معارك وانتصارات في رمضان

معارك وانتصارات في رمضان

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،

فإن تاريخ المسلمين حافل بالمعارك الحاسمة العظيمة، وذلك عبر القرون والأزمنة المتتالية، وقد حرص أعداء الأمة على تشويه تاريخها، ولذا وجب على أبناء الأمة أن يقوموا بدور البحث في صفحات التاريخ، لاسيما في وقتنا المعاصر، حيث يعاني كثير من المسلمين من هزيمة نفسية بسبب ما تمر به الأمة من أحداث وقلائل ومنعطفات، فإن تاريخنا الذي صنعه العظماء من أبناء أمتنا، يحمل بين طياته روح الأمل.

لقد فضل الله تعالى شهر رمضان على غيره من الشهور، فهو شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النيران، وهو شهر أنزل فيه القرآن، وفيه ليلة القدر.

وقدر الله تعالى أن تقع فيه كثير من المعارك والانتصارات، ونسلط الضوء في هذا المقال على بعض المعارك الحاسمة والانتصارات الباهرة، التي وقعت خلال شهر رمضان عبر القرون المتتالية.

غزوة بدر الكبرى: رمضان عام 2هـ

في يوم من أيام الله تعالى، وفي شهر رمضان المبارك، وقعت أول معركة فاصلة بين المسلمين والكفار، قال تعالى {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }وقال { يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ}،”؛ أي اليوم الذي فرق الله تعالى فيه بين الحقّ الذي تمثله جماعة المسلمين، وبين الكفار الذين أنكروا دعوة الإسلام وكفروا بالله ورسوله؛ حيث وقعت  تلك الغزوة بين مشركي قريش والمسلمين.

استعد رسول الله صلّى الله عليه وسلم للخروج ومعه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا  (313 -314 – 317 )، على اختلاف الروايات، وكان أغلبهم من الأنصار حيث كان عددهم ( 230 تقريبًا)

وخرج الكفار في 1000 رجل بقيادة أبي جهل، خرجوا في غطرسة وكبر، {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}.

وما أجمل ما قاله الصحابة وسطره التاريخ، حيث قال الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو المهاجري: يَا رَسُولَ اللَّهِ، امْضِ لِمَا أَرَاكَ اللَّهُ فَنَحْنُ مَعَكَ، وَاَللَّهِ لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ لِمُوسَى: اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا، إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ، وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إنَّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ، فو الّذي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوْ سِرْتَ بِنَا إلَى بِرْكِ الْغِمَادِ [مَوضِع بِنَاحِيَة الْيمن] لَجَالَدْنَا مَعَكَ مِنْ دُونِهِ، حَتَّى تَبْلُغَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرًا، وَدَعَا لَهُ بِهِ.

 وها هو سعد بن معاذ الأنصاري رضي الله عنه، وهو الذي اهتز له عرش الرحمن عند موته فرحًا بقدومه، وتبع جنازته سبعون ألف ملك، فعندما قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم: أشيروا عليَّ أيها الناس، وإنما يريد الأنصار، فَقالَ سعد: وَاَللَّهِ لَكَأَنَّكَ تُرِيدُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ أَجَلْ، قَالَ: فَقَدْ آمَنَّا بِكَ وَصَدَّقْنَاكَ، وَشَهِدْنَا أَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ هُوَ الْحَقُّ، وَأَعْطَيْنَاكَ عَلَى ذَلِكَ عُهُودَنَا وَمَوَاثِيقَنَا، عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَامْضِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَا أَرَدْتَ فَنحْن مَعَك، فو الّذي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَوْ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ فَخُضْتَهُ لَخُضْنَاهُ مَعَكَ، مَا تَخَلَّفَ مِنَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ.

 وتراءى الجمعان في صبيحة يوم الجمعة في السابع عشر من رمضان في السنة الثانية من الهجرة، ويتوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ربه بالدعاء (اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد) ويبالغ في الدعاء حتى يسقط رداؤه عن منكبيه، فرده الصديق وقال حسبك يا رسول الله، ألححت على ربك، وها هي الملائكة تتنزل ما السماء{ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ}.

ويذكر ربنا المؤمنين بنعمه عليهم يوم بدر {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}

فتح مكة: رمضان عام 8هـ

قال ابن القيم: هو الفتح الأعظم الذي أعز الله به دينه ورسوله وجنده وحزبه الأمين.
هو الفتح الذي حُطمت به الأصنام، وتم القضاء على معالم الكفر والوثنية، وتحولت مكة من معقل الكفار إلى عاصمة الإسلام والمسلمين.

ولذا يُعد فتح مكة حدثًا فاصلًا في تاريخ الإسلام، لاسيما في أرض الحجاز.

لقد غدرت قريش وعاونت بني بكر بالسلاح يوم أن أغارت بنو بكر على خزاعة، وهذا يتعارض مع اتفاق صلح الحديبية، وحاولت قريش أن تجدد الصلح مع المسلمين فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي اليوم العاشر من شهر رمضان المبارك عام 8 هـ، غادر رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة متجهاً إلى مكة، في عشرة آلاف من الصحابة رضي الله عنهم، وقد اختلف أهل السير في يوم دخوله مكة المكرمة وفتحها، وهو اليوم المعروف بيوم الفتح، ما بين ثلاث عشرة، وست عشرة، وسبع عشرة، وثماني عشرة، وقيل دخل مكة لتسع عشرة خلت من رمضان.

ولم يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة دخول الفاتحين المتغطرسين، بل دخلها خاشعًا لله متواضعًا شاكرًا لأنعمه، وكان يقرأ سورة الفتح، ودخل الكعبة وصلى بها وكبر الله تعالى في أركانها، وأمر بتحطيم الأصنام تطهير البيت الحرام، وكان يطعنها بقوسه وهو يقرأ { وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا}( الإسراء 81).

وقد أصدر رسول الله صلى الله عليه وسلم عفوًا عامًا لأهل مكة الذين تجمعوا بساحة المسجد الحرام، حيث قال لهم، ما تظنون أني فاعل بكم؟

فقالوا: خيرًا أخ كريم وابن أخ كريم، فقال { لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ }، عدا مجموعة أهدر دمها صلى الله عليه وسلم.

وهكذا فتح المسلمون مكة المكرمة في شهر رمضان المبارك، وتم تطهير البيت العتيق من مظاهر الجاهلية والوثنية.

معركة الْبُوَيْبِ: رمضان عام 13هـ        

 وتعتبر هذه المعركة من أهم المعارك التي وقعت بأرض العراق في عصر الخليِفة عمر رضي الله عنه، حيث قاد المثنى بن حارثة جيش المسلمين والتقى بالفرس بقيادة مِهْرَان بن باذان في البويب([1]وقد صَحِبَ الجيش الفارسي ثلاثة أفيال، وقد تمكن المثنى من حصر الفرس والإيقاع بهم وقتل مِهران، كما قام بتعقب الفارين، وبذلك استعاد المسلمون معنوياتهم بعد هزيمتهم في معركة الجسر، وفي هذه المعركة اشتركت بعض القبائل العربية ونصارى النمر وتغلب إلى جانب المسلمين ضد الفرس، وسمى المسلمون معركة البويب التي وقعت في شهر رمضان عام  13هـ، يوم الأعشار؛ لأنهم أحصوا مائة رجل قتل كل منهم عشرة في المعركة([2]).

فتح بلاد النوية ومعاهدة القبط: رمضان 31هـ

 أرض النوبة هي الامتداد الجنوبي الطبيعي لأرض مصر، و تمتد من جنوب مصر الي شمال السودان، وقد استعصت على المسلمين لسنوات عديدة، وذلك نظرًا لشدة بأس أهلها  ومهارتهم العالية في الرمي، وقد وقعت المحاولة الأولى لفتح بلاد النوبة عام 21هـ، حيث أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشًا بقيادة نافع بن عبد القيس الفهري، – وقيل بقيادة عقبة بن نافع الفهري- والأول أصح، ولكن الجيش رجع دون أن يحقق شيئًا، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، وقد تم التوافق على هدنة بين المسلمين والنوبيين، ثم في عصر خلافة أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه، كان عبد الله بن أبي السرح، هو الوالي على مصر، فنقض أهل النوبة الصلح، فتحرك ابن أبي السرح على رأس جيش يتكون من خمسة آلاف فارس، وقيل بل خرج في عشرين ألف مقاتل، وكان الجيش مزودًا بالمؤن والسلاح وآلات الحصار، وتوغل في أراضيهم حتى مدينة دنقلة، عاصمة بلدهم، وفرض على العاصمة الحصار،واستخدم المنجنيق في قذفها، وهنا أسرع حاكم النوبة قليدوروث إلى طلب الصلح من المسلمين، وتم الصلح بين الطرفين على مال يدفعه أهل النوبة للمسلمين، وتم عقد الصلح في رمضام عام 31هـ، وسرعان ما انتشر الإسلام بعدها بين أهل النوبة([3]).

 معركة شَذُونَة: رمضان 92هـ

وتعرف كذلك بمعركة: “وادي لكّة”، وبمعركة: “وادي بَرْبَاط “.

ذكرنا فيما سبق: أن طارق بن زياد سيطر على الجبل بعد نجاح العبور ومعه سبعة آلاف من الجنود، ثم دخل المسلمون عدة معارك مع القوط قبل معركة شذونة، والتي تُعد المعركة الفاصلة، واستطاع المسلمون أن ينتصروا في كل المعارك التي خاضوها، لاسيما بعد البشرى التي أخبرهم بها طارق.

قال ابن الأثير: “لما ركب طارق البحر غلبته عينه، فرأى النبي ومعه المهاجرون والأنصار قد تقلدوا السيوف وتنكبوا الْقِسِيَّ([4])، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا طارق تقدم لشأنك، وأمره بالرفق بالمسلمين، والوفاء بالعهد، فنظر طارق فرأى النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه قد دخلوا الأندلس أمامه، فاستيقظ من نومه مستبشرًا، وبشَّر أصحابه، وقويت نفسه، ولم يشك في الظَّفَرِ”([5]). 

وسار طارق بالجيش نحو الجزيرة الخضراء ففتحها، وكان روذريق كلما أرسل جيشًا غلبه المسلمون، وقد كان روذريق في هذا التوقيت في شمال الأندلس مشغولًا بقمع بعض الثورات الداخلية، وقد أرسل إليه نائبه (تدمير) الذي كان روذريق قد استخلفه مكانه، ووصف له الحال وما جرى من جيش المسلمين، حتى إنه قال له: إنه قد وقع بأرضنا قوم لا ندري: أمن السماء نزلوا أم من الأرض نبعوا؟!([6]).

وهنا عاد روذريق مسرعًا، وقد جمع جيشًا قوامه مائة ألف مقاتل، ولما علم بذلك طارق أرسل إلى موسى يطلب منه مددًا، فأرسل له موسى خمسة آلاف جندي، وقد كان يوليان مع المسلمين يدلهم على أسرار الطرق، ويتحسس لهم الأخبار، والتقى الجيشان: جيش التوحيد يقوده القائد طارق بن زياد، الذي يجمع بين التقوى والرحمة والقوَّة والعزَّة والتواضع، وجيش آخر يقوده كافر متسلِّط، مغرور غشوم.

وفي شهر رمضان من عام (92هـ/ 711م)، بدأت معركة وادي بَرْبَاط، أو وادي لكة، وجيش المسلمين لا يتعدَّى عددهم الاثني عشر ألفًا، وهم يُواجهون مائة ألف كاملة، واستمرت الحرب بين الجانبين ثمانية أيام، اُستشهد فيها ثلاثة آلاف من المسلمين، ولكن الهزيمة دارت على لذريق ([7]) وجيشه، فانتصر المسلمون وهُزم لذريق هزيمة منكرة، وقيل: إن لذريق غرق ومات. وقيل بل هرب وفرَّ.

لقد سطَّر المسلمون بقيادة طارق بن زياد ملحمة من ملاحم الجهاد التي لم تشهدها بلاد المغرب والأندلس من قبلُ؛ ثمانية أيام كاملة، ارتفعت فيها صيحات التكبير، وتَقاذَفَتْ وتلاطمت فيها السيوف، وتساقطت فيها أشلاء القتلى والشهداء، لقد قاتل الجيش القوطي قتالًا شديدًا يدل على شدَّة بأسه وقوته، ولكن هيهات أن تصمد تلك القوَّة أمام صلابة الإيمان وقوة العقيدة التي يتحلَّى بها الجيش المسلم واثقًا بربه، متيقِّنًا النصر.

وقد وصف ابن عذاري جيش المسلمين وهم في هذا الجوِّ المتلاطم في المعركة فقال: “فخرج إليهم طارق بجميع أصحابه رجَّالة، ليس فيهم راكب إلا القليل؛ فاقتتلوا قتالًا شديدًا حتى ظنُّوا أنه الفناء”([8]).

إن هذه المعركة حسمت الصراع بين المسلمين والنصارى في بلاد الأندلس، وقررت أن الكلمة العليا أصبحت للموحدين المسلمين؛ فهذه المعركة كمعركة اليرموك التي قررت مصير الشام، وكالقادسية التي قررت مصير العراق، وكنهاوند التي قررت مصير الإمبراطورية الفارسية، وغيرها من المعارك والملاحم الفاصلة في تاريخ المسلمين.

فتح عمورية: رمضان 223هـ

سيبقى فتح عمورية غرة في جبين الدهر،  لقد كانت العلاقة بين الدولة العباسية والدولة البيزنطية يشوبها الهدوء خلال السنوات الأولى من خلافة المعتصم، وبعد مرور أربع سنوات من خلافة المعتصم، كما يذكر ابن كثير:” قام تَوْفِيلُ بْن مِيخَائِيلَ مَلِك الرُّومِ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وخرج في أكثر من مِائَةِ أَلْفٍ، وتوغل في مدينة زِبَطْرَةَ، فَقَتَلَ مَنْ بِهَا مِنَ الرِّجَالِ، وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ وَالنِّسَاءَ، وَأَغَارَ عَلَى أَهْلِ مَلَطْيَةَ وَغَيْرِهَا مِنْ حُصُونِ الْمُسْلِمِينَ، وَسَبَى الْمُسْلِمَاتِ، وَمَثَّلَ بِمَنْ صَارَ فِي يَدِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَسَمَّلَ أَعْيُنَهُمْ، وَقَطَّعَ أُنُوفَهُمْ وَآذَانَهُمْ، بَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى الْمُعْتَصِمِ، فَلَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ اسْتَعْظَمَهُ، وَكَبُرَ لَدَيْهِ، وَبَلَغَهُ أَنَّ امْرَأَةً هَاشِمِيَّةً صَاحَتْ، وَهِيَ أَسِيرَةٌ فِي أَيْدِي الرُّومِ: وَامُعْتَصِمَاهُ! فَأَجَابَهَا وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى سَرِيرِهِ: لَبَّيْكِ لَبَّيْكِ! وَنَهَضَ مِنْ سَاعَتِهِ، وَصَاحَ فِي قَصْرِهِ: النَّفِيرَ النَّفِيرَ، وَنَهَضَ مِنْ فَوْرِهِ، فَأَمَرَ بِتَعْبِئَةِ الْجُيُوشِ، وَاسْتَدْعَى بِالْقَاضِي، وَالْعُدُولِ، فَأَشْهَدَهُمْ أَنَّ مَا يَمْلِكُهُ مِنَ الضِّيَاعِ ثُلُثُهُ صَدَقَةٌ، وَثُلُثُهُ لِوَلَدِهِ، وَثُلُثُهُ لِمَوَالِيهِ”([9]).

ولقد سأل المعتصم الأمراء:أَيُّ بِلَادِ الرُّومِ أَمْنَعُ؟ قَالُوا: عَمُّورِيَةُ؛ لَمْ يَعْرِضْ لَهَا أَحَدٌ مُنْذُ كَانَ الْإِسْلَامُ، وَهِيَ أَشْرَفُ عِنْدَهُمْ مِنَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وهنا اسْتَدْعَى الْجُيُوشِ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَتُجَهَّزَ جِهَازًا لَمْ يَتَجَهَّزْهُ أَحَدٌ كَانَ قَبْلَهُ مِنَ الْخُلَفَاءِ، وَأَخَذَ مَعَهُ مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ وَالْأَحْمَالِ وَالْجِمَالِ وَالْقِرَبِ وَالدَّوَابِّ وَالنِّفْطِ وَالْخَيْلِ وَالْبِغَالِ شَيْئًا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ، وَسَارَ إِلَيْهَا، فِي جَحَافِلَ كَالْجِبَالِ([10]).

لقد أراد المعتصم أن يشعر الروم بأن قيامتهم قد قامت بسبب ما فعلوه، واعتبر هذه الغارة على بلاد المسلمين، تحديًا للدولة العباسية، ولذا خرج هو بنفسه على رأس الجيش، واتجه صوب عمورية مسقط رأس توفيل، وهو يعزم على تدميرها.

وبالفعل غادر الخليفة المعتصم سامراء، وجعل مدينة أنقرة هي الهدف الأول للحملة، وبالفعل اجتمعت الجيوش الإسلامية في سهل أنقرة، وانتصروا على من بها من البيزنطيين، وأوقعوا بها الدمار والخراب، وكان ذلك في شهر شعبان، عام ( 223هـ/838م)، وهنا أرسل تَوْفِيلُ رسالة إلى المعتصم يطلب فيها الصلح، واعتذر عما بدر منه في مدينة زبطرة، وتعهد بإعادة بناء المدينة مرة أخرى، وإطلاق سراح جميع أسرى المسلمين، إلا أن المعتصم رفض هذا العرض واستمر في زحفه نحو عمورية([11]).

وصل المعتصم عمورية بعد تدمير أنقرة بسبعة أيام، وضرب عليها الحصار، واستعمل المسلمون المنجنيق لضرب المدينة، وبالفعل تحطمت أسوارها، واستمر الحصار لمدة أسبوعين، ثم انتصر المسلمون ودخلوا المدينة واستسلم أهلها، وكان ذلك في شهر رمضان من نفس العام، وأسر المسلمون كثيرًا من أهلها، وغنموا مغانم كثيرة، وقد قام المعتصم بهدم أسوار المدينة، وأمر بعمورية فهدمت وأحرقت.

ويروى أن المعتصم لما أتى عمورية وَفتحهَا، خلص المرأة الهاشمية الشَّرِيفَة، وَقَالَ اشهدي لي عِنْد جدك رسول الله أَنِّي أتيت لخلاصك([12]).                                                  

معركة إفراغة: رمضان 528هـ.

إفراغة هي إحدى مدن الأندلس، وهي تقع على الضفة اليمنى لنهر سنكا، وتعد معركة إفراغة من أعظم المعارك التي وقعت على أرض الأندلس.

فبعد وفاة الفونسو السادس ملك قشتالة الإسبانية، وهو الذي قاد معارك كثيرة ضد المسلمين، من أجل استرداد بلاد الأندلس، تولى بعده ألفونسو المحارب، ملك أرغون الإسبانيَّة – إحدى الممالك النصرانية- ، وهو الذي قام باستكمال حروب الاسترداد المقدَّسة، التي تهدف إلى إعادة حكم الإسبان على شبه الجزيرة الإيبرية، وكان أهم ما يشغله هو الاستيلاء على ما بقي من قواعد الثغر الأعلى، وإجلاء المسلمين عنها.

لقد سقطت مدينة سَرَقُسْطَة في شهر صفر عام (512 هـ / 1118م)، وطوقتها قوات كثيفة من الفرنج والأرجونيين، والبشكنس والقطلان وغيرهم، واستمر حصار سرقسطة سبعة أشهر، وقد عانى أهل سرقسطة من ويلات الحصار داخل الأسوار، وعجز المرابطون عن الدفاع عن المدينة حتى سقطت في النهاية.

ثم حدد ألفونسو المحارب هدفًا جديدًا، وهو الاستيلاء على مدينة طرطوشة، على الساحل الشرقي للأندلس، واشترك في هذه الحملة كثير من الأشراف والفرسان الفرنسيين.

وبدأ ألفونسو بالزحف على مدينة مكناسة، الواقعة عند ملتقى نهري سجرى وإبرة، وهي قاعدة حصينة، ولكن الدفاع عنها لم يكن سهلًا، حيث إنها تقع في سهل مكشوف، وبعد عدة هجمات نصرانية، ومقاومة عنيفة من المسلمين، سقطت مدينة مكناسة، أواخر عام 527 هـ.

وبدأ الزحف النصراني بقيادة ألفونسو المحارب نحو إفراغة، وكانت إفراغة تتمتع بموقع حصين، تصعب مهاجمته، ويسهل الدفاع عنه، وهنا أيقن المرابطون أن المعركة الحاسمة بينهم وبين النصارى في الثغر الأعلى، أضحت على وشك الوقوع.

ولذلك عقدوا صلحًا مع أمير برشلونة رامون برنجير الثالث، خوفًا من أن يهاجمهم، على أن يدفعوا له 12 ألف دينار سنويًا.

وصل ألفونسو المحارب بقواته إلى إفراغة، وضرب حولها الحصار، واتحد قادة المرابطين، وتحركوا من كل صوب على رأس حملات عسكرية من أجل موقعة الحسم، وقام أهل إفراغة وحاميتها العسكرية بالدفاع عن المدينة، وذلك بقيادة والي المدينة سعد بن محمد بن مردنيش، ومن شدة المقاومة، اضطر ألفونسو المحارب أن يرفع الحصار غير مرة، ثم يعود إليه، وأقسم ألفونسو تحت أسوار إفراغة، على أن يفتحها أو يموت دونها، وأمر ألفونسو كذلك أن يؤتى برفات القديسين إلى المعسكر، إذكاء لحماسة الجند، وأن يتولى الأساقفة والرهبان قيادة الصفوف، فهي معركة الحسم

وصلت الجيوش المرابطية إلى إفراغة، وسرعان ما نشبت الموقعة الحاسمة بين المسلمين والنصارى، تحت أسوار إفراغة، وهي من أشد وأعنف، مما عرف في تاريخ المعارك الحاسمة في الثغر الأعلى.

وتقدر الرواية الإسلامية قوات المرابطين بنحو ثلاثة آلاف فارس، وتقدرهم الرواية النصرانية بعشرة آلاف فارس. وأما الجيش النصراني، فتقدره الرواية الإسلامية بإثنى عشر ألف فارس.  فالقوات النصرانية كانت تتفوق في الكثرة على المسلمين. ووقع بين الفريقين قتال شديد مروع، وأبدى المسلمون ضروباً رائعة من البراعة والبسالة والشجاعة والصمود، وخرج أهل إفراغة، فانقضوا على النصارى من الخلف، فاشتد الأمر على النصارى، وكثر القتل فيهم، وقتل عدد كبير من القادة والأكابر، ومزقت صفوفهم، وأصيبوا بهزيمة ساحقة، واستولى المسلمون على عتادهم وسلاحهم.

كان هذا النصر العظيم يوم 23رمضان عام 528 هـ، وقد كان لنصر المرابطن في إفراغة، صدى عميق في سائر أرجاء الأندلس، وعادت سمعة المرابطين العسكرية، إلى سابق مكانتها في شبه الجزيرة([13]).

معركة حَارِم: رمضان 559هـ

لقد قام شاور الوزير الشيعي بنقض اتفاقًا كان قد عقده مع نور الدين، فغدر وخان، بل تحالف مع الصليبيين ضد أسد الدين، واستنجد بعمورى الأول الذي كان يتأهب للزحف على مصر، وعرض عليه أموالًا ضخمة مقابل مساعدته لإخراج أسد الدين شيركوه من مصر، وبالفعل أسرع ملك بيت المقدس بالزحف إلى مصر واتصل فور وصوله إلى مدينة فاقوس بشاور، واتفقا على حصار أسد الدين في بلبيس، وعندما بلغ ذلك الخبر إلى نور الدين محمود، لجأ إلى تشديد هجماته على أملاك الصليبيين في بلاد الشام، فقام في رمضان (559هـ) بمهاجمة قلعة حَارِم([14]) ، وتمكن من استردادها من الصليبيين بعد مقتل أكثر من عشرة آلاف منهم، وأسر عدد آخر من بينهم عدد من قادتهم، وفي النهاية اتفق الطرفان على الصلح على أن يغادر الطرفان مصر.

وذكر المؤرخون أنه قبيل المعركة انفرد نور الدين بنفسه تحت تلٍّ من التلال، وحينما التقى الجيشان سجد لربه، ومرَّغ وجهه في التراب وتضرع، وقال: “هؤلاء يا رب عبيدك وهم أولياؤك، وهؤلاء عبيدك وهم أعداؤك، فانصر أولياءك على أعدائك، يا رب إن نصرت المسلمين فدينك نصرت، فلا تمنعهم النصر بسبب نور الدين وذنوبه“([15]).

معركة عين جالوت: رمضان 658هـ

لقد سقطت الدولة والخلافة العباسية عام 656هـ، وسيطر التتار على أرض الشام أيضًا، وبعد سقوط المدن الإسلامية الواحدة تلو الأخرى في سوريا والأردن وفلسطين وتركيا، لم يعد أمام التتار سوى مصر، فهي الهدف الاستراتيجي للمغول، وذلك نظرًا لقوتها وموقعها، فهي بوابة افريقيا.

رسالة هولاكو: أرسل هولاكو رسالة إلى قطز مليئة بالتهديد والوعيد، وهنا جمع قطز مستشاريه وعرض عليهم الأمر فمنهم من اقترح أن نستسلم فهو يملك من الصين إلى حدود مصر، وليس لنا طاقة بهؤلاء فلم يثبت أمامهم جيش، ومنهم من طالب بالجهاد ومنهم من اقترح قتل الرسل كاظاهر بيبرس، فقرر بعد أن استشار مجلسه العسكري أن يقتل رسل هولاكو الأربعة الذين جاءوا بالرسالة التهديدية، وأن يعلق رءوسهم على باب زويلة في القاهرة؛ حتى يراها أكبر عدد من المسلمين في مصر، وكان يرمي بذلك إلى طمأنة الشعب بأن قائدهم لا يخشى التتار، ويرفع من معنويات الشعب بذلك، والإعلان للتتار أنهم قادمون على قوم يختلفون كثيراً عن الأقوام الذين قابلوهم من قبل( مع أن الرسل لا تقتل في الإسلام) ولعله اعتبرهم محاربين.

النفير العام: أعلن قطز النفير العام ، وهنا وضع قطز خطة تختلف عن كل من سبقه من أمراء وحكام، كل المدن والدول التي سقطت أمام المغول كانوا ينتظرون قدوم المغول ويتحصنون في بلادهم، ثم يقومون بواجب الدفاع، أما قطز فرأى أن مبدأ التحصن ليس في محله ولابد من مواجهتهم قبل وصولهم إلى الأراضي المصرية، ولذا اختار أن تكون المواجهة على أرض فلسطين، بمنطقة عين جالوت.

بداية المواجهات: أخذ قطز يحرض المسلمين على القتال وحذرهم من عاقبة الهزيمة وما جرى للأقاليم من الدمار والقتل والسبي، وأخذ العلماء يحثون الناس على الجهاد، ويبدأ بيبرس ويتحرك على رأس جيش إلى مدينة غزة، في شعبان عام 658ه، وانتصر على الحامية المغولية في غزة، وفر التتار من أمام المسلمين، وسيطر المسلمون على مدينة غزة، وكان لهذا النصر أثر إيجابي على المسلمين وسلبي على المغول

قطز يتحرك نحو فلسطين: تحرك قظر على رأس جيشه إلى فلسطين، ولا يزال بيبرس يناوش المغول عند سهل عين جالوت، ووصل قطز إلى عين جالوت يوم  25 رمضان 658ه، ويقع سهل عين جالوت على مسافة 65 كيلومتر جنوب منطقة حطين التي دارت فيها الموقعة الخالدة حطين في سنة 583 هـ.

ووضع قظز خطة عسكرية حكيمة، لقد قام بإخفاء القوات الرئيسية بين التلال، ولم يُظهر للعدو إلا المقدمة التي يرأسها بيبرس، وهنا بلع قائد المغول كتبغا الطعم بكل سذاجة، وهجم بكل قواته على المقدمة، ظنًا منه أن هذا هو جيش المسلمين، وهنا وعلى حسب الخطة بدأ بيبرس يتقهقر ويتراجع وسط التلال، وفجأة ظهرت القوات الإسلامية وتم تطويق جيش المغول، ثم وقع القتال الشديد بين الطرفين، وفي البداية انكسرت ميسرة المسلمين، وحدث بعض الاضطراب في جيش المماليك، وهنا ألقى قطز بنفسه وسط الجيش وأخذ يصرخ بأعلى صوته واسلاماه، ويدعو اللهم انصر عبدك قطز على التتار، وأخذ يحرض المسلمين على القتال، وبعد عدة ساعات تفوق المسلمون على التتار، وبدأ التتار في الهرب والفرار، وهنا نزل قطز من على فرسه ومرغ وجهه في التراب تذللا لله، وصلى ركعتين، واستمر بيبرس في مطاردة فلول التتار واستطاع اللحاق بكثير منهم، وهزمهم هزيمة منكرة.

ثم قرر قطز أن تكون محطة التحرير الأولى هي دمشق، وقبل أن يتحرك أرسل إلى أهل الشام رسالة يبشرهم فيها بالفتح العظيم في عين جالوت، وما إن وصلت الرسالة حتى قام جنود التتار بالهروب قبل قدوم قطز، وتحول جنود التتار إلى أقزام، 

ثم وصل قطز يوم الثلاثين من رمضان إلى دمشق، وهنا خرج الناس إلى استقباله، وبدأت رحلة التحرير،ثم أعلن توحيد مصر والشام تحت راية واحدة.

هذا وقد لعب سلطان العلماء العز بن عبد السلام دورًا عظيمًا في تلك الأحداث، حيث قام بتحريض المسلمين وحثهم على الجهاد في سبيل الله تعالى.

فتح أنطاكية: رمضان 666هـ

تعد مدينة أنطاكية من أهم مدن الشام، وقد فتحها المسلمون في عصر خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وظلت هذه المدينة بأيدي المسلمين إلى أن بدأت الحملات الصليبية على بلاد الشام، فكانت أنطاكية من أوائل المدن التي سقطت، وكان سقوطها عام491هـ، وظلت المدينة تحت سيطرة الصليبيين حتى تولى الملك الظاهر بيبرس سلطنة المماليك عام 658هـ، وعمل على استراداد وتحرير المدن الإسلامية من أيدي الصليبيين، فقام بطرد التتار وانتصر عليهم، ثم استطاع أن يحرر كثيرًا من المدن والحصون، مثل قيسارية وأرسوف وصفد الكرك ويافا، ثم توجه بجيوشه نحو أنطاكية وضرب عليها الحصار، يقول ابن كثير:” فخرج إليه أهلها يطلبون منه الأمان، وشرطوا شروطًا له عليهم، فأبى أن يجيبهم وردهم خائبين وصمم على حصارها، ففتحها يوم السبت رابع عشر رمضان بحول الله وقوته وتأييده ونصره، وغنم منها شيئًا كثيرًا، وأطلق للأمراء أموالًا جزيلة، ووجد من أسارى المسلمين من الحلبيين فيها خلقًا كثيرًا، كل هذا في مقدار أربعة أيام”([16]). و بعد الحرب العالمية الأولى والانتداب الفرنسي، أصبجت أنطاكية تابعة للجمهورية التركية.

معركة شَقْحَب: – مَرْج الصُّفَّر- رمضان 702هـ

لقد سطر التاريخ عبر صفحاته المشرقة انتصارًا عظيمًا في شَقْحَب([17])، فشقحب من  المعارك الفاصلة والفتوحات العظيمة في التاريخ الإسلامي، ولقد لعب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله دورًا عظيمًا خلال هذه المعركة.

وقد وقعت المعركة بين المماليك بقيادة السلطان محمد بن قلاوون، سلطان مصر والشام، وبين التتار والصليبيين، حيث تحالف التتار مع الصليبيين في هذه المعركة، مما شكل خطورة بالغة على بلاد الشام، وقد أراد التتار بهذا التحالف وهذه الحملة العسكرية أن يسيطروا على بلاد الشام، وأن يسقطوا دولة المماليك، علمًا بأن الخليفة العباسي المستكفي بالله كان مقيمًا وقتها بمدينة القاهرة، ومن المعلوم أنه بعد سقوط الدولة العباسية على يد التتار عام 656هـ، كان الخليفة العباسيى مقره دومًا بالقاهرة.

وقد ذكر ابن كثير رحمه الله تعالى تفاصيل ما جرى من أحداث ومعارك يوم شقحب، ونحن نذكر ما رواه ابن كثير باختصار وتصرف.

ففي شهر رجب عام 702هـ، قويت الأخبار بعزم التتار على دخول بلاد الشام، فانزعج الناس لذلك واشتد خوفهم جدًا، وقنت الخطيب في الصلوات، وقرئ صحيح البخاري، وفي يوم السبت عاشر شعبان ضربت البشائر بالقلعة وعلى أبواب الأمراء بخروج السلطان بالعساكر من مصر لمناجزة التتار المخذولين، وفي ثامن عشر قدمت طائفة كبيرة من جيش المصريين فيهم الأمير ركن الدين بيبرس، ثم قدمت بعضهم طائفة أخرى فيهم بدر الدين – أَمِيرُ سِلَاحٍ – ، وَأَيْبَكُ الْخَزِنْدَارُ، فقويت القلوب واطمأن كثير من الناس، وقد كان التتار قد وصلوا وعاثوا في تلك الأراضي فسادًا، وقلق الناس قلقًا عظيمًا، وخافوا خوفًا شديدًا، و في الخامس من شعبان تقهقر الجيش الحلبي والحموي إلى حمص، ثم خافوا أن يدهمهم التتر فجاؤوا فنزلوا المرج، وقال الناس لا طاقة لجيش الشام مع هؤلاء المصريين بلقاء التتار لكثرتهم، وتحدث الناس بالأراجيف، فاجتمع الأمراء بالميدان وتحالفوا على لقاء العدو، وشجعوا أنفسهم، ونودي بالبلد أن لا يرحل أحد منه، فسكن الناس وجلس القضاة بالجامع وَحَلَّفُوا جَمَاعَةً من الفقهاء والعامة على القتال، وتوجه الشيخ تقي الدين بن تيمية إلى العسكر الواصل من حماة، فاجتمع بهم وأعلمهم بما تحالف عليه الأمراء والناس من لقاء العدو، فأجابوا إلى ذلك وَحَلَفُوا معهم، وكان الشيخ تقي الدين بن تيمية يحلف للأمراء والناس إنكم في هذه الكرة منصورون، فيقول له الأمراء: قل إن شاء الله، فيقول “إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا”.

وكان يتأول في ذلك أشياء من كتاب الله منها قوله تعالى (وَمَنْ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ الله) [الحج: 6 0].

وقد تكلم الناس في كيفية قتال هؤلاء التتر، فإنهم يظهرون الإسلام، وليسوا بغاة على الإمام، فإنهم لم يكونوا في طاعته في وقت ثم خالفوه، فقال الشيخ تقي الدين: هؤلاء من جنس الخوارج الذين خرجوا على علي ومعاوية، ورأوا أنهم أحق بالأمر منهما، وهؤلاء يزعمون أنهم أحق بإقامة الحق من المسلمين، ويعيبون على المسلمين ما هم متلبسون به من المعاصي والظلم، وهم متلبسون بما هو أعظم منه بأضعاف مضاعفة، فتفطن العلماء والناس لذلك، وكان يقول للناس: إذا رأيتموني من ذلك الجانب وعلى رأسي مصحف فاقتلوني، فتشجع الناس في قتال التتار وقويت قلوبهم ونياتهم ولله الحمد.

وفي أواخر شعبان اجتمعت العساكر الشامية والمصرية، ووصل السلطان الناصر، والخليفة المستكفي بالله، وتقدم شيخ الإسلام ليشهد القتال بنفسه، وبدأ شهر رمصان واستبشر النس بقدومه، وفي يوم السبت الثاني من شهر رمضان، ألح الناس في الدعاء والابتهال وفي الصلوات وفي كل حال، وطلع النساء والصغار على الأسطحة وكشفوا رؤوسهم، وضج البلد ضجة عظيمة، ووقع في ذلك الوقت مطر عظيم غزير، ثم سكن الناس، فلما كان بعد الظهر قرئت بطاقة بالجامع تتضمن أنه في الساعة الثانية من نهار يوم السبت هذا، اجتمعت الجيوش الشامية والمصرية مع السلطان في مرج الصفر([18])، وفيها طلب الدعاء من الناس، والأمر بحفظ القلعة على الأسوار، فدعا الناس في المآذن والبلد، وانقضى النهار، وكان يومًا مزعجًا هائلًا، وفي يوم الأحد بدأ القتال واستمر إلى يوم الاثنين، وكان لشيخ الإسلام ابن تيمية دورٌ كبير في حث الناس على الجهاد، وجمع الكلمة بين الشام ومصر، وتوحيد الصف ضد العدو، وأفتى الناس بالفطر مدة قتالهم وأفطر هو أيضًا، وكان يدور على الأجناد والأمراء فيأكل من شئ معه في يده، ليعلمهم أن إفطارهم أفضل ليتقووا على القتال، فيأكل الناس، وكان يتأول في الشاميين قوله صلى الله عليه وسلم:

 ” إنكم ملاقوا العدو غدا، والفطر أقوى لكم “، فعزم عليهم في الفطر عام الفتح، ولَما اصطفت العساكر والتحَم الفريقان، ثبت السلطان محمد بن قلاوون ثباتًا عظيمًا، وأمر بجواده فقُيِّد حتى لا يهرُب، وبايع الله تعالى في ذلك الوقت، واحتدمت المعركة، وحمي الوطيس، واستحرّ القتل، وقُتل جمع من سادات الأمراء من المسلمين، ثم نزل النصر على المسلمين قريبًا من العصر يومئذ، واستظهر المسلمون عليهم، ولله الحمد والمنة، فلما جاء الليل لجأ التتر إلى اقتحام التلول والجبال والآكام، فأحاط بهم المسلمون يحرسونهم من الهرب، ويرمونهم عن قوس واحدة إلى وقت الفجر، فقتلوا منهم ما لا يعلم عدده إلا الله عز وجل، وجعلوا يجيؤون بهم في الحبال فتُضرب أعناقهم، وصدق الله إذ يقول: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [الأنفال: 17].

ثم كانوا يتساقطون في الأودية والمهالك، ثم بعد ذلك غرق منهم جماعة في الفرات بسبب الظلام، وكشف الله بذلك عن المسلمين غمة عظيمة شديدة، ولله الحمد والمنة، وبعد النصر عاد شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية إلى دمشق،  وكان ذلك في يوم الاثنين رابع الشهر، ومعه أصحابه من المجاهدين، ففرح الناس به، ودعوا له وهنَّئوه بما يسَّر الله على يديه من الخير، ودخل السلطان إلى دمشق يوم الثلاثاء خامس رمضان وبين يديه الخليفة، وزينت البلد، ثم تحول إلى القلعة وصلى بها الجمعة وخلع على نواب البلاد وأمرهم بالرجوع إلى بلادهم، واستقرت الخواطر، وذهب اليأس وطابت قلوب الناس، ثم عاد السلطان إلى الديار المصرية يوم الثلاثاء ثالث شوال بعد أن صام رمضان وَعَيَّدَ بِدِمَشْقَ، ودخل السلطان القاهرة يوم الثلاثاء ثالث عشرين شوال، وكان يومًا مشهودًا، وزينت القاهرة.

انتصار العاشر من رمضان: عام 1393هـ

وهذا هو الانتصار المعروف والمشهور بانتصار السادس من أكتوبر عام 1973م، وفي هذه المعركة انتصرت الجيوش الإسلامية والعربية على الكيان الصهيوني، وتمكنت القوات المصرية من تحطيم خطّ بارليف الحصين، وعبرت القوات المصرية قناة السويس، وحطمت أسطورة “الجيش الإسرائيلي” الذي لا يقهر.

ومن المعلوم أن القوات الصهيونية اليهودية قد حققت انتصارًا عام 1967م، حيث هاجمت إسرائيل القوات المصرية في سيناء، وهاجمت القوات الأردنية للاستيلاء على الضفة الغربية، وهاجمت القوات السورية للاستيلاء على هضبة الجولان، ثم قامت بقصف المطارات المصرية، وقامت إسرائيل باحتلال بعض المناطق العربية.

 ويأتي يوم العاشر من رمضان عام 1393هـ، ويتم التنسيق بين مصر وسوريا، ويتم الهجوم المفاجىء على القوات الإسرائيلية؛ وقد أسهمت في الحرب بعض الدول العربية سواء بالدعم العسكري أو الاقتصادي، وتعالت صيحات التكبير وسط قوات الجيش المصري، وتم عبور القوات المصرية لقناة السويس بنجاح، وحطمت حصون خط بارليف، وتوغلت شرقاً داخل سيناء، فيما تمكنت القوات السورية من التوغل نحو عمق هضبة الجولان، وقد تمكنت القوات السورية من اختراق خط الدفاع الإسرائيلي.

إن حرب العاشر من رمضان غرة على جبين التاريخ العسكري المصري، فهي ملحمة عسكرية متكاملة، تجلت فيها شجاعة الجندي المصري، وعبقرية العسكرية المصرية.

وسيظل نصر العاشر من رمضان أنموذجًا للاستقلالية في اتخاذ القرارات، وهو انتصار للهوية المصرية الإسلامية، وسيظل علامة على وجود العداوة بيننا وبين اليهود، فهو يمثل بوصلة توجيه للأجيال. 

وأخيرً: كانت هذه بعض المعارك التي وقعت في شهر رمضان المبارك خلال الحقب التاريخية المختلفة، ولا يزال هناك معارك لم نذكرها خشية الإطالة، ولعل فيما ذكرنا كفاية.

وسيبقى شهر رمضان المبارك هو شهر الانتصارات، والمعارك الحاسمة، والملاحم الفاصلة، كما أنه هو شهر الرحمة والمغفرة.

تنويه: هناك بعض المغالطات التاريخية المنتشرة، حيث تذكر بعض المواقع بعض المعارك وتنسبها إلى الانتصارات الرمضانية، وعلى سبيل المثال: موقعة حطين، حيث وقعت حطين في شهر ربيع الآخر، وكذا معركة القادسية، حيث وقعت في المحرم وقيل في شعبان، وموقعة الزلاقة التي كانت في شهر رجب.

فلابد من التثبت من الروايات التاريخية حول تاريخ المعارك.

 

 الدعاء من أهم أسباب النصر:

قال الله تعالى {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} فنحن نأخذ بالأسباب، وأما النتيجة والتوفيق والنصر فهو بيد الله تعالى، ومن أهم الأسباب التي ينبغي أن نأخذ بها: الدعاء. وقد مر بنا دعاء النبي صلى الله عليه وسلم وابتهاله يوم بدر، وما قاله نور الدين يوم معركة حارم.

وكان أسدُ بنُ عبداللهِ القسرِي أميرُ خراسانَ يقول في قتالِهِ للفرسِ: ” إنَّه بلغنِي أنَّ العبدَ أقربُ ما يكونُ إلى اللهِ إذا وضعَ جبهتَهُ للهِ، وإنِّي نازلٌ وواضعٌ جبهتِي، فادعُوا اللهَ واسجدُوا لربِّكُم، وأخلصُوا لهُ الدعاءَ، ففعلُوا، ثمَّ رفعُوا رؤوسَهُم، وهم لا يشكُّونَ في الفتحِ”.

وهكذا كان عقبةُ بنُ نافعٍ في غزواتِهِ في فتحِ بلادِ المغربِ وغيرِهَا، فكان يتوجَّهُ إلى اللهِ بالدعاءِ عندَ الشروعِ في معاركِهِ، فيكتب الله له النصر.

وهكذا كان السلطان صلاح الدين، يقولُ القاضِي ابنُ شدَّادٍ: “وكان صلاحُ الدينِ إذا سمعَ أنَّ العدوَّ قد داهَمَ المسلمينَ خرَّ إلى الأرضِ ساجدًا للهِ، داعيًا: اللهُمَّ قد انقطع أسبابِي الأرضيةُ في نصرةِ دينِكَ، ولم يبقَ إلّا الإخلادُ إليكَ، والاعتصامُ بحبلِك، والاعتمادُ على فضلِك، أنتَ حسبِي ونعمَ الوكيل”. ويقولُ: “ورأيتُهُ ساجدًا ودموعهُ تتقاطرُ على شيبتهِ ثمَّ على سجَّادتِه، ولا أسمعُ ما يقولُ، ولم ينقضِ ذلك اليومُ إلاّ ويأتيهِ أخبارُ النصرِ على الأعداءِ، وكان أبدًا يقصدُ بوقفاتهِ الجمع، لاسيمَا أوقاتُ صلاةِ الجمعةٍ تبركًا بدعاءِ الخطباءِ على المنابرِ، فربَّمَا كانتْ أقربَ إلى الاستجابةِ”.

 وقد بوَّبَ الإمامُ الترمذيُّ في جامعهِ (بابٌ في الدعاءِ إذا غزَا) وأوردَ تحتَهُ ما رواهُ أنسُ بنُ مالكٍ ـ رضي اللهُ عنه ـ قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا غزَا قالَ:” اللَّهُمَّ أَنْتَ عَضُدِي؛ وَأَنْتَ نَصِيرِي؛ وَبِكَ أُقَاتِلُ ” . ( الترمذي).

 

([1]) وتسمى أيضًا معركة النخيلة، والبويب نهر كان بالعراق موضع الكوفة، فمه عند دار الرزق يأخذ من الفرات، الحموي: معجم البلدان،(1/512).

([2]) الطبري: تاريخ الرسل والملوك(3/461) و طقوش: تاريخ الخلفاء الراشدين الفتوحات والإنجازات السياسية  ص 189والحميدي:التاريخ الإسلامي ص320-330 .

 ([3]) راجع المقريزي: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، ابن عبد الحكم: فتوح مصر والمغرب، البَلَاذُري: فتوح البلدان، الحميري: الروض المعطار في خبر الأقطار، د. محمد عبد العال أحمد: النوبة والمحاولات لفتحها.

 ([4])جمع قَوس.

([5]) الكامل في التاريخ (4/ 562).

([6]) ابن قتيبة: الإمامة والسياسة ص 60.

([7]) تُكتب لذريق، وروذريق.

([8]) البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب (2/ 7).

 ([9]) ابن كثير: البداية والنهاية (10/311).

 ([10]) المصدر السابق(10/313).

 ([11]) المصدر نفسه (10/313).

 ([12]) القلقشندي: صبح الأعشى في صناعة الإنشاء (3/287)، ومآثر الإنافة في معالم الخلافة (2/226).

 ([13]) راجع: ابن الأثير: الكامل في التاريخ، الحِميرى: الروض المعطار، محمد عبد الله عنان: دولة الإسلام في الأندلس.

 ([14]) حارم عبارة عن حصن حصين وكورة جليلة تجاه أنطاكية، وهي الآن من أعمال حلب.

 ([15]) راجع: زين العابدين كامل: الدولة العباسية.

 ([16]) ابن كثير: البداية والنهاية، (13/232).

 ([17]) موضع قرب دمشق، وهي قرية صغيرة قبلي دمشق، تبعُد عن دمشق (37) كيلو مترًا تقريبًا.

 

 

 ([18]) موضع بين دمشق والجولان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Scroll to Top
Send this to a friend