جهود المصريين في مكافحة الدولة العُبيدية (الفاطمية)

جهود المصريين في مكافحة الدولة العُبيدية (الفاطمية)([1])

من المحطات التاريخية المهمة في تاريخ مصر؛ دراسة العَلاقة بين المصريين والفاطميين الشيعة، ومدى رضا المصريين عن الأسرة الحاكمة.

وهل قام المصريون بمكافحة الدولة الشيعية؟ وما هي وسائل تلك المكافحة؟ هل هي معارضة ومكافحة فكرية؟ أم كانت مكافحة بالقوة؟

وهل كانت مقاومة ومدافعة مجتمعية أم قام بها فصيل معين؟

تنويه: عصر الدولة الفاطمية في مصر ينقسم إلى – عصر الخلفاء الأقوياء- وعصر الوزراء العظام، علمًا بأن عدد حكام الدولة العبيدية أربعة عشر، و هو نفس عدد حكام بني أمية، وقد قامت الدولة العبيدية والمعروفة كذبًا بالفاطمية، في المغرب العربي عام (298ه/ 910م) وانتقلت قيادتها إلى مصر سنة (362ه /972م)، ثم كان السقوط الرسمي والنهائي عام (567هـ/ 1171م)، وهذا يعني أن عمرها أكثر من مائتي وسبعين سنة، والدولة الأموية من عام (41هـ – 132) أي أن عمرها ثلث عمر الدولة العبيدية، ولكن شتان بين ما قدمه الأمويون لخدمة الإسلام، وبين ما أفسده العبيديون في بلاد المسلمين.

هذا وسنقتصر في بحثنا على ذكر  بعض حركات المعارضة التي وقعت في عصور خمسة من الخلفاء وهم: المعز ( 342هـ –  365هـ)؛ والعزيز ( 365هـ – 386هـ)؛ والحاكم ( 386هـ – 411هـ)؛ والظاهر ( 411هـ – 427هـ)؛ والمستنصر (427ه – 487هـ).

نُبذة عن تاريخ حركات المعارضة المصرية:

منذ الفتح الإسلامي لمصر عام 20هـ، قام المصريون بكثير من حركات المعارضة ضد بعض الولاة.

حركة معارضة عام 107هـ؛ قام بها سكان الوجه البحري ضد والي مصر الْحُرَّ بن يوسف بسبب زيادة الخراج؛( ضريبة مالية تُفرَض على رقعة الأرض بضوابط معينة).

وفي عام 121هـ؛ في خلافة هشام بن عبد الملك ثار أهل الصعيد ضد الوالي حنظلة بن صفوان بسبب زيادة الخراج أيضًا.

وفي عام 132 هـ، عام سقوط الدولة الأموية، خرج رجل من سمنود يسمى – يُحَنَّسَ – خلال ولاية عبد الملك بن مروان بن موسى بن نصير لمصر محاولًا الاستقلال بمصر ولكن عبد الملك استطاع اخماد تلك الحركة.

وفي نفس العام، ثارت مجموعات من رشيد بقيادة – مينا بن بُقَيرة – ولم يتم القضاء على تلك الحركة إلا بدخول العباسيين إلى مصر.

وفي عام 150هـ، أثناء ولاية يزيد بن حاتم خرجت مجموعات معارضة من مدينة – سَخا- تقع الآن ضمن حدود محافظة كفر الشيخ، وتم القضاء عليها أيضًا.

وفي عام 167هـ، خرج أهل الحوف الشرقي – الشرقية – وذلك أثناء ولاية موسى بن مصعب وتحالفت القبائل القيسية واليمنية لقتال الوالي ونجحوا في قتله.

ثم ثاروا مرة أخرى في خلافة هارون الرشيد وتم التصالح بينهم وبين هارون.

ثم ثاروا مرة أخرى في عام 186هـ، في ولاية الليث بن الفضل ثم تم القضاء على ثورتهم، وتم تولية محفوظ بن سليمان بدلًا من الليث.

وفي عام 216هـ، خرج معظم أهل مصر – وبعض المصادر تخص البشموريين بالخروج – وهم الأقباط الذين كانوا يسكنون بشمور- وهي منطقة قديمة تقع بين دمياط ورشيد- وخالفوا طاعة الخليفة المأمون حتى تحرك لهم المأمون بنفسه وقضى عليهم.

وإجمالاً كانت هناك حركات معارضة أخرى في عصر الولاة، كما في العصر الطولوني وفي غيره من العصور.

المجتمع المصري قبيل دخول الشيعة الفاطميين:

قامت الدولة الإخشيدية في مصر عام 323هـ، وتولى الإخشيديون حكم مصر ولكن تدهورت الحالة الاقتصادية في عهدهم وكثرت المجاعات واشتد الغلاء وفشا الموت بين الناس، حتى عجزوا عن تكفين ودفن موتاهم، واعتراضًا على تدهور الحالتين الاقتصادية والسياسية، قامت عدة حركات معارضة ساهمت في  سقوط الدولة الإخشيدية عام 358هـ، وساعد على سقوطها أيضًا كثرة الحروب التي خاضها الاخشيديون سواء ضد القرامطة أو الحمدانيين والنوبيين والبيزنطيين.

وكذا من العوامل والأسباب التي ساعدت على سقوط الدولة الإخشيدية؛ الأطماع الشيعية في مصر، حيث بدأت الأطماع مبكرة، وذلك منذ قيام الدولة العبيدية في المغرب عام 297هـ على يد عبيد الله المهدي، حيث قام بإرسال جيوشه عام 301هـ، أي بعد مبايعته في المغرب بأربع سنوات.

فلقد ظلت مصر حُلمًا يراود أطماع العبيديين.

قيام الدولة العبيدية في مصر:

  • ففي عام 301هـ حاول عبيد الله المهدي أن يسيطر على مصر نظرًا لثقلها السياسي والإقليمي – لاسيما وأن الشيعة لم يفلحوا في تحقيق الاستقرار في المغرب وذلك لكثرة الثورات التي خرجت ضدهم- فأرسل جيشًا بقيادة حَبَاسَةَ بن يوسف من أجل السيطرة على مصر، وهنا يذكر بعض المؤرخين كابن الأثير أن حباسة غلب على الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ ثم تحرك نحو  القاهرة أو الفُسطاط وهنا أرسل الخليفة المقتدر جيشًا بقيادة مؤنس الْخَادِمَ  أحد القادة في العصر العباسي، واستطاع أن ينتصر على حباسة فعاد حباسة بجيشه إلى برقة ثم إلى المغرب، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى الْمغَرْبِ قَتَلَ الْمَهْدِيُّ حَبَاسَةَ.
  • ثم في عام 306هـ أرسل عبيد الله المهدي حملة جديدة بقيادة ابنه أبى القاسم فاستولى على الإسكندرية، ثم سار إلى الجيزة والفيوم، وتوغل العبيديون (الفاطميون) في مدن الوجه القبلي، لكن مؤنس الخادم تحرك من مقر الخلافة العباسية، واستطاع أن يقهر هذه الحملة بعد اتحاد القوات المصرية والإخشيديين وأحرق سفن العبيديين، ولذلك انتصر عليهم للمرة الثانية، ولذا لقبه الخليفة المقتدر بالمظفر.
  • ثم في عام 321هـ كانت هناك حملة أخرى واستطاع العباسيون أن ينتصروا عليها بفضل جهود محمد الإخشيدي.
  • ثم في أواخر عام 323 هـ ، أرسل أبو القاسم الخليفة الثاني العبيدي (الفاطمي) والمعروف بالقائم بأمر الله والذي تولى بعد موت عبيد الله عام 322ه، جيوشه إلى مصر فدخلت الإسكندرية بسهولة، ثم فشلت أيضًا وهُزم الشيعة على يد الإخشيديين.
  • وفي عام 334هـ، استطاع المعز بعد أن سيطر على الأمور في المغرب، أن يفكر مرة أخرى في مصر، وساعده في تلك المرة الظروف الاقتصادية الصعبة التي كان يعاني منها المصريون في أواخر العصر الإخشيدي، فكانت هناك مجاعات وأوبئة وثورات داخلية، وفي ظل هذه الظروف استطاع المعز أن ينجح في تهيئة الأجواء داخل مصر لتقبل دخول الشيعة إليها، وأرسل رسله إلى كافور الإخشيدي يدعونه إلى الدخول في طاعة الدولة العبيدية، وهنا لاطفهم كافور ولم يعط أي رد حاسم، ولكن للأسف استطاع دعاة الفاطميين أن يأخذوا البيعة للمعز من بعض كبار رجال الدولة وبعض رؤساء الجند.
  • وتشير بعض المراجع أنه في عام 356هـ، هاجمت فرقة عسكرية استطلاعية واحة سيوة المصرية، للوقوف على حالة الطرق ومدى صلاحيتها للسير.
  • وفي عام 357هـ، مات كافور وساءت الأحوال وعجزت الحكومة عن دفع رواتب الجند وانتشر الوباء وحل القحط، وهنا قام جماعة من الأمراء بمراسلة المعز يطلبون منه القدوم إلى مصر، ووعدوه بالمساعدة والمساندة على أن يملك البلاد بغير قتال ولا يرغم أحدًا على التشيع، وفي الواقع فإن الدعاة الفاطميين كانوا قد تمكنوا من اختراق  الجبهة الداخلية في مصر، واستقطاب بعض المصريين وجذبهم  إلى الدعوة الفاطمية؛ وكان المصريون على استعداد لتقبل أي حاكم جديد يريح البلاد مما تتخبط فيه من مشاكل سياسية واقتصادية، حتى قال المعز  كما ذكر ذلك المقريزي “والله لو خرج جوهر وحده لفتح مصر”. – وهذا خلل بلا شك، فلا ينبغي للشعوب أن تغض الطرف عن مسائل العقيدة لنيل مكتسبات دنيوية.
  • وفي عام 358هـ، سار جوهر الصِقِلِّي على رأس جيش قوامه مائة ألف مقاتل، حتى أن المقريزي يشبه الحملة بجمع يوم عرفة في عرفات، وقام المعز بتمهيد الطرق المؤدية إلى مصر وحفر عليها الآبار لتوفير المياه للجنود، وأنفق على هذا الجيش ما يقرب من أربعة وعشرين مليون دينار، بخلاف ألف ناقة محملة بالذهب أيضًا لدعم الجيش.
  • تحرك الجيش البري بقيادة جوهر ووصل إلى برقة ومنها سار إلى مدينة الإسكندرية ودخلها دون مقاومة، وسانده أسطول بحري، واستغرق الجيش مدة ثلاثة أشهر حتى دخل الحدود المصرية، ثم تحرك إلى الفسطاط.
  • عقد الوزير المصري جعفر بن الفرات اجتماعًا مع كبار القوم بالفسطاط واتفقوا على التفاوض والتسليم دون قتال ولكن بشروط.
  • ثم تم عقد اجتماع بين الوفد المصري وجوهر الصقلي في شهر رجب عام 358هـ، بمنطقة تسمى تَرُوجَة بمركز أبو المطامير- محافظة البُحيرة، وجرت المباحثات بين الطرفين واتفقا على كتاب أمان كتبه جوهر وأعلنه للمصريين، أمنهم على أنفسهم وأموالهم وبلادهم، وأنه ما جاء إلا للإصلاح، وأنه سيحقق العدل وينشر السلام، وأن يظل المصريون على مذهبهم السني.

بناء مدينة القاهرة: لقد قام القائد العُبيدي الشيعي جوهر الصقلي عام 358هـ/ 968م، بإنشاء مدينة شمال الفُسطاط، وسُميت بالمدينة (المنصورية)، نسبة إلى المنصور والد المعز، وقد استغرق البناء ثلاث سنوات، ثم جاء الخليفة العبيدي الشيعي المعز لدين الله وجعلها هي العاصمة، وسمَّاها مدينة القاهرة، التي سوف تقهر الأعداء.

أسباب بناء مدينة القاهرة- لقد تعددت الأسباب التي من أجلها قام جوهر ببناء مدينة القاهرة وإقامة سور حولها، ومنها: خوف الفاطميين من هجوم القرامطة بعد أن رفض الفاطميون دفع الضريبة التي كانت تدفعها مصر لهم في عصر كافور الإخشيدي – والسبب الثاني: أن جوهرًا كان يتوقع أن العباسيين لن يسكتوا على فقدان مصر من تحت أيديهم وأنهم سيقومون بمهاجمة الفاطميين – والسبب الثالث: مخاوف جوهر من خطر الروم لاسيما بعد أن زاد نفوذهم في بلاد الشام والسبب الرابع: خوف جوهر من ثورات المصريين.

الثورات وحركات المعارضة السياسية:

المقاومة الإخشيدية: بعد الاتفاق على التسليم، ثارت طائفة عسكرية من الجيش الإخشيدي بقيادة نِحْرِير الشويزاني واعترضوا على التسليم، ورفضوا الاتفاق، وكان ذلك في شعبان عام 358هـ،  وعز عليهم أن يستولي الجيش الفاطمي على مصر بهذه السهولة، وتحركوا حتى نزلوا بجزيرة الروضة، وهي معروفة إلى يومنا هذا، وهنا حاول الوفد المصري تهدئة القوة العسكرية لكنه فشل، فتحرك جوهر في اتجاه الجيزة، ووقع القتال بين الفريقين وتمكن جوهر من هزيمة الفرقة العسكرية وتمكن من الإستيلاء على منية الصيادين، ومنية شلقان، ثم عبر النيل إلى الفسطاط وفرت القوة العسكرية إلى الحوف الشرقي – ناحية الشرقية – وقُتل بعضهم في بلبيس، وتم القبض على الباقين.

وهكذا باءت محاولة الجنود الإخشيديين والكافوريين وبجانبهم بعض المصريين بالفشل ودخل جوهر بقواته إلى الفسطاط.

ثورة تبر الإخشيدي:  وفي  نفس الشهر – شعبان من نفس العام 358هـ،  وقيل في شعبان عام 359هـ، ثار تبر الإخشيدي والي البشمور- هي إحدى القرى التابعة لمركز دكرنس في محافظة الدقهلية – ودعا للخليفة العباسي، وأعلن التمرد والثورة على جوهر الصقلي، ورفض دفع الضرائب المفروضة عليه، وقد انضم إليه خلق كثير من تلك المنطقة، وهنا أرسل إليه جوهر عقدًا للصلح بينهما، ولكن تبرًا رفض عقد الصلح، فأرسل إليه جوهر جيشًا كبيرًا،  وسار تبر بجيشه واستطاع أن يستولي على صَهْرَجْت – منطقة بجوار ميت غمر- ثم التقى الجيشان واستطاعت جيوش الفاطميين أن تنتصر على جيش تبر، وفر تبر إلى تِنِّيس ومنها إلى دمياط،  – ( تنيس جزيرة ما بين الفرما ودمياط) (والفَرَمَا مدينة على الساحل بين العريش والْفُسْطَاطَ)

ثم ركب البحر المتوسط ووصل إلى بلاد الشام، وهناك تمكن القائد جَعْفَرُ بْنُ فَلَاحٍ من القبض عليه وأعاده إلى جوهر الصقلي، ثم تم وضعه في السجن ثمانية أشهر حتى مات في السجن، عام 360هـ.

ثورة أهل تِنِّيسِ: ثار أهل تنيس عام 360هـ، ضد الفاطميين وقاموا بطرد الوالي الفاطمي، وأظهروا العصيان ومنعوا إرسال الخراج إلى العاصمة، واستطاعوا أن ينتصروا على القوات الشيعية المتواجدة بالمدينة، وهنا قام جوهر بإرسال مجموعة من الجنود استطاعوا أن يقضوا على الثورة.

وأما عن سبب تلك الثورة: فالأمر يرجع إلى سببين: أولاً أن أهل تنيس سمعوا بتقدم جيش القرامطة إلى العاصمة القاهرة لطرد الفاطميين وإعادة مصر إلى الخلافة العباسية، والسبب الثاني: أن جوهرًا قام بتغيير العملة القديمة وأمر بسك عملة جديدة تحمل اسم الخليفة المعز لدين الله، ولما كانت تنيس مدينة صناعية تجارية، فقد تأثر أهلها بالقرار وهذا ساعد على قيام الثورة، وتُشير بعض المراجع إلى أن أهل الفسطاط شاركوا في تلك الثورة، وقام مجموعة من الشباب بتوزيع منشورات تحذر المصريين من التعاون مع الفاطميين أو اعتناق المذهب الشيعي، وكانت هذه المنشورات توزع يوم الجمعة في مسجد عمرو بن العاص.

ثم جدد أهل تنيس الثورة والمعارضة مرة أخرى عام 361هـ، وذلك بعدما وردت إليهم أخبار تفيد بتقدم جيش القرامطة نحو مدينة الفرما، وبدأ يقترب من القاهرة، وساند المصريون القرامطة حتى وصل الجيش إلى عين شمس، ووصلت هذه الأخبار إلى جوهر وهنا قام باعتقال بعض المصريين وقتل منهم أربعة ثم صلبهم على باب القاهرة ليكونوا عبرة لغيرهم، وأمر كذلك باعتقال الوزير جعفر بن الفرات؛ ثم أفرج عنه بعد ذلك.

وقد استمرت ثورة أهل تنيس حتى عام 362هـ، ولما وصل القرامطة اشترك معهم المصريون من أهل تنيس ضد الفاطميين، وهذا يدل على أن قلوب المصريين كانت لا تزال معلقة بالخلافة العباسية وكارهة للفاطميين، وكانت النهاية هزيمة القرامطة وأهل تنيس وانتصار الشيعة عليهم.

علمًا بأن  القرامطة كانوا على علاقة صداقة فى بادئ الأمر مع الخلافة الفاطمية على أساس أن كليهما يدين بالمذهب الشيعى، ثم انقلبوا على الفاطميين وهاجموا أملاكهم فى الشام وفلسطين واختلفوا سياسيًا.

ثورة أهل الصعيد: ثار أهل الصعيد عام 361هـ، بقيادة عبد العزيز الكلابي، فأعلنوا حالة التمرد وقاموا بطرد الوالي الفاطمي،  ودعا عبد العزيز إلى الدخول في طاعة العباسيين، وهذا يدل على أن المصريين لم يستسلموا للغزو الشيعي لمصر، وكانت تلك الثورة هي أخطر ثورة قام بها المصريون ضد الشيعة، ويرجع ذلك إلى بأس أهل الصعيد ثم لبعد الصعيد عن القاهرة.

وكاد أن ينجح عبد العزيز ويطرد الفاطميين الشيعة من الصعيد كله، لولا أن الإمدادات الفاطمية وصلت إلى الصعيد، ونجح القائد الفاطمى «بشارة النوبي» في هزيمة أهل الصعيد و قتل قائد الثورة.

وبقضاء جوهر على تلك الثورة وقتل قائدها استطاع أن يعيد الإستقرار إلى جنوب مصر .

ومن الجدير بالذكر أن هذه الحالة الثورية لم تقتصر على بعدها السياسي ولكنها امتدت لتشمل الجانب الديني والاقتصادي والاجتماعي.

الثورات الاقتصادية في عصر المعز:

لا شك أن إصدار العملة من أهم النظم التي تدل على قوة الدولة وسيادتها، وقد ذكرنا أن الدولة الفاطمية قد استبدلت العملة الموجودة بعملة بأخرى تحمل عقيدتهم؛ عليها أسماء الخلفاء وبعض العبارات التي تحتوي على عقيدة الشيعة، وكانت أول عملة ضربها الشيعة هي الدينار المعزي، ثم رفض يعقوب بن كلس قبول الخراج من المصريين إلا بالعملة الجديدة([2]) .

ولا شك أن هذا القرار قد أثر على العملة القديمة وفقدت قيمتها، وقد أدى ذلك إلى خسارة فادحة للتجار والصيارفة الذين يعملون في مجال العملة، وهنا قام الصيارفة بثورة كبيرة واعتصموا بالطرقات وأخذوا يرددون هتافات معادية للشيعة، وقد انضم أهل الفسطاط لهذه الثورة، وتشير بعض المصادر إلى أن اليهود قد انضم بعضهم إلى الثورة أيضًا.

الثورات الدينية في عصر المعز:

لقد قام أهل السنة في مصر بعدة ثورات ضد الدولة الفاطمية، لاسيما وأن جوهرًا لم يف بوعوده التي أعلنها عند دخوله مصر، ومنها: إطلاق حرية الاعتقاد، والذي حدث أنه قام بمجموعة من الإجراءات التي  يقضي بها على مذهب السنة واستبداله بالمذهب الشيعي، لاسيما في الشعائر و التشريعات والأحكام، ومنها:

في الشعائر: إزالة السواد وهو شعار العباسيين – زيادة حي على خير العمل في المساجد الجامعة، ومنها مسجد أحمد بن طولون ومسجد عمرو بن العاص معقل أهل السنة وكذا إعلان تفضيل علي على غيره لاسيما الصديق والفاروق، ثم الجهر بالصلاة على علي وفاطمة والحسن والحسين.

وفي الأحكام: أمر بأن تأخذ البنت التركة كلها إذا انفردت بخلاف الحكم القرآني” وإن كانت واحدة فلها النصف ” و ألغى الاعتماد على الرؤية في صيام رمضان وأمر بإتمام جميع الشهور ؛ و أمر بتدريس المذهب الشيعي في الأزهر وزاد في أعياد المسلمين وأكثر من الاحتفالات ببعض المناسبات؛ مثل يوم عاشوراء فلم يكتف بصيام اليوم كما يفعل أهل السنة وإحياء قضية موسى عليه السلام، بل يقوم الشيعة ببعض الطقوس حزنًا على الحسين رضي الله عنه، وفي عام 363هـ، وفي ذكرى عاشوراء قامت مجموعات من الشيعة ومعهم فريق من الجيش المغربي يظهرون مشاعر الحزن والأسى والبكاء والعويل، ثم قاموا بالاعتداء على المصريين في الأسواق، وقاموا بكسر أواني السقائين، وهنا أغلق المصريون المحلات وتعطلت الأسواق ووقعت مصادمات بين السنة المصريين والشيعة، وقامت ثورة كبيرة ووقع القتال بين الطرفين وقُتل كثير من المصريين.

وهنا يذكر المقريزي أنه في المقابل قام أهل السنة باتخاذ يوم دخول النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الغار يوم الهجرة مناسبة دينية وبالغوا في الاحتفال بها وأظهروا الزينات في الشوارع وأشعلوا النيران كيدًا في الشيعة؛ حيث إن الشيعة يسبون أبا بكر وينكرون وجوده مع الرسول في الغار، وهكذا توترت الحالة المجتمعية في مصر.

الشيعة وأهل الذمة: من المعلوم أن العَلاقة بين المسلمين ونصارى مصر كانت تتحلى بالتفاهم والتعاون، وذلك منذ أن دخل عمرو بن العاص الحدود المصرية وتعاون معه نصارى مصر .

والقصة تبدأ منذ أن دخل الإمبراطور أغسطس الروماني الإسكندرية وسيطر عليها، وقد أحدث بعض التغيرات والتحولات في المجتمع، حيث كان أقباط مصر يدينون بالدين النصراني (المسيحي)، والرومان يدينون بنفس الدين أيضًا، لكن حدث خلاف بين الرومان الذين احتلوا مصر والإسكندرية، وبين الأقباط، وهذا الخلاف هو خلاف مذهبي عقدي حول أمور عقدية، مثل: طبيعة المسيح عليه السلام، وبعض الأمور الأخرى.

ترتَّب على ذلك الخلاف العقدي اضطهاد ديني شديد جدًّا من قِبَل الرومان تجاه أقباط مصر والإسكندرية، حتى إن القساوسة كانوا يفرون من الرومان، وقد وصل الاضطهاد إلى حدِّ التعذيب والقتل، وكان بعض القساوسة يفرون للاختباء في مدن الصعيد.

وكذلك مارس الرومان على أقباط مصر والإسكندرية أنواعًا من التضييق الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وقد فرضوا ضرائب باهظة على الأقباط.

وذكر ابن عبد الحكم في فتوح مصر: أن الأقباط قد تعاونوا مع جيش عمرو وساعدوه، وأمدوا جيشه بما احتاج إليه من الأطعمة والعلف، ومهَّدوا له الطُّرُق وأقاموا الجسور، ثم تحرَّك عمرو بجيشه نحو الإسكندرية.

وبعد سيطرة المسلمين على مصر نعم أقباط مصر بالحرية الدينية التي كانوا يفتقدونها، ولكن مع دخول الشيعة تغيرت الأحوال وتأثرت حالة الانسجام بين المسلمين وأقباط مصر بسبب بعض الإجراءات التي اتخذها الخليفة المعز لدين الله.

أهمل المعز أهل السنة واستبعدهم من تولي المناصب الإدارية والسياسية  في الدولة، واعتمد على أهل الذمة في إدارة شؤون البلادن مما خلق حالة من التذمر لدي المسلمين وإثارة مشاعرهم، ولم يراع التوازن المجتمعي في هذا الشأن، ومن ذلك أن جوهرًا الصقلي عين  أبا اليمن قزمان بن مينا ، مشرفًا على أمور مصر المالية، وبعد ذلك قام المعز عام 363هـ، بإسناد أمر الخراج والأموال والحسبة والمواريث وغيرها إلى رجل أصله يهودي وهو يعقوب بن كلس.

ثم قام المعز ببناء عدد من الكنائس وتجديد البعض الأخر وأهمل المساجد لأنه ضد انتشار المذهب السني، مما أثار حفيظة أهل السنة.

ولذا قام أهل السنة بردود أفعل مختلفة ردًا على ما ذكرناه:

ومن ذلك: ما حدث خلال شهر رمضان عام 361هـ، عندما أرد المصريون أن يعبروا عن غضبهم وعدم رضاهم عما يحدث، حيث أنهم أطلقوا امرأة عجوزًا تقوم بالإنشاد في الشوارع والطرقات وتردد بعض الأناشيد والعبارات التي تثير نفوس الشيعة مثل- معاوية خال المؤمنين وخال علي – ونحو ذلك؛ وهنا أمر جوهر بالقبض عليها وحبسها.

وهنا خرجت الجماهير الغفيرة وقاموا بترديد نفس الشعارات بأصوات مرتفعة وذلك بالقرب من محل إقامة جوهر حتى يُسمعوه الشعارات، وهنا أرسل جوهر رسائل تهديد ووعيد لمن يشارك في الثورة، وهددهم بالحبس والقتل، وتم قراءة خطاب جوهر بمسجد عمرو بن العاص.

وهنا ازدادت الجماهير غضبًا فأمر جوهر بإطلاق سراح العجوز.

الثورات الطائفية في عصر المعز :

لما دخل جوهر عام 358هـ، بجيشه كان الجيش يتألف من عدة قبائل عربية وبربرية، منها: ككتامة وزويلة والصقالبة وبعض طوائف من البربر، وكانت تلك القبائل هي هي عماد الجيش الفاطمي، وعلى أيديهم استطاع الشيعة أن يدخلوا مصر.

ولقد وقعت بعض المصادمات بين المصريين وبين الجنود المغاربة، وتكررت المصادمات عدة مرات، حيث وقعت مصادمات عام 361 و362ه، 363هـ،   وقام المغاربة بعمليات سلب ونهب ضد المصريين، وقاموا باقتحام منازل المصريين في بعض المدن كتنيس والفسطاط وغيرهما، وقد تدخل المعز لفض الصدامات وقام بتعويض المصريين عما لحقهم من خسائر.

وكانت ثورات المصريين تقوم كرد فعل على اعتداءات المغاربة.

 الثورات السياسية في عهد العزيز بالله:

تُعد الفترة التي تولى فيها العزيز بالله من عام 365 وحتى 386هـ، فترة هدوء نسبي، حيث كان عصر العزيز بالله بين عصرين – عصر المعز وعصر الحاكم بأمر الله، وكلاهما كثرت فيه الثورات.

وأما عصر العزيز فقد امتاز بالهدوء النسبي وإن لم تنته الثورات، وكان العزيز يحاول أن يتقرب للمصريين ويغدق عليهم العطايا والهدايا.

ثورة حمزة بن ثعلبة الكتامي عام 368هـ:  

لقد تعددت ثورات المصريين ضد الدولة الفاطمية في عهد العزيز لكنها ظهرت بوضوح في الصعيد، وذلك نظرًا لبعد الصعيد عن مركز الخلافة، ثم انشغال العزيز ببعض الحروب في بلاد الشام.

قامت ثورة بقيادة حمزة الكتامي، الذي كان يتولى ولاية أسوان، وأراد أن يستقل بأسوان عن الخلافة الشيعية، وهنا جهز العزيز جيشًا كبيرًا بقيادة ( جعفر بن محمد بن أبي الحسين الصقلي) وتحرك الجيش إلى أسوان واستطاع أن يقضي على ثورة حمزة الكتامي، وتم أسر حمزة ونقله  إلى القاهرة وأمر العزيز بقتل حمزة.

ثورة حمدان الأسيوطي عام 385هـ:

قامت  ثورة أخرى في صعيد مصر بقيادة حمدان مستغلًا انشغال الخلافة الفاطمية والعزيز بالله بحرب الروم، وهنا أرسل العزيز جيشًا بقيادة القائد الفاطمي ( ابن الزبير) ودارت معركة بين الطرفين وانتصر الفاطميون وتم أسر حمدان ونقله إلى القاهرة.

هذا وقد كانت هناك ثورات أخرى خارجية، قامت بأرض الحجاز وبأرض الشام وأرض العراق ضد الدولة الفاطمية.

المقاومة والمكافحة القولية:

وهناك نوع آخر من المقاومة المصرية للدولة الشيعية، تمثل في المقاومة اللسانية أو القولية.

فقد لجأ المصريون للشعر تعبيرًا عن سخطهم، وأغلب تلك الأشعار لا يزال محفوظًا في كتب التراث، وكانت الأشعار تتعرض لفكرهم ولنسبهم أيضًا.

وكذلك استخدم المصريون الكتابة والنثر لنفس الغرض.

مقاومة المصريين في عهد الحاكم بأمر الله:

  • محاولة خلع الحاكم. كانت هناك محاولة لخلع الحاكم من منصب الخلافة وذلك بسبب ظلمه، ففي عام 392ه، خرج عبد الأعلى بن الأمير هاشم بن منصور مع جماعة من الأمراء الفاطميين وعقدو اجتماعًا خارج القاهرة واتفقوا على خلع الحاكم من منصبه على أن يتولى عبد الأعلى منصب الخلافة بدلًا من الحاكم، وعلم الحاكم بتلك المؤامرة فبعث من قام بقتل عبد الأعلى وأتاه برأسه، وبعث إلى من حضر المجلس فقُتلوا وأحرقوا بالنار كما يذكر المقريزي في اتعاظ الحنفا.
  • هذا وقد شهد عصر الحاكم كثيرًا من الثورات الخارجية في مكة وبرقة وبلاد الشام.
  • فلقد قام بنو الجراح بالشام – فلسطين – بثورة استمرت منذ عام 388ه، وحتى 404ه، وقد أعلن الْمُفَرِّجُ بْنُ دَغْفَلٍ الاستقلال بمدينة الرملة في فلسطين، وقد استطاع الحاكم أن يسترد المدينة، ثم تجددت الثورة وقام حسان بن المفرج بن دغفل بالاستيلاء على جنوب الشام وتوغلوا حتى وصلوا إلى مدينة الفرما المصرية وهاجموا السواحل المصرية، وانضمت الحجاز للثورة، وقام حسان بمبايعة أبي الفتوح الحسن بن جعفر الحسني أمير مكة بالخلافة.

وبعد عدة معارك بين الطرفين انتصر الشيعة الفاطميون على الثوار، علمًا بأن هذه الثورة من أخطر الثورات التي قامت في عصر الحاكم، وقد تسببت في ضعف النفوذ الفاطمي في بلاد الشام وجرأت الروم على مهاجمة الدولة الشيعية.

  • ثورة علاَّقَة الملاَح: قامت الثورة عام 388ه، من مدينة صُور اللبنانية، وقد استعان علاقة بالدوقس أو كما تسميه بعض المصادر باسيل الثاني، الإمبراطور البيزنطي، وهنا تحرك الجيش الفاطمي من القاهرة إلى مدينة الرملة ومنها إلى صور وتقاتلت الجيوش- الروم وأتباع علاقة ضد الفاطميين- وانتصر الفاطميون وتم القبض على علاقة وترحيله إلى القاهرة ثم قُتل ومعه مجموعة من أنصاره.
  • ثورة الوليد بن هشام الأموي: ينتسب الوليد إلى بني أمية من بني مروان،وينتهي نسبه إلى عبد الملك بن مروان، ويعرف بأبي ركوة، وتعد تلك الثورة من أخطر الثورات التي هزت كيان الدولة الفاطمية.

