قضية الموالي في العصر الأموي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد اهتم المؤرخون قديمًا وحديثًا بقضية الموالي في عصر الدولة الأموية، ورغم اختلاف المؤرخين حول وضع الموالي في العصر الأموي؛ إلا أن الجميع قد اتفق على وجود الموالي كرقم له وزنه، وطبقة لها دورها البارز في المجتمع، والموالي ينقسمون إلى ثلاث طبقات، الطبقة الأولى: هم موالي للعرب، وهم الذين إما أُعتقوا أو عقدوا حلفًا مع بعض القبائل العربية ذات النفوذ السياسي، وهؤلاء كانوا رِدئًا للدولة في القيام بكثيرٍ مِن الأعمال، وكان كبار الفاتحين المسلمين منهم: كطارق بن زياد، فهو مولى من البربر، وكان عامة جيشه الذي فتح الأندلس من الموالي.

ومن الموالي الذين وصلوا للإمارة: موسى بن نصير، وكان والده من سبي عين التمر، وولى أبو المهاجر دينار إفريقية، عام 47 هـ- 667م، وهو من الموالي، وتولى يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج ولاية إفريقية أيضًا، وكان من الموالي، ثم تولى ابنه محمد بن يزيد 102 هـ – 720م، وغيرهم.

ومن هنا يتضح: أن الموالي قد لعبوا دورًا سياسيًّا كبيرًا في توجيه الأمور؛ سواء في الأعمال السياسية أو القتالية أو الإدارية، وبالتالي: فإن هؤلاء الموالي كانوا جزءًا حقيقيًّا من الطبقة الحاكمة بلا فرق بينهم وبين مواليهم، لكن هؤلاء الذين اصطفتهم الدولة من الموالي لتوسيع قاعدة النخبة الحاكمة كانوا جزءًا ضئيلًا مِن فيضان الموالي الذين دخلوا الإسلام، وبالتالي فهؤلاء الطبقة من الموالي كانوا قليلين مقارنة بالأعداد الهائلة للموالي التي دخلت الإسلام.

وهناك الطبقة الثانية من الموالي: وهم العلماء الذين انخرطوا في طلب العلم، واستطاعوا أن يحفظوا للأمة الإسلامية تراثها الفقهي والأدبي والحديثي، وكل فروع العلم.

ففي المدينة -على سبيل المثال-: كان من سادة العلماء: “سلمان بن بشار” مولى ميمونة بنت الحارث، توفي سنة 103 هـ – 721م، ونافع مولى عمر، وربيعة الرأي، وهو من شيوخ الإمام مالك.

وفي مكة: مجاهد بن جبر، مولى قيس المخزومي توفي سنة 102 هـ – 722م، وعكرمة مولى ابن عباس وعطاء بن أبي رباح.

وفي البصرة: الحسن البصري، وأبوه مولى زيد بن ثابت.

وفي الشام: مكحول توفي سنة 118 هـ- 738م.

وفي مصر: يزيد بن حبيب “بربري” وهو شيخ الليث بن سعد، وغيرهم كثير.

ثم هناك الطبقات الثالثة من الموالي، وهؤلاء هم عامة الموالي، وهؤلاء تحولوا إلى الإسلام بدون أن يعقدوا مع إحدى القبائل العربية عقد موالاة، فبقي ولاؤهم للأمة كلها، أي: ينتسبون للأمة دون أن يكون هناك مؤسسة اجتماعية يمكن أن تحميهم أو تهيئ لهم الارتقاء في المؤسسات السياسية، كما قد يكون هؤلاء موالي لبعض القوى الاجتماعية التي تتحيز الدولة ضدها، كأن يكونوا موالي القيسية، بينما قاعدة الدولة العصبوية تعتمد على اليمانية، وهنا فإن الموالي يعَامَلون كما تعاملهم قبائلهم.

وقد ذهب بعض المؤرخين إلى: أن هذه الطبقة الأخيرة قد تعرَّضت للمعاملة التمييزية التي تصل إلى حدِّ الامتهان، وقد أدَّت العصبية العربية ضد الموالي إلى وقوع البغضاء والكره لبني أمية، وقد اتبع الموالي في خراسان الدعوة العباسية للتخلص من التمييز الاجتماعي والسياسي الذي مارسته ضدهم الدولة الأموية، وهذا المحور من قضية الموالي يحتاج إلى شيء من التفصيل والإيضاح، ففي الحقيقة لم تكن هناك سياسات عامة للدولة الأموية لاضطهاد الموالي أو التعصب ضدهم، ولم يُحرم الموالي من بعض الوظائف أو الامتيازات التي يتمتع بها العرب، فقد رأينا الأمراء وقادة الجيوش والعلماء من الموالي.

والحق أن هذه النظرة المتعالية نحو الموالي، لم تكن نظرة كل العرب، بل كانت نظرة بعض البدو الذين لم يفهموا الإسلام فهمًا حقيقيًّا، وربما كانت نظرة بعض الولاة، الذين كان يستفزهم عداء الموالي للدولة الأموية، فصدر منهم ظلم وجور للموالي، وللعرب من أعداء الدولة، ومن الظلم أن يحمل ذلك على أنه السياسة العامة للدولة الأموية، فقد كان كثير من العرب ممَّن فهم الإسلام فهمًا شموليًّا جيدًا، يُسوي بين جميع المسلمين، فالحسن البصري وهو مولى كانت له منزلة كبيرة عند العرب، وكلمة مسموعة حتى عند الدولة، بل كان ينتقد علانية خلفاء بني أمية وولاتهم (العالم الإسلامي في العصر الأموي لمحمد عبد اللطيف).

ويوم مات تبع الناس كلهم جنازته، حتى لم يبقَ في المسجد مَن يصلي العصر (سير أعلام النبلاء للذهبي)، وقد استنكر الناس جميعًا ما فعله الحجاج مع سعيد بن جبير وقتله له، وهو مولى، وذلك لمكانة سعيد عند الناس، مع أنه خرج ثائرًا على الدولة مع ابن الأشعث.

ومما سبق يتضح: أن الفكرة الشائعة عن بني أمية، والتي أذاعها فون كريمر، وفان فلوتن، وبراون، ورددها كما هي جرجي زيدان، وفيليب مانسيل، ونقلها بعض المؤرخين المحدثين، مثل: حسن إبراهيم حسن، وعلي حسين الخربوطلي، وغيرهما، وهي: أن بني أمية كانوا متعصبين ضد الموالي، وأنهم استغلوهم واضطهدوهم واحتقروهم، وأنه كان مِن نتائج ذلك: سخط الموالي الذي تولَّد عنه سقوط الدولة الأموية، فقد تبيَّن أن هذا ليس على إطلاقه، فهناك مجموعات من الموالي كانت مع الأمويين، وإنما كانت أعداد كبيرة من الموالي مثلهم مثل بقية العرب المعارضين للحكم الأموي.

ولقد استطاعت الدعوة العباسية أن توظِّف هذه الشريحة من المجتمع الإسلامي، وتقنعها بمبادئها وأهدافها، فانضوت تحت لواء الدعوة العباسية، وساهمت في القضاء على الدولة الأموية؛ فقد استغلت الدعوة العباسية كلَّ الظروف، واستفادت من جميع العناصر الناقمة على الدولة الأموية.

مقالات ذات صلة:

Scroll to Top
Send this to a friend