د. زين العابدين كامل يكتب: حقيقة حريق الكعبة المشرفة أثناء حصار عبد الله بن الزبير

حقيقة حريق الكعبة المشرفة أثناء حصار عبد الله بن الزبير

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،

لا شك أن حادثة حريق الكعبة المشرفة عام 64هـ، أثناء حصار عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، من الأحداث الجسام التي وقعت أثناء الخلاف بين عبد الله بن الزبير وبني أمية، ومن المعلوم أنه لم يكن للمسجد الحرام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر الصديق رضي الله عنه، جدار يحيط به، وقد قام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بتوسعة المسجد الحرام، ثم قام أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه بتوسعة أخرى.

ولما وقع الخلاف بين عبد الله بن الزبير ويزيد بن معاوية، تم محاصرة ابن الزبير ، وقد احتمى ابن الزبير بالبيت الحرام، ولقب نفسه بالعائذ بالبيت. هذا وقد عمد ابن الزبير إلى وضع ألواحٍ خشبية حول البيت وعلى المسجد، وألقى عليها الفرش؛ حتى توفر لهم غطاءً مِن كثرة الحجارة المنهمرة عليهم مِن أعالي الجبال، وحتى يتمكنوا مِن أداء الصلاة والطواف حول الكعبة، وقد جعل ابن الزبير فسطاطًا في المسجد فيه نساء يسقين الجرحى ويطعمن الجائع([1]).

وأثناء الحصار كان الحصين بن نمير يرمي ابن الزبير وأصحابه بالحجارة والمنجنيق، وقد تسببت كثرة الخيام والفرش المبسوطة على الألواح الخشبية في احتراق الكعبة المشرفة، واشتعال النيران بها، وهناك روايات أخرى تُشير إلى أن الحريق لم يكن بسبب الحصين بن نمير وأصحابه، بل كان بسبب أحد أتباع ابن الزبير، حيث قام أحد أتباعه وهو مسلم بن أبي خليفة المذحجي، ومعه بعض أصحابه بإشعال النيران لبعض حوائجهم، فطارت شرارة في يوم ريح وتسببت في حريق الكعبة.

ولقد تعددت أقوال المؤرخين حول سبب حريق الكعبة، ولكنهم اتفقوا على وقوع الحريق.

وهنا نطرح سؤالًا مهمًا؛ هل تعمد المسلمون أن يُشعلوا النيران بالكعبة المشرفة، أو أن يقذفوها بالمنجنيق؟

والذي يتضح من خلال الروايات التاريخية؛ أن الكعبة لم تكن مقصودة في ذاتها بالإحراق، بل كان نتيجة حريق في الخيام المحيطة بها، والدليل على ذلك: ما أحدثه حريق الكعبة مِن ذهولٍ وخوفٍ مِن الله في كلا الطائفتين: جيش الحصين بن نمير، وجيش ابن الزبير؛ فقد نادى رجل مِن أهل الشام بعد أن احترقت الكعبة، وقال: “هلك الفريقان! والذي نفس محمد بيده” ([2])، وأما أصحاب ابن الزبير، فقد خرجوا كلهم في جنازة امرأة ماتت في صبيحة ليلة الحريق خوفًا مِن أن ينزل العذاب بهم، وأصبح ابن الزبير ساجدًا، ويقول: “اللهم إني لم أتعمد ما جرى؛ فلا تهلك عبادك بذنبي، وهذه ناصيتي بيْن يديك”([3]).

وفي هذا الصدد يقول ابن تيمية رحمه الله: “فَلَا رَيْبَ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ لَمْ يَقْصِدْ إِهَانَةَ الْكَعْبَةِ: لَا نَائِبُ يَزِيدَ، وَلَا نَائِبُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ، وَلَا غَيْرُهُمَا. بَلْ كُلُّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا مُعَظِّمِينَ لِلْكَعْبَةِ ، وَإِنَّمَا كَانَ مَقْصُودُهُمْ حِصَارَ ابْنِ الزُّبَيْرِ. وَالضَّرْبُ بِالْمَنْجَنِيقِ كَانَ لَهُ لَا لِلْكَعْبَةِ، وَيَزِيدُ لَمْ يَهْدِمِ الْكَعْبَةَ، وَلَمْ يَقْصِدْ إِحْرَاقَهَا: لَا هُوَ وَلَا نُوَّابُهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ”([4])

ولقد تعرضت الكعبة للرمي مرة أخرى على يد الحجاج بن يوسف الثقفي، في عصر عبد الملك بن مروان، وكان ذلك عام 73هـ، يقول ابن كثير رحمه الله ” فَلَمَّا اسْتَهَلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ اسْتَهَلَّتْ وَأَهْلُ الشَّامِ مُحَاصِرُونَ أَهْلَ مَكَّةَ، وَقَدْ نَصَبَ الْحَجَّاجُ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى مَكَّةَ لِيَحْصُرَ أَهْلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا إِلَى الْأَمَانِ وَالطَّاعَةِ لِعَبْدِ الملك وكان مع الحجاج الْحَبَشَةِ، فَجَعَلُوا يَرْمُونَ بِالْمَنْجَنِيقِ فَقَتَلُوا خَلْقًا كَثِيرًا، وَكَانَ مَعَهُ خَمْسُ مَجَانِيقَ فَأَلَحَّ عَلَيْهَا بِالرَّمْيِ من كل مكان، وحبس عنهم الميرة، والماء، فكانوا يَشْرَبُونَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، وَجَعَلَتِ الْحِجَارَةُ تَقَعُ فِي الْكَعْبَةِ.

وقد ذكر المؤرخون أن الحجاج بن يوسف الثقفي أراد أن ينهي أمر ابن الزبير فكتب إلى عبد الملك بن مروان يطلب منه الإذن بقتاله ومناجزته، فأجابه عبد الملك بقوله: افعل ما ترى، فتوجه الحجاج ابن يوسف بجميع جيشه إلى مكة ونصب المنجنيق على جبالها، وبدأ يضرب ابن الزبير داخل الحرم ضربًا متواصلاً، وتوسط بعض أعيان مكة وعلى رأسهم ابن عمر لدى الحجاج طالبين إليه أن يكف عن استعمال المنجنيق فأجابهم: والله إني لكاره لما ترون ولكن ماذا أصنع وقد لجأ هذا إلى البيت؟ وكانت وفود الحج قد جاءت إلى مكة من كافة الأقطار الإسلامية, وقد منعهم من الطواف حول البيت ما يتعرض له الطائفون من خطر المنجنيق، ولما كان في ذلك تعطيل لركن من أركان الحج فقد تدخل في الأمر ابن عمر فكتب إلى الحجاج يقول له: اتق الله فإنك في شهر حرام وبلد حرام، وقد قدمت وفود الله من أقطار الأرض ليؤدوا فريضة الله ويزدادوا خيرًا، فأرسل الحجاج إلى طارق بن عمرو بأن يكف عن استعماله حتى ينتهي الناس من الحج، وبعدما انتهى موسم الحج نادى الحجاج في الناس بالانصراف إلى البلاد وأن القتال سيستأنف ضد ابن الزبير .

هذا وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، في حياته، بما سيحدث للكعبة، حيث قال في الحديث ” كيف أنتم إذا مَرِجَ الدِّينُ ، و سُفِكَ الدمُ ، و ظهرتِ الزينةُ ، و شُرِّفَ البنيانُ ، و ظهرتِ الرغبةُ ، و اختلفتِ الإخوانُ ، و حُرِقَ البيتُ العتيقُ” ؟ !([5])

 

  1. () تاريخ دمشق لابن عساكر.
  2. () تاريخ خليفة لابن خياط.
  3. () مواقف المعارضة للشيباني.
  4. () منهادج السنة.
  5. () أخرجه ابن أبي شيبة في ” المصنف ” وأحمد في ” المسند ” وغيرهما وصححه الألباني.

 

مقالات ذات صلة:

Scroll to Top
Send this to a friend