لقد خرج الوليد من الأندلس بسبب خلافات بينه وبين المنصور بن أبي عامر ، وتوجه إلى مصر ثم مكة ثم اليمن ثم عاد إلى مصر، ثم الإسكندرية ومنها إلى القيروان ثم استقر في برقة، وقد شاهد الوليد من خلال البلاد التي رحل إليها مدى كره الناس للحاكم بسبب ظلمه، ثم أن الوليد كان يطمح أن يكون خليفة في بلاد المغرب، وذلك تقليدًا للخلافة الأموية في الأندلس والعباسية في بغداد والفاطمية في مصر، وقد ساعده في ذلك أن أهل برقة كانوا قد خلعوا الحاكم عام 394ه، فضلًا عن أنه كان محمود السيرة ويؤم الناس في الصلاة ويخطب فيهم ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ولذا لما دعا للثورة التف حوله أهل برقة، وهنا أرسل الحاكم جيشًا من المغاربة قوامه خمسة آلاف مقاتل، وتقاتل الطرفان فانتصر أهل برقة، وكان ذلك عام 395ه، ثم أرسل الحاكم جيشًا آخر فانهزم أيضًا.

وهكذا سيطر الوليد على برقة وبايعه أهلها واستولى على ما فيها من أموال وأعلن العمل بالمذهب السني وأبطل المذهب الشيعي، وتلقب بلقب أمير المؤمنين الناصر لدين الله؛ وضرب العملة باسمه، ثم جهز جيشًا عام 396ه،من أجل أن يستولي على مصر، وتحرك الجيش من برقة ووصل إلى مدينة الإسكندرية فحاصرها ثم سقطت في أيديهم، واستولى الجيش على ما في المدينة من أموال، وانضمت بعض القبائل العربية إلى الوليد واتفق معهم على أن يأخذ الوليد مصر وتأخذ القبائل العربية الشام.

والسؤال: ما هو موقف الشعب المصري من ثورة الوليد؟

اختلف المؤرخون حول هذه المسألة؛ يذكر ابن الأثير أن جند مصر وأعيانها فرحوا فرحًا شديدًا بدخول الوليد وأرسلوا إلى الوليد يستدعونه إلى أن يدخل القاهرة، بينما يذكر المقريزي أن أهل مصر لم يقفوا بجانب الوليد خاصة بعد استيلاء الثوار على الأموال بمدينتي برقة والإسكندرية والنهب الذي تم بالمدينتين.

والذي يترجح عندي هو الجمع بين القولين، فمن الممكن أن يكون هناك من رحب بدخول الوليد، وهناك من رفض دخوله من المصريين.

موقف الحاكم من ثورة الوليد وتقدمه: بعد أن استعد الوليد للزحف نحو القاهرة، استدعى الحاكم جيشًا من الشام وقسمه إلى فرقتين، الأولى تمركزت بالجيزة، والثانية تمركزت بالفيوم، وفي يوم الجمعة 18 ذي القعدة 396ه، دارت معركة كبيرة في الجيزة وانتهت بانتصار الثوار وقتل كثير من الجيش الفاطمي، ثم تحرك جيش الثوار إلى القاهرة فحاصروها وكادت المدينة أن تسقط لولا أن الحاكم أمر بغلق أبوابها وتشديد الحراسة عليها.

ثم تحرك الثوار إلى الفيوم ووقعت معركة في ذي الحجة بين الطرفين وهنا انتصر الجيش الفاطمي وعاد الوليد إلى الجيزة، فأتبعه الجيش الفاطمي ثم دارت معركة أخرى بالقرب من الأهرامات فانتصر الجيش الفاطمي للمرة الثانية وفر الوليد إلى بلاد النوبة بالصعيد وتم أسر ستة آلاف من جيشه وأخذوا إلى القاهرة وطيف بهم في الشوارع، ثم أمر الحاكم بقتلهم، ثم تم القبض على الوليد وقتله أيضًا، وقد قُتل عشرات الألاف من جيش الوليد في تلك المعارك – قيل قتل ثلاثون ألفا وقيل سبعون ألفا-.

الثورات الاقتصادية في عصر الحاكم ( المجاعات والأوبئة):

في الحقيقة شهد عصر الحاكم ( 386- 411 هـ) سلسلة من المجاعات والكوارث والأوبئة، وكان أحيانًا ينخفض منسوب النيل مما يرفع من حجم المعاناة.

وفي عام 387هـ بدأت مجاعة عظيمة بسبب انخفاض منسوب النيل، وترتب على ذلك عدم وجود قمح ثم زيادة الأسعار وانتشار السرقة ولم يستطع الحاكم أن يسد حاجات الناس، وهنا قام كثير من المصريين بالوقوف أمام قصر الحاكم يطالبونه بإيجاد حلول لسد حاجة الناس.

وفي عام 395هـ تكررت المأساة مرة أخرى ثم أخرى عام 397هـ، وارتفع سعر الخبز أضعافًا مضاعفة.

وفي كل مرة كان الشعب المصري يعلن عن عدم رضاه عن سياسة الحاكم.

الثورات الدينية في عصر الحاكم:

أصدر الحاكم في عصره عدة قرارات أظهرت تعصبه للمذهب الشيعي مثل إلغاء صلاة التراويح والضحى وأضاف إلى الأذان عبارة أن “محمدًا وعليًا خير البشر” وغير ذلك من البدع، وشدد على أهل السنة، وتم القبض على مجموعة من أهل السنة وضربهم وسجنهم لأنهم كانوا يصلون الضحى في المسجد، وتم القبض على رجل من دمشق وضرب ضربًا شديدًا، وطيف به على حمار وينادى خلفه” هذا جزاء من يحب أبا بكر وعمر”، ثم أمر بسب بعض الصحابة كأبي بكر وعمر وطلحة والزبير ومعاوية وعمرو بن العاص وأم المؤمنين عائشة، وأمر بكتابة ذلك وتعليقه على أبواب المساجد وفي الشوارع والأسواق.

ثم أمر بمنع خروج الناس بعد العشاء، وإيقاف حركة البيع والشراء، ومنع خروج النساء إلى الأسواق، ومن خرجت فجزاؤها القتل.

ثم أمر الحاكم بقتل عدد من علماء أهل السنة، وهنا قامت ثورة كبيرة ضد الحاكم في مدينة الفسطاط عام 396هـ، وخشى الحاكم من تفاقم الثورة، فأظهر ميله إلى أهل السنة وترك لهم حرية القيام بالشعائر التعبدية التي منعها.

أثر ثورة أهل الفسطاط على الحياة الدينية:{عدة قرارات}

  • أمر الحاكم عام 396هـ بعدم سب أم المؤمنين عائشة.
  • أمر بضرب عنق من يقوم بسب أم المؤمنين.
  • عام 397هـ أمر بمحو السب من على أبواب المساجد وإلزام كل صاحب دار بمحو السب المكتوب على الجدران.
  • أمر بضرب من يقوم بسب الصحابة وبالفعل هناك من ضرب وكان ينادى( هذا جزاء من سب أبا بكر وعمر).
  • في عام 403هـ كان الحاكم يتفقد بنفسه البلد وإذا رأى شيئًا مكتوبًا بسب الصحابة أنكره ووقف حتى يُمحى.
  • في عام 405هـ خفف الحاكم من الإجراءات التي اتخذها ضد أهل السنة وصام المسلمون على رؤية الهلال وتم تعين القاضي السني أحمد بن أبي العوام الحنبلي قاضيًا على مصر.

وبهذا يتضح أنه كان لثورة المصريين السنيين أثر كبير على الحياة الدينية، وأثبتت الثورة أن الشعب المصري لم يقبل هذه الدعوة الباطلة، بل قاومها بجميع الوسائل المتاحة، وقد بقي المذهب السني نظيفًا نقيًا إلى يوما هذا، وقد نظر المصريون إلى الحاكم نظرة ازدراء حتى إن بعضهم تجرأ على الحاكم وسبوه.

هذا وقد وقعت خلافات أيضًا بين الحاكم وبين أهل الذمة حيث تدخل في شعائرهم الدينية مما جعلهم أيضًا يخرجون بثورة ضد الحاكم في شوارع القاهرة.

الثورات في عصر الظاهر لإعزاز دين الله:

والظاهر هو: أبو الحسن علي بن الحاكم بن العزيز بن المعز، ولد بالقاهرة عام 395هـ/ 1004م، تولى وعمره ستة عشر عامًا، عام 411هـ، وتوفي في شوال عام 427هـ، فحكم 16 عامًا، وكالعادة قامت بعض الثورات ذات الاتجاهات المختلفة في عصره. (هناك روايات تشير إلى أن مقتل الحاكم كان عن طريق مؤامرة اشتركت فيها أخته ست الملك والله أعلم) وبعد مقتله واختفائه أعلنت ست الملك أنه سيعود بعد عدة أيام، ولما لم يعد وشاع بين الناس أنه قُتل قامت بعض المظاهرات، وحدثت فتنة بين طوائف الجيش وسرعان ما قامت ست الملك بتولية الظاهر.

معارضة عبد الرحيم بن إلياس:

كان من المعروف والمتبع  أن يعهد كل خليفة لابنه بالإمامة، إلا أن الحاكم قد خالف ذلك وأوصى بولاية العهد لابن عمه عبد الرحيم بن إلياس، عام 404هـ، وأمر الناس بالسلام عليه؛ وضرب اسمه على العملة، وكان ينيبه عنه في الصلاة والخطبة، وأخذ البيعة له من الأقاليم المختلفة، ولما وصل خبر وفاة الحاكم عام 411هـ، إلى عبد الرحيم أعلن نفسه الخليفة واتخذ من دمشق مقرًا لخلافته، ولما علمت ست الملك بذلك أرسلت إليه حتى يقدم القاهرة لمبايتعه، ولما جاء أمرت بالقبض عليه ودخل القصر وهو مكبل بالأغلال وأرغم على مبايعة الظاهر، ثم أمرت ست الملك بسجنه واستمر في السجن حتى قُتل، وقيل أن ست الملك هي من أمرت بقتله، وقيل بل قتل نفسه.

ثورة أهل الصعيد: بعد القضاء على عبد الرحيم لم يستقم الأمر ويستقر للظاهر، ففي عام 415ه، ظهر معارض من  بني الحسين، لم تذكر المصادر التاريخية الكثير عنه، لكنه ظهر في الصعيد والتف حوله كثير من الناقمين على الخلافة الفاطمية، وتحالفت معه بعض القبائل كبني هلال وبني كِلَابٍ وغيرهما، واعلنوا خلع الظاهر.

أسباب الثورة:

1- الطوح الشخصي إلى الخلافة اعتمادًا على النسب الشريف.

2- تدهور الحالة الاقتصادية وانتشار المجاعات.

3- خلو الصعيد من الجيش الفاطمي نظرًا لإرساله إلى بلاد الشام للقضاء على ثورة حسان بن الجراح.

4- بُعد الصعيد عن القاهرة ومقر الخلافة، ومن ثم صعوبة الإمدادات.

5- ضعف شخصية الوالي – حيدرة بن عقيابان – .

ولذا لم يستطع حيدرة أن يسيطر على الثورة وطلب الإمدادات من القاهرة، ولما جاءته الإمدادات والقوات خاض معركة شديدة ضد الثائرين واستطاع أن يهزمهم بل وتم القبض على ثائر بني الحسين، وقد اعترف بأنه من قام بقتل الحاكم بأمر الله، ثم أخرج سكينًا وقتل نفسه وكان يقول هكذا قتلت الحاكم، وقيل أن شرب سمًا فمات، ومما هو جدير بالذكر أن الصعيد لم يشهد ثورة أخرى خلال عصر الظاهر لإعزاز دين الله.

ومن الثورات التي قامت في عصر الظاهر: بعض الثورات الخارجية، كثورة أهل الشام بقيادة حسان بن مفرح بن الجراح، وهو الذي استطاع أن يستقل بفلسطين عام 415ه، وعجز الظاهر عن إخماد الثورة، ثم تحالف حسان مع أمراء و عرب الشام لطرد الشيعة الفاطميين من الشام، على أن يتم تقسيم الشام بينهم.

وهنا أدرك الظاهر خطورة الموقف وأرسل بعض القوات وفي النهاية نجح الثوار واستولوا على مدينة الرملة، ومع نشوة الانتصار فكر حسان أن يستولي على القاهرة ولكنه لم ينجح في ذلك.

وفي نفس التوقيت تقريبًا، ظهر ثائر جديد وهو صالح بن مرداس وسيطر على مدينة حلب، ثم سيطر سنان بن عليان على مدينة دمشق، وهكذا يتم تقسيم الشام بين الثوار.

ثم في عام 420ه، أمر الخليفة الظاهر بتجهيز جيش وإرساله إلى بلاد الشام، وأسند قيادة الجيش إلى أَنُوشْتِكِينَ الدِّزْبَرِيَّ، وهو من القادة الفاطميين الكبار، واستطاع بالفعل أن يسترد بلاد الشام مرة أخرى، وقد امتدح الشعراء القائد أَنُوشْتِكِينَ الدِّزْبَرِي، لانتصاره على الأمراء واسترداد بلاد الشام.

أثر ثورة أهل الشام على الحياة في مصر:

لا شك أن مصر قد تأثرت بثورات الشام، تبلور هذا التأثير في مرور مصر بأزمة اقتصادية كبيرة، وصلت إلى حد المجاعة، وارتفاع كبير جدًا في أسعار السلع لاسيما الخبز والقمح، وكذلك انتشرت أعمال السلب والنهب في سائر القطر المصري.

أثر ثورة أهل الشام على الحياة في الشام:

لا شك أن الثورات والحروب التي وقعت بالشام لعدة سنوات كان لها تأثير سلبي على الشام، فقد كثر القتل والنهب وعمت الفوضى البلاد، وتم تدمير بعض القرى والمدن أثناء القتال، ثم يضاف إلى ذلك طمع الروم في الاستيلاء على بلاد الشام حيث اضطرب الأمن.

ولذا قام الروم عام 418هـ، ببعض الغارات على بلاد الشام، مما ترتب عليه توقيع صلح بين الظاهر والروم، وقد نصت بنود الصلح على ( السماح بإعادة بناء كنيسة القيامة ببيت المقدس – يسمح لجميع المسيحين بإعادة ما تهدم من كنائس – يتم تعين بطريق في بيت المقدي – ألا يقوم الفاطميون بأي عمل عدائي- الاتفاق على خطة دفاع مشتركة ضد أعداء الدولة البيزنطية لاسيما أهل صقلية )

وفي المقابل: ( يتم ذكر اسم الخليفة الفاطمي على كل مساجد الدولة البيزنطية – يتم إطلاق سراح الأسرى المسلمين – ألا يقدم الإمبراطور البيزنطي أي مساعدة لحسان بن الجراح) ومن المعلوم أن الروم لم يلتزموا بهذا البند حيث تحالفوا مع حسان، ثم استقبلوه بعد أن فر إليهم فور هزيمته على يد أَنُوشْتِكِينَ الدِّزْبَرِيَّ.

الثورات الاقتصادية في عصر الظاهر:

لقد شهد عصر الظاهر في مصر مجاعة كبيرة، استمرت لمدة عامين، (414- 415هـ) وهذه المجاعة كانت بسبب نقصان ماء النيل، حتى أن الرجال والأطفال خرجوا يحملون المصاحف إلى جبل المقطم يستغيثون بالله، فلم يغاثوا، وهنا ارتفعت الأسعار واختفى الخبز من الأسواق، حتى أن القمح كان يباع سرًا، وهنا حاول الظاهر أن يسيطر على الموقف، فقام بعزل ابن عزة وهو المحتسب على الأسواق، وقام بتعيين دَوّاس بن يعقوب الكتامي بدلًا منه، ونزل المحتسب الجديد إلى شوارع القاهرة، وأحضر الخبازين وتجار الدقيق، وقام بضرب بعضهم، وهنا انخفضت الأسعار قليلًا، ولكن سرعان ما عادت الأمور كما كانت، وهنا اتخذ دواس قرارًا بفتح مخازن رجال الدولة والتجار الكبار، وإخراج ما فيها من غلال، وقام بغلق معظم المخابز والطواحين التي رفعت الأسعار، ولكن الأمر ازداد سوءًا، وهنا قام الظاهر بعزل دوّاس،  وولى رجلًا يعرف ببقي الخادم، ونزل بقي إلى مدينة الفسطاط وأصدر أوامره بتخفيض الأسعار، وهنا أضرب التجار وعمال الطواحين وقاموا بغلق الطواحين، حتى اختفى الخبز والدقيق بصورة شبه كاملة، وهنا قام الظاهر بعزل بقي وأعاد دواسا مرة أخرى، واستطاع أن يسيطر على الأمور لفترة وجيزة، ثم ازداد الأمر سوءًا، وانتشر الوباء بين الحيوانات والدواجن، وأصدر الظاهر أمرًا بتجريم ذبح الحيوانات السليمة، لاسيما الأبقار ولعل السبب في إصدار مثل هذا القرار هو الحفاظ على الحيوانات التي تساعد في أعمال الحرث والزراعة ونحو ذلك.

ثم ازداد الأمر سوءًا وانتشر الوباء واستشرى بين الناس، حتى قال المقريزي” لم تخل دار أحد من عدة مرضى من الدم وأوجاع الحلق” ثم انخفضت القيمة الشرائية للعملة، هنا ثار المصريون وتجمعوا في مسجد عمرو بن العاص، وخرجوا في مظاهرات عارمة، فساروا في شوارع الفسطاط، ثم تحركوا نحو القاهرة، حتى اعترضوا موكب الخليفة الظاهر، وكان المصريون يهتفون في الشوارع والطرقات، – الجوع الجوع- ثم وقف أحد المغاربة تحت القصر وأخذ يوجه السباب للظاهر، فتم القبض عليه إيداع في السجن.

وعلى إثر ذلك التطور استدعى الظاهر دواسا وقام بتعنيفه، وأمره باتخاذ بعض الإجراءات الإصلاحية لتدارك الموقف، فأصدر دواس قرارًا برفع الضرائب  المقررة على الغلات المستوردة، وبالفعل انخفضت الأسعار واستقرت الأمور، وانتهت ثورات المصريين.

أثر المجاعة والثورة على الحياة في مصر:

لا شك أنه كان لما حدث أثر كبير على كافة النواحي المختلفة، وإذا أردنا أن نجمل تداعيات الثورة والمجاعة على الحياة في مصر، نلخصها فيما يلي:

  • ضعفت شخصية الظاهر واهتزت في أعين الشعب، حيث أنه كان عاجزًا عن حل المشكلات، وبرزت بعض الشخصيات وطغت شخصيتهم على شخصية الخليفة.
  • اضطربت الحالة الأمنية في البلاد، وأدى ذلك إلى حالة من الانفلات الأمني مما ترتب عليه قيام العبيد بأعمال سلب ونهب، وهاجموا مدينة تنيس وأغاروا على قوافل الحجاج، وقاموا بمهاجمة الأسواق في القاهرة والفسطاط، ويُعد هذا الموقف أول تمرد للعبيد على سلطة الخلافة.

ولنا أن نتخيل حالة الذعر والرعب التي عاشها المصريون من جراء تلك الأحداث.

  • كثرت حالات الوفاة، وذلك بسبب انتشار الأوبئة والأمراض، حتى قدر من مات بنحو 170 ألف شخص، وهذا بخلاف من ألقي به في النيل، ومن كثرة تعداد القتلى، هناك من مات ولم يجد من يقوم بدفنه، وهناك من مات ولم يجد له الناس ثمن الكفن، حتى قيل إن الظاهر كفن أمواتًا على نفقته الخاصة.
  • تدهور الحالة الاقتصادية بشكل كبير، وارتفاع أسعار السلع، حتى أن الرمانة كانت تباع بثلاثة دراهم، والبطيخة بثلاثين درهمًا، بخلاف ارتفاع أسعار القمح والخبز، ويذكر المُسبًّحي في أخبار مصر، أن جزارًا ألقى بعظمة لكلب، فجاء رجل فطرد الكلب وأخذ العظمة وذلك من شدة الجوع.

الثورات الطائفية في عصر الظاهر:

كان المجتمع المصري في عصر الدولة العبيدية يتكون من عدة عناصر وطوائف، كأهل السنة، – وتُشير بعض الروايات أن عددًا قليلًا منهم تحول إلى المذهب الشيعي- ، والمغاربة الذين قامت الدولة على أكتافهم، والأتراك الذين زاد عددهم في عصر العزيز بالله، وطائفة السودانيين وقد زاد عددهم في عصر الحاكم، وهناك أهل الذمة الذين كانوا يتمتعون بقدر كبير من الحرية والمساواة.

ولا شك أن هذه التعددية ترتب عليها آثار مجتمعية، ومنها؛ التنافس بين طبقات المجتمع، وقد ظهر ذلك جليًا في خلافة الظاهر، حيث وقعت بعض المصادمات والمنازعات بين الطوائف المختلفة، مما أودى بحياة أعداد كثيرة من بين الطبقات المختلفة.

على سبيل المثال:

المصادمات بين الأتراك والمغاربة: وقعت مصادمات بين الأتراك والمغاربة عام 415هـ، بسبب مقتل أحد غلمان الأتراك على يد المغاربة، وقُتل عدد من الطرفين، وقد تدخل المصريون لفض الصدام ولكنهم فشلوا، وأمام خطر تلك الاشتباكات خرج الظاهر بنفسه من أجل القضاء عليها.

ثم تجددت الاشتباكات مرة أخرى وثار الأتراك على المغاربة عام 420هـ، وذلك بسبب مقتل أحد غلمان الأتراك على يد المغاربة مرة أخرى، وقد كاد الأتراك أن يقضوا على المغاربة لولا تدخل بعض المصريين، وخروج الظاهر بنفسه، وإبرام عقد صلح بين الطرفين ينص على عدم اعتداء إحدى الطائفتين على الأخرى.

العبيد( السودانيون ):

كان العبيد إحدى طوائف الجيش الفاطمي الذين استعان بهم الحاكم،   وقد ظهر  خطر العبيد في خلافة الظاهر ، لاسيما وأن عددهم قد بلغ خمسين ألفًا.

ففي عام 415هـ، وقعت مجاعة في مصر، وهنا قام العبيد بعمليات نهب لقوافل التجار المغاربة، وقاموا بالاستيلاء على أموالهم، وقد تكرر هذا الفعل منهم عدة مرات، وكانت الخلافة تنجح أحيانًا في الحفاظ على أمن وسلامة القوافل وتفشل في مرات أخرى، ثم تجرأ العبيد في نفس العام وأغاروا على قافلة الحجاج المغاربة، فنهبوا كثيرًا من أموالهم، بل وقتلوا عددًا منهم، وفي نفس العام أيضًا قاموا بنهب مدينة تنيس، وقاموا بالاستيلاء على جزء من أموال خزانة الدولة، وجزء من أموال الرعية، حتى أن والي المدينة الشريف ابن حمزة هرب إلى مدينة دمياط، ثم تمت السيطرة على أوضاع المدينة، بعد أن أرسل وزير الدولة الجرجرائي سرية مسلحة استطاعت أن تسيطر على الأوضاع وتسترد من نُهب من أموال وقامت بمعاقبة العبيد الذين ارتكبوا تلك الجرائم.

ومن المدن التي تعرضت للهجوم والنهب من قبل العبيد؛ مدينة الأشمونين، -وهي إحدى القرى التابعة لمركز ملوى بمحافظة المنيا- ، فلقد قام العبيد بالاستيلاء على كل ما وجدوه بالمدينة، حتى أن نصيب الرجل الواحد من العبيد بلغ تسعمائة رأس من البقر، وثلاثة آلاف رأس من الضأن، وهكذا سعى العبيد في مصر فسادًا.

ثم زاد جرمهم وقرروا أن يقوموا بنهب مقر الخلافة، فاجتمع منهم ألف رجل وقاموا بعمليات سلب ونهب بمدينة القاهرة، فنهبوا الأموال والحبوب والشعير والقمح، واقتحموا كثيرًا من المنازل، وهنا أمر الظاهر الشعب المصري بقتل أي شخص يتعرض لهم من العبيد، وهنا تجمعت أعداد غفيرة من الشعب وقاموا بمقاومة العبيد، حتى أن النساء كانت تلقي عليهم الحجارة من أعلى المنازل، وبالفعل انهزم العبيد وقتل منهم تسعة، وتم إعدام ثمانية عشر  رجلًا على أبواب القاهرة.

ولا شك أن ما قام به العبيد كان له تداعيات على الحالة العامة بمصر، ومن ذلك تداعيات سياسية؛ تمثلت في تغيير بعض الولاة الذين لم يستطيعوا السيطرة على العبيد والحد من جرائمهم.

وهناك تداعيات أمنية، تمثلت وجود حالة من الانفلات الأمني في كثير من المدن والقرى، ترتب عليها انتشار أعمال النهب والسلب والبلطجة.

وهناك أيضًا تداعيات اقصادية، تمثلت في ارتفاع الأسعار لأضعاف مضاعفة، لاسيما القمح والخبز.

وهناك أيضًا تداعيات دينية، تمثلت في تعطيل بعض قوافل الحج، وذلك بسبب غارات العبيد على قوافل الحجاج.

