسوله صلى الله عليه وسلم، من دون خطبة ولا شهود، ولهذا كانت تفتخر بذلك على أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقول: زوجكنَّ أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات.

7- أن المرأة إذا كانت ذات زوج، لا يجوز نكاحها، ولا السعي فيه وفي أسبابه، حتى يقضي زوجها وطره منها بتطليقها، ولا يقضي وطره حتى تنقضي عدتها؛ لأنها قبل انقضاء عدتها في عصمته.

8- ذكر الشيخ السعدي رحمه الله أنه من الفوائد أن المحبة التي في قلب العبد لغير زوجته ومملوكته ومحارمه، إذا لم يقترن بها محذور، لا يأثم عليها العبدُ، ولو اقترن بذلك أمنيته، أن لو طلقها زوجها، لتزوجها من غير أن يسعى في فرقة بينهما، أو يتسبب بأي سببٍ كان؛ لأن الله أخبَر أن الرسول صلى الله عليه وسلم، أخفى ذلك في نفسه، لكن لا بد من التخلص من خواطر النفس؛ لأنها تؤدي إلى العشق.

9- قد يتعرض المسلم في حياته اليوميةِ لكثيرٍ من الأمور الغيبيةِ النتائج، ويقدمُ على أمورٍ مجهولةِ العواقب، لا يدري خيرَها من شَرِّها ونَفْعَها من ضُرِّها، فيقع في حيرةٍ من أمره، فلا بد من مشاورة أهل الفضل؛ يقولُ بعض السلف: “ما خاب من استخار، وما ندم من استشار”، ويقول أحدهم: “من أُعطِي أربعًا لم يُمنع أربعًا: من أُعطِي الشكرَ لم يُمنع المزيد، ومن أعطي التوبةَ لم يُمنع القَبول، ومن أعطي الاستخارةَ لم يمنع الخِيرة، ومن أعطي المشورةَ لم يُمنع الصواب”، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “ما ندم من استخارَ الخالق، وشاورَ المخلوقين، وتثبَّت في أمره”؛ يقول أحد السلف: مِن حق العاقلِ أن يُضيف إلى رأيه آراءَ العلماء، ويجمعَ إلى عقله عقولَ الحكماء، فالرأيُ الفذُّ ربما زلَّ، والعقلُ الفردُ ربما ضلَّ، والأفضل أن يجمع الإنسان بين الاستخارةِ والاستشارة، فالاستخارةُ دليلٌ على تعلّق قلبِ المؤمنِ بالله في سائر أحواله، وفيها تعظيمٌ لله وثناءٌ عليه، وهي مخرجٌ من الحيرة والشك، ومدعاةٌ للطمأنينة، وراحةٌ للبال وامتثالٌ للسنة النبوية، وتطبيقٌ لها، وأخيرًا كانت هذة بعض الفوائد الذى ذكرها أهل العلم حول إبطال قضية التبني في القرآن.

والله أسأل أن يحفَظنا من الفتن ما ظهَر منها وما بطن، والله المستعان[1].


[1] انظر تفسير القرطبي، وتفسير ابن كثير، وتفسير البغوي، وتفسير السعدي، وكتاب الرحيق المختوم.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى