هكذا تؤتى الدول من قبل أبنائها

( بايزيد الثاني وأخيه جِم  أنموذجًا )

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد.

لقد توقفت حركة الفتوحات الإسلامية  في أواخر عصر أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ثم خلال فترة خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وذلك بسبب أحداث الفتنة التي وقعت آنذاك ([1])، ثم تم استئناف حركة الفتوحات مع بداية عصر معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، ولقد حققت الدولة الأموية إنجازاتٍ كبرى في ميدان الجهاد والفتوحات، حتى امتدت رقعة الدولة الإسلامية من كاشغر على حدود الصين في الشرق، حتى الأندلس وجنوب فرنسا في الغرب، ومن بحر قزوين في الشمال حتى المحيط الهندي في الجنوب، وكذا حققت قفزات هائلة في مجالات الفكر، والعلم، والأدب، والإدارة، ثم توقفت حركة الفتوحات مرة أخرى نتيجة الصراع الذي وقع بين أبناء البيت الأموي من أجل الإستحواذ على السلطة، وقد أدَّى ذلك إلى ضياع الدولة الأموية وهلاكها وزوالها، فكان هذا السبب من أكبر معاول الهدم والضعف، وقد استقرأ هذه الحقيقة ابن خلدون حيث ذكر: ” أن مِن آثار الهرم في الدولة انقسامها، وأن التنازع بين القرابة يقلص نطاقها، كما يؤدي إلى قسمتها ثم اضمحلالها”([2])

وكذا كان الحال خلال العصر العباسي ، فالعصر العباسي الأول هو عصر القوة والنفوذ، وقد ظهر ذلك جليًا يوم أن نَقَضَتِ الرُّومُ الصُّلْحَ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وهذا الصلح كان قد عقده هارون الرشيد بينه وبين رني ملكة الروم.

يقول ابن كثير في البداية والنهاية متحدثًا عن هذا الأمر” وَذَلِكَ أَنَّ الرُّومَ عَزَلُوهَا عَنْهُمْ وَمَلَّكُوا عَلَيْهِمُ النَّقْفُورَ، وَكَانَ شُجَاعًا، يقال إنه من سلالة آل جفنة، فخلعوا رني وسملوا عينيها، فكتب نقفور إِلَى الرَّشِيدِ: مِنْ نَقْفُورَ مَلِكِ الرُّومِ إِلَى هَارُونَ مَلِكِ الْعَرَبِ، أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْمَلِكَةَ التي كانت قبلي أَقَامَتْكَ مُقَامِ الرُّخِّ ([3])، وَأَقَامَتْ نَفْسَهَا مُقَامِ الْبَيْدَقِ ([4])، فَحَمَلَتْ إِلَيْكَ مِنْ أَمْوَالِهَا مَا كُنْتَ حَقِيقًا بحمل أمثاله إليها، وذلك مِنْ ضَعْفِ النِّسَاءِ وَحُمْقِهِنَّ، فَإِذَا قَرَأْتَ كِتَابِي هذا فاردد إلي ما حملته إليك من الأموال وافتد نفسك به، وإلا فالسيف بيننا وبينك، فلما قرأ هارون الرشيد كتابه أخذه الغضب الشديد حتى لم يتمكن أحد أن ينظر إليه، ولا يستطيع مخاطبته، وأشفق عليه جلساؤه خوفًا منه ، ثم استدعى بِدَوَاةٍ وَكَتَبَ عَلَى ظَهْرِ الْكِتَاب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ هَارُونَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى نَقْفُورَ كَلْبِ الرُّومِ، قَدْ قَرَأْتُ كِتَابَكَ يَا بن الْكَافِرَةِ، وَالْجَوَابُ مَا تَرَاهُ دُونَ مَا تَسْمَعُهُ والسلام” وهكذا كان الخليفة العباسي يتعامل مع ملوك العالم، وما لبث أن مات هارون حتى وقع الخلاف ودب الصراع بين ولديه الأمين والمأمون، ووقع قتال عظيم بين الأخويين من أجل السلطة، ولا شك أن هذا الخلاف وذاك القتال قد أضعف من شوكة الدولة وقوتها وهيبتها، وكذا كان الأمر مع محمد الفاتح رحمه الله، أحد سