مقالات متنوعة

مقاصد المكلفين (7)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فما زلنا نطوف حول أمر النية وأهميتها للعبد، وقد ذكرنا في المقال السابق أن العمل بلا نية لا فائدة منه، فالعبادات التي تخلو من النية لا قيمة لها أبدًا؛ لأن الأصل مفقود “وهو النية”.

ونسلِّط الضوء في هذا المقال على مسألة الحساب يوم القيامة، فإن الحساب يوم القيامة يكون على نية العبد، فهي المقياس الذي يحاسب العباد على أساسه، ففي الحديث عن أم المؤمنين أم عبد الله عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: (يَغْزُو جَيْشٌ الكَعْبَةَ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرْضِ، يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ) قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ، وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: (يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ) (متفق عليه).

فهذا الجيش الذي سيتحرك نحو الكعبة لغزوها وهدمها، إذا كان بأرض واسعة متسعة خسف الله بأولهم وآخرهم، فلما قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- ذلك؛ ورد على خاطر عائشة -رضي الله عنها- سؤال، فقالت: ” كَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ، وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ؟”. أَسْوَاقُهُمْ: أي الذين جاءوا للبيع والشراء؛ ليس لهم قصد سيئ في غزو الكعبة، وفيهم أناس ليسوا منهم، تبعوهم من غير أن يعلموا بخطتهم، فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ).

ومعنى ذلك: أنهم يبعثون على أحوال شتى، لا يبعثون جميعًا على حال واحدة، مع أنهم جاءوا جميعًا مع هذا الجيش؛ سواء كانوا من التجار، أو من السوقة، أو غير ذلك، وقد جاء في رواية مسلم: (يَهْلِكُونَ مَهْلَكًا وَاحِدًا، وَيَصْدُرُونَ مَصَادِرَ شَتَّى).

وفي حديث أم سلمة -رضي الله عنها- عند مسلم: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ فَكَيْفَ بِمَنْ كَانَ كَارِهًا؟ قَالَ: (يُخْسَفُ بِهِ مَعَهُمْ، وَلَكِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى نِيَّتِهِ)، أي: يٌخسف بالجميع لشؤم الأشرار، ثم يعامَل كل واحدٍ عند الحساب بحسب قصده.

وفي رواية عند مسلم: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ الطَّرِيقَ قَدْ يَجْمَعُ النَّاسَ، قَالَ: (نَعَمْ، فِيهِمُ الْمُسْتَبْصِرُ، وَالْمَجْبُورُ وَابْنُ السَّبِيلِ، يَهْلِكُونَ مَهْلَكًا وَاحِدًا، وَيَصْدُرُونَ مَصَادِرَ شَتَّى، يَبْعَثُهُمُ اللهُ عَلَى نِيَّاتِهِمْ).

 ومما يدل على هذا المعنى أيضًا: ما جاء عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ: عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ) (رواه مسلم).

ففي هذا الحديث بيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- حال ثلاثة أصناف من الناس، عملوا أعمالًا ظاهرها الصلاح؛ لكنها فقدت شرطًا مهمًا؛ ألا وهو: “الإخلاص لله -تعالى- في أعمالهم”؛ فاستحقوا بذلك أن يكونوا أول مَن تسعر بهم النار يوم القيامة -والعياذ بالله-.

ولهذا لا بد أن ننتبه جيدًا لهذا الأمر، وأن نخلص العمل لله، وأن نحذر مِن الرياء، ومِن كل ما يخل بالعمل أو ينقص من أجره وثوابه يوم القيامة، فالحساب يكون على نيات العباد، وقدر إخلاصهم لله -تعالى-.

ونستكمل في المقال القادم -بمشيئة الله تعالى-.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى