مقالات تاريخية

معاوية بن أبي سفيان في ميزان الصحابة والعلماء

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد، 

فقد ذكرنا في مقالنا السابق أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، هو الأموي الذي ناله الحظ الأوفر من السب والطعن والتشويه والافتراء والظلم، وقدساعد على ذلك انتشار كثير من المرويات التاريخية الضعيفة أو المكذوبة على معاوية بن أبي سفيان، ثم سلطنا الضوء على الجهود والإنجازات التي حققها معاوية في حياته خدمة للأمة المسلمة، سواء ما كان فى عهد عثمان بن عفان أو خلال فترة خلافته رضي الله عنه . 

وفي هذا المقال نلقي الضوء على فضائل معاوية وثناء الصحابة والعلماء عليه. 

معاوية بن أبي سفيان هو خال المؤمنين: 

فقد أطلق بعض أهل العلم لقب ” خال المؤمنين ” على معاوية، باعتبار أن أخته أم حبيبة أم المؤمنين رضي الله عنها، وقد سُئل الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن إطلاق هذا اللقلب على معاوية وابن عمر رضي الله عنهما، فأجاب” نعم، معاوية أخو أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وابن عمر أخو حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وعن هارون بن عبد الله أنه قال لأبي عبد الله – أحمد بن حنبل – : جاءني كتاب من ” الرَّقَّةِ” أن قوماً قالوا : لا نقول معاوية خال المؤمنين ، فغضب، وقال: ما اعتراضهم في هذا الموضع ؟ يُجْفَوْن حتى يتوبوا(1)

ثناء الرسول صلى الله عليه وسلم على معاوية رضي الله عنه ودعائه له: 

جاء في فضائل معاوية رضي الله عنه أنه لما تولى أمر الناس كانت نفوسهم لا تزال مشتعلة عليه؛ فقالوا: كيف يتولى معاوية وفي الناس من هو خير منه مثل الحسن والحسين؟ فقال عبد الرحمن بن أبي عُميرة ،لا تذكروه إلا بخير فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “اللهم اجعله هاديًا مهديًا وَاهْدِ به”(2)، أي: هَادِيًا لِلنَّاسِ أَوْ دَالًّا عَلَى الْخَيْرِ، ومَهْدِيًّا أَيْ مُهْتَدِيًا فِي نَفْسِهِ. وثَبَتَ أن النبيَّ – صلى الله عليه وآله وسلم – دعا لمعاوية فقال: اللهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ وَالْحِسَابَ، وقِهِ الْعَذَابَ(3)

وقد كان لمعاوية رضي الله عنه، شرف قيادة أول حملة بحرية، وهي التي شبهها رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم بالملوك على الأَسِرَّة؛ فقد روى البخاري  في صحيحه من طريق أنس بن مالك عن خالته أم حَرَامٍ بنْت مِلْحَانَ قالت: نام النبي صلى الله عليه وسلم يومًا قريبًا مني، ثم استيقظ يبتسم، فقلت: ما أضحك؟ قال: أناس من أمتي عرضوا عليَّ يركبون هذا البحر الأخضر كالملوك على الأسرة، قالت: فادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها، ثم نام الثانية، ففعل مثلها فقالت قولها، فأجابها مثلها، فقالت: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: أنت من الأولين، فخرجت مع زوجها عبادة بن الصامت غازيًا أول ما ركب المسلمون البحر مع معاوية رضي الله عنه، فلما انصرفوا من غزوتهم قافلين فنزلوا الشام، فَقُرِّبَت إليها دابة لتركبها فصرعتها فماتت، قال ابن حجر معلقًا على رؤيا رسول الله صلى الله عليه سلم قوله: (ناس من أمتي عرضوا عليَّ غزاة…) يشعر بأن ضحكه كان إعجابًا بهم، فرحًا لما رأى لهم من المنزلة الرفيعة. وأخرج البخاري  أيضًا من طريق أم حَرَامٍ بنْت مِلْحَانَ رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا.قالت أم حرام: قلت: يا رسول الله أنا فيهم؟ قال: أنتِ فيهم، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم ” أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر ـ أي القسطنطينية ـ مغفور لهم” فقلت: أنا فيهم يا رسول الله؟ قال: لا.  ومعنى أوجبو: أي فعلوا فعلاً وجبت لهم به الجنة.  قال ابن حجر في الفتح : ومن المتفق عليه بين المؤرخين أن غزو البحر وفتح جزيرة قبرص كان في سنة 27 هـ في إمارة معاوية رضي الله عنه على الشام أثناء خلافة عثمان رضي الله عنه. 

معاوية من كتبة الوحي: 

فعن ابن عباس قال: ” قال لي النبي صلى الله عليه وسلم:” ادع لي معاوية، وكان كاتبه ” (4)، وفي رواية عند البيهقي وغيره : ” وكان يكتب الوحي ” ، فصرح بالوحي. وقال الذهبي : ” وَقَدْ صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُنْتُ أَلْعَبُ، فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: ” ادْعُ لِي مُعَاوِيَةَ “، وَكَانَ يَكْتُبُ الْوَحْيَ “(5)

وبهذا يُعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يأتمنه على وحي السماء. 

ثناء الصحابة والعلماء عليه: 

لقد أثنى كثير من الصحابة والعلماء على معاوية في حياته وبعد مماته، ويروي الطبري مرفوعًا إلى عبد الله بن عباس قوله: “ما رأيت أحدًا أخلق للملك من معاوية، إن كان ليرد الناس منه على أرجاء وادٍ رَحْب”. 

أما عن ولاية معاوية فعمر ولاه، وجمع له الشامات كلها، وأقرّه عثمان بل إنما ولاه أبو بكر الصديق  رضي الله عنه وجعله خليفة لأخيه يزيد بن أبي سفيان على الجيش الخارج لحرب الروم في الشام. 

يقول محب الدين الخطيب معلقًا على أثر ابن عباس ” ما رأيت رجلًا أخلق بالملك من معاوية ” وهل يكون الرجل أخلق الناس بالملك إلا أن يكون عادلًا حكيمًا، يحسن الدفاع عن ملكه، ويستعين الله في نشر دعوة الله في الممالك الأخرى، ويقوم بالأمانة في الأمة التي ائتمنه الله عليها؟ والذي يكون أخلق الناس بالملك هل يلام عثمان على توليته؟. 

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة والْجَوَابُ: أَنَّ مُعَاوِيَةَ إِنَّمَا وَلَّاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ  رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ  لَمَّا مَاتَ أَخُوهُ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَلَّاهُ عُمَرُ مَكَانَ أَخِيهِ. وَاسْتَمَرَّ فِي وِلَايَةِ عُثْمَانَ، وَزَادَهُ عُثْمَانُ فِي الْوِلَايَةِ. وَكَانَتْ سِيرَةُ مُعَاوِيَةَ مَعَ رَعِيَّتِهِ مِنْ خِيَارِ سِيَرِ الْوُلَاةِ، وَكَانَتْ رَعِيَّتُهُ يُحِبُّونَهُ.وَ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ  عَنِ النَّبِيِّ  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  أَنَّهُ قَالَ: “خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَشَرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ ” وَإِنَّمَا ظَهَرَ الْإِحْدَاثُ مِنْ مُعَاوِيَةَ فِي الْفِتْنَةِ لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ، وَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ كَانْتِ الْفِتْنَةُ شَامِلَةً لِأَكْثَرِ النَّاسِ، لَمْ يَخْتَصَّ بِهَا مُعَاوِيَةُ، بَلْ كَانَ مُعَاوِيَةُ أَطْلَبَ لِلسَّلَامَةِ مِنْ كَثِيرٍ مِنْهُمْ، وَأَبْعَدَ عَنِ  الشَّرِّ مِنْ كَثِيرٍ مِنْهُمْ.أهـ  ويقول ابن تيمية في موطن آخر: “فلم يكن من ملوك المسلمين ملك خيرًا من معاوية، إذا نُسِبَتْ أيامه إلى أيام من بعده، أما إذا نسبت إلى أيام أبى بكر وعمر ظهر التفاضل” و يقول ابن تيمية أيضًا: ” واتفق العلماء على أن معاوية أفضل ملوك هذه الأمة, فإن الأربعة قبله كانوا خلفاء نبوة وهو أول الملوك, كان ملكه ملكا ورحمة(6)

وذكر ابن كثير فى- البداية والنهاية- أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال بعد رجوعه من صفين: أيها الناس لا تكرهوا إمارة معاوية؛ فإنكم لو فقدتموها رأيتم الرؤوس تَنْدُرُ عَنْ كَوَاهِلِهَا كَأَنَّهَا الْحَنْظَلُ. 

وذُكِرَ عمر بن عبد العزيز عند الأعمش فقال: فكيف لو أدركتم معاوية؟ قالوا: في حلمه، قال: لاوالله، في عدله”(7). وإليك شهادة الذهبي له: حيث يقول:”وحَسْبُك بمن يؤمِّره عمر ثم عثمان على إقليم فيضبطه،ويقوم به أتم قيام، ويُرضي الناس بسخائه وحلمه، فهذا الرجل ساد وساس العالم بكمال عقله وفَرْط حلمه وسعة نفسه، وقوه دهائه ورأيه”أ.هـ 

ولذا نال معاوية شهادة حق من  الصحابة والعلماء والصالحين بأنه كان أهلاً للإمارة والخلافة معًا، ومن أجل هذه الأهلية ظل أميرًا على الشام عشرين سنة، وخليفة للمسلمين ما يقرب من عشرين سنة فلم يهجه أحد في دولته بل دانت له الأمم، وحكم على العرب والعجم، وكان ملكه على الحرمين ومصر والشام والعراق وخراسان وفارس والجزيرة واليمن والمغرب وغير ذلك. 

قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: “تَذْكُرُونَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَدَهَاءَهُمَا وَعِنْدَكُمْ مُعَاوِيَةُ!”(8) ويقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:” ما رأيت أحدًا  أسود من معاوية قال: قلت: ولا عمر؟ قال: كان عمر خيرًا منه وكان معاوية أسود منه وفي رواية: مارأيت أحدًا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أسود من معاوية. قيل ولا أبابكر؟ قال: كان أبو بكر وعمر وعثمان خيرًا منه, وهو أسود منهم (9)

بل وكان معاوية رضي الله عنه، فقيهًا يعتد الصحابة بفقهه واجتهاده:

وكانت صلاته رضي الله عنه أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فرُوي عن أبي الدرداء أنه قال: “ما رأيت أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من أميركم هذا ـ يعني معاوية،  وروى البخاري في صحيحه في كتاب المناقب عن أبي مليكة قال: “أوتر معاوية بعد العشاء بركعة وعنده مولى لابن عباس؛ فأتى ابن عباس فأخبره، فقال: دعه؛ فإنه قد صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رواية أخرى قيل لابن عباس: “هل لك في أمير المؤمنين معاوية فإنه ما أوتر إلا بواحدة، قال: أصاب إنه فقيه”.  

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى