لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد،
فلابد للعبد أن يعترف بتقصيره في حق الله تعالى، وأن يعترف بظلمه في حق الله ثم في حق نفسه، وفي حق من حوله أيضا، فهذا الاعتراف هو بداية النجاة، بل هو بداية تصحيح المسار، وهو البداية الحقيقية نحو القرب من الله تعالى، فإذا اعترف الإنسان بذنبه وخطئه وجرمه وتقصيره، فهو بذلك يكاشف نفسه، ويزيل الغشاوة التي ترمي بظلالها على قلبه، وهنا يظهر نور الإيمان ونور التوحيد المتأصل في جذور قلبه، تزول الغشاوة، وتزول الظلمة، ويزول السواد، ويظهر بياض الإيمان الناصع اللامع.

إذن فالبداية الحقيقية، هي المكاشفة والاعتراف، ثم تأتي بعد ذلك الخطوات التي تلي المكاشفة والاعتراف تباعًا نحو القرب من الله تعالى، وإذا تأملنا أحوال الأنبياء والمرسلين نرى أن الاعتراف وطلب العفو كان ملازمًا لهم دائما .
فإذا تأملنا قصة آدم وحواء، وما كان من أمرهما حول مسألة الأكل من الشجرة بعد أن نهاهما ربهما عن الأكل منها، {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}، فهذا خبرٌ من الله تعالى عن آدم وحواء فيما أجاباه به, واعترافِهما على أنفسهما بالذنب, ومسألتهما إيّاه المغفرة منه والرحمة، { قَالَا رَبّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسنَا}، أي قالا آدم وحواء لربهما: يا ربنا، ظلمنا أنفسنا بمعصيتك وخلاف أمرك، وبطاعتنا لإبليس عدوك, وما كان لنا أن نفعل ذلك، {وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا} أي: وإن لم تستر علينا ذنبنا فتغطيه علينا، وترحمنا، لنكونن من الخاسرين،أي من الهالكين.

وعن قتادة قال: “قال آدم عليه السلام: “يا رب, أرأيتَ إن تبت واستغفرتك”؟ قال: “إذًا أدخلك الجنة”، وأما إبليس فلم يسأله التوبة, وسأل النَّظِرة, فأعطى كلَّ واحد منهما ما سأل، وهكذا اعترف أدم عليه السلام وزوجه حواء بالذنب والظلم، وندما على فعلهما، وطلبا الرحمة والمغفرة من الله تعالى.

وإذا تأملنا حال موسى -عليه السلام- بعد أن قتل نفسًا خطئًا، ندم موسى على فعلته، واعترف بخطئه وطلب العفو والمغفرة من الله تعالى، فيقول تعالى مخبرًا عن ندم موسى على ما كان من قتله النفس التي قتلها، وتوبته إليه منه ومسألته غفرانه من ذلك  {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}، أي رب إني ظلمت نفسي بقتل النفس التي لم تأمرني بقتلها، فاعف عني واغفر ذنبي، واستره علي، ولا تؤاخذني به فتعاقبني عليه، فعفا الله لموسى عن ذنبه، ولم يعاقبه به، إنه هو الغفور الرحيم، المتفضل على عباده بالعفو عنهم، الرحيم للناس أن يعاقبهم على ذنوبهم بعدما تابوا منها.

وفي سورة الأنبياء يقص الله تعالى علينا قصة يونس -عليه السلام- قال تعالى: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ* فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} وقد ذكر أهل التفسير أن يونس بن متى -عليه السلام- بعثه الله إلى أهل قرية “نينوى”، وهي قرية من أرض الموصل، فدعاهم إلى الله، فأبوا عليه وتمادوا على كفرهم، فضاق صدره ولم يصبر على أذاهم، وقد كان الله أمره بملازمتهم والدعاء لهم، فخرج من بين أظهرهم وهو غضبان عليهم؛ بسبب كفرهم، ولم يؤذن له في ذلك، فكان ذنبه خروجه من بينهم من غير إذن من الله.

وذهب يونس فركب مع قوم في سفينة، وهاجت الأمواج وخافوا أن يغرقوا، فاقترعوا على رجل يلقونه من بينهم يتخففون منه، فوقعت القرعة على يونس، فأبوا أن يلقوه، ثم أعادوا القرعة فوقعت عليه أيضا، فأبوا، ثم أعادوها فوقعت عليه أيضا، فقام يونس -عليه السلام- وألقى نفسه في البحر، وقد أرسل الله -سبحانه وتعالى- من البحر حوتًا يشق البحار، حتى جاء فالتقم يونس حين ألقى نفسه من السفينة، فأوحى الله إلى ذلك الحوت ألا تأكل له لحمًا، ولا تهشم له عظمًا؛ فإن يونس ليس لك رزقًا، وإنما بطنك له يكون سجنا.

فنادى يونس في الظلمات، أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، قال ابن مسعود: “ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل”. وكذا روي عن ابن عباس.

وقال ابن مسعود وابن عباس وغيرهما: “وذلك أنه ذهب به الحوت في البحار يشقها، حتى انتهى به إلى قرار البحر، فسمع يونس تسبيح الحصى في قراره، فعند ذلك قال: {لا إِلَهَ إِلا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}”، وقال عوف: “لما صار يونس في بطن الحوت، ظن أنه قد مات، ثم حرك رجليه فلما تحركت سجد مكانه، ثم نادى: “يا رب، اتخذت لك مسجدًا في موضع ما اتخذه أحد”، وهنا استجاب الله له ونجاه من الغم، وأمر الحوت فأخرجه من بطنه، قال تعالى: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ}، وفي الحديث “دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ، إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، إِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ بِهَا”. (رواه أحمد في المسند, والحاكم في المستدرك وغيرهما, وصححه الألباني).
فأول خطوة من خطوات الفلاح والصلاح ومعالجة خلل النفس, الاعتراف بالذنب, ومن ثم الندم على الذنب، لذلك كان الندم توبة، وكلما قوي الاعتراف بالذنب كلما زالت آثار ذلك الذنب في قلب المرء.

وهذا الاعتراف قد أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي الحديث، عن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- أنه قال للنبي -صلى الله عليه وسلم- علمني دعاء أدعو به في صلاتي قال: “قل: “اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم” (رواه البخاري)

قال الكرماني: “هذا الدعاء من الجوامع؛ لأن فيه الاعتراف بغاية التقصير وطلب غاية الإنعام، فالمغفرة ستر الذنوب ومحوها، والرحمة إيصال الخيرات، ففي الأول طلب الزحزحة عن النار، وفي الثاني طلب إدخال الجنة، وهذا هو الفوز العظيم، وعن شداد بن أوس -‏‏رضي الله عنه- ‏عن النبي‏ -‏صلى الله عليه وسلم- قال: “‏‏سيد ‏‏الاستغفار أن تقول
” 
اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء لك بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت”، قال: ومن قالها من النهار موقنًا بها فمات من يومه قبل أن يمسي؛ فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة”. (رواه البخاري(
فقوله: “أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء لك بذنبي” هو اعتراف بأن الفضل والنعمة من الله تعالى وحده،وأن الإساءة من العبد.

ولذا قال بعض العارفين: “ينبغي للعبد أن تكون أنفاسه كلها نفسين: نفسًا يحمد فيه ربه، ونفسًا يستغفره من ذنبه”، ومن هذا حكاية الحسن مع الشاب الذي كان يجلس في المسجد وحده ولا يجلس إليه، فمر به يومًا فقال: “ما بالك لا تجالسنا؟” فقال: “إني أصبح بين نعمة من الله تستوجب علي حمدًا، وبين ذنب مني يستوجب استغفارًا، فأنا مشغول بحمده واستغفاره عن مجالستك”. فقال: “أنت أفقه عندي من الحسن”.

ثم يطلب العبد المغفرة والرحمة من الله تعالى “فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت”، وعلى العبد ألا يقنط ولا ييأس من رحمة الله تعالى، يقول الله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً}، وهذا عامٌّ في جميع الذنوب، من كُفْرٍ وشرك، وشكٍّ ونفاق، وقتْل وزنا، وفسق وغير ذلك، كلُّ مَن تاب تابَ اللهُ عليْه، قال ابن كثير: “هذه الآية الكريمة دعوةٌ لجميع العُصاة من الكفَرة وغيرِهم إلى التَّوبة والإنابة، وإخبارٌ بأنَّ الله يغفر الذُّنوبَ جَميعًا لِمن تاب منها ورجَع عنْها، وإن كانتْ مهما كانتْ، وإن كثرتْ وكانتْ مِثْلَ زبد البحْر، ولا يقنطنَّ عبدٌ من رحْمة الله، وإن عظُمتْ ذنوبه وكثُرتْ؛ فإنَّ باب التَّوبة والرَّحمة واسع؛ قال الله – تعالى-: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ}”.  والله المستعان …

مقالات ذات صلة:

Scroll to Top
Send this to a friend