الثورات الدينية في عصر الظاهر:

ثورة أهل مكة: يذكر ابن تغري بردي في كتاب ” النجوم الزاهرة” ، وابن إياس في كتاب “بدائع الزهور” أنه في عام 413هـ، أثناء موسم الحج، وبعد أن انتهى الحجاج من رمي الجمرات بمنى، قام رجل من غلاة الشيعة الباطنية، مصري الجنسية، بضرب الحجر الأسود ثلاث ضربات متواليات بآلة حديدية، وقال ” إلى متى يُعبد هذا الحجر؟ لا محمد ولا علي يقدران على منعي عما أفعله، إني أريد أن أهدم البيت وأرفعه” وكان حوله عشرة فرسان من أنصاره، وهنا تراجع الحجاج عن البيت، ثم قام رجل من أهل اليمن فطعنه بخنجر، فاجتمع عليه أنصار الشيعي الباطني وقتلوه.

وهنا ثار أهل مكة المكرمة، ووقع قتال بين الفريقين، وقتل أهل مكة عشرين رجلاً  من أنصاره، وجرحوا أضعاف هذا العدد، ثم كثرت أعمال السلب والنهب بين قوافل الحجاج المغاربة نتيجة لانفلات الحالة الأمنية، واستمرت التوترات وأعمال السلب والنهب لعدة أيام، حتى خرج أمير مكة، أبو الفتوح الحسن بن جعفر، إلى الحرم، وأمر بقتل أربعة من أنصار ذلك الزنديق، وأمر كذلك بعدم الاعتداء على قوافل المصريين، ثم عاد الهدوء إلى مكة المكرمة.

حركة علماء المالكية في مصر:

قام الظاهر باضطهاد أهل السنة، لاسيما علماء المالكية، ومن المعلوم أن الشيعة يكرهون الإمام مالكا حيث أنه كان يحذر منهم، وله أقوال مأثورة حول انحراف منهجهم والتحذير منهم، ولقد وقف المالكية في بلاد المغرب حجر عثرة أمام نشر الفكر الشيعي.

وفي عام 416هـ، أمر الظاهر بنفي فقهاء المالكية خارج مصر، وأمر بنشر المذهب الشيعي بكل قوة، وأمر  بصرف مكافأت مالية لمن يقوم بحفظ كتابي: دعائم الإسلام، للقاضي المغربي نعمان بن حيُّون، وهو كتاب مؤلف في الفكر الشيعي، وكتاب: الرسالة الوزيرية، ليعقوب بن كلس،  وهو كتاب مؤلف في الفقه الشيعي.

ومن ثم نشط دعاة الشيعة في نشر مذهبهم وفكرهم، وفي المقابل تأثر المذهب السني في مصر، وهنا ظهرت حركة معارضة تمثلت في علماء و زعماء أهل السنة في مصر، حيث قدموا احتجاجًا للخليفة الظاهر، عبروا فيه عن غضبهم من تلك الإجراءات، وكاد هذا الغضب أن ينذر بثورة عارمة، ولما شعر الظاهر بخطورة الموقف، تراجع عن قراره وأصدر عفوًا عن علماء المالكية، وهنا عاد العلماء إلى مصر، بل وهاجر علماء المالكية من بغداد إلى القاهرة.

الحالة الداخلية في عصر المستنصر بالله:

المستنصر بالله هو الخليفة الخامس من خلفاء الدولة العبيدية الفاطمية في مصر والثامن منذ نشأتها بالمغرب، تولى الخلافة العبيدية الفاطمية خلفًا لوالده وهو ابن سبع سنين، وقد امتد سلطانه ليشمل بلاد الشام وفلسطين والحجاز وصقلية وشمال إفريقيا، وتردد اسمه على المنابر في هذه البلاد، بل وخُطب له في بغداد لمدة عام وذلك في سنة 450هـ، وقد استمرت فترة حكمه ستين سنة، ورغم كثرة الأحداث السياسية التي وقعت في عصره إلا أن اسمه قد قُرن بالشدة والمجاعة دومًا، فيقال: الشدة المستنصرية.

الشدة المستنصرية:

لقد وقعت أحداث سياسية كثيرة في عصر المستنصر، إلا أنه قد وقع في أيامه في مصر  مجاعة وغلاء، يقول ابن خلكان أنها لم تقع بمصر منذ زمن يوسف عليه السلام وحتى زمن المستنصر.

لقد تحدث كثير من المؤرخين عما وقع في عصره من مجاعة وغلاء وشدة، ولقد استمرت المجاعة سبع سنوات عجاف، ومن أهم أسباب المجاعة نقصان منسوب النيل، وضعف سلطة الخلافة، واستيلاء الأمراء على الدولة، و لذا ساءت الأحوال في مصر، فانتشر الوباء، وزاد الغلاء، وتعطلت الزراعة، وانتشرت أعمال السلب والنهب وعمت الفوضى، وبيع رغيف الخبز الواحد بخمسين دينارًا، ويذكر بعض المؤرخين كابن إياس والمقريزي وغيرهما، أن الناس من شدة الجوع أكلوا الميتة والبغال والحمير والكلاب والقطط.

وذكر ابن إياس من العجائب أن ثمن الكلب الواحد خمسة دنانير، والقط ثلاثة، وقيل أيضًا أن طائفة من الناس جلسوا فوق أسقف البيوت وصنعوا الخطاطيف والكلاليب لاصطياد المارة بالشوارع من فوق الأسطح، فإذا صار عندهم ذبحوه في الحال وأكلوه.

ويروي ابن إياس أن وزير البلاد لم يكن يمتلك سوى بغل واحد يركبه، فعهد بالبغل إلى غلام ليحرسه، إلا أن الغلام من شدة جوعه كان ضعيفًا فلم يستطع أن يواجه اللصوص الذين سرقوا البغل، وعندما علم الوزير بسرقة بغله غضب غضبًا شديدًا، وتمكن من القبض على اللصوص، ثم قام بشنقهم على شجرة، وعندما استيقظ في الصباح وجد عظام اللصوص فقط؛ لأن الناس من شدة جوعهم أكلوا لحومهم.

وذكر ابن الأثير أنه اشتد الغلاء، حتى حكي أن امرأة أكلت رغيفا بألف دينار.

وقيل إنه مات مليون وستمائة ألف نفس، ونزل الجند لزراعة الأرض بعد أن هلك الفلاحون.

وكان من تداعيات تلك الأزمة، أن أخذت دولة المستنصر بالله في التداعي والسقوط، وخرجت كثير من البلاد عن سلطانه، وكثرت حركات المعارضة.

وفي النهاية استعان المستنصر بواليه على مدينة عكا؛ بدر الدين الجمالي، عام 466هـ، وطلب منه القدوم لإصلاح حال البلاد، وإنهاء حالة الفوضى.

وما إن حل بدر الجمالي بمدينة القاهرة حتى تخلص من قادة المعارضة، وبدأ في إعادة النظام إلى القاهرة وفرض الأمن والسكينة في ربوعها، وامتدت يده إلى بقية أقاليم مصر، فأعاد إليها الهدوء والاستقرار، وبسط نفوذ الخليفة في جميع أرجاء البلاد.

وفي الوقت نفسه عمل على تنظيم شئون الدولة وإنعاش اقتصادها، فشجع الفلاحين على الزراعة برفع جميع الأعباء المالية عنهم، وأصلح لهم الترع والجسور، ومن ثم استقرت الأوضاع الداخلية، وتراجعت الأسعار، واستتب الأمن، ونشطت حركة التجارة، ثم بدأ  في تعمير القاهرة وإصلاح ما تهدم منها.

وقد علق بعض الباحثين على الشدة المستنصرية، وقالوا بأن الروايات التاريخية حول الشدة المستنصرية يشوبها طابع المبالغة، لكن الجميع اتفق على وقوع المجاعة.

وهكذا كانت حالة المجتمع المصري، و حركات المعارضة، في عصر الدولة الشيعية العبيدية، والمعروفة بالفاطمية، وهكذا كانت جهود المصريين في مكافحة الشيعة، حتى سقطت الدولة الفاطمية في نهاية المطاف.

([1])  لمزيد من الاطلاع والمراجعة: راجع: المقريزي: اتعاظ الحنفا، و ابن الجوزي: المنتظم في تاريخ الملوك، وابن تغري بري: النجوم الزاهرة، ومحمود خلف: ثورات المصريين في العصر الفاطمي.

 ([2])يعقوب رجل كل العصور، هو من أصل يهودي وتولى بعض المناصب في الدولة الإخشيدية ثم خانهم وسافر إلى المغرب وانضم للدولة العبيدية وكشف لهم عن أسرار الحالة المصرية، فتبوأ أعلى المناصب في مصر في العصر الفاطمي.

Scroll to Top
Send this to a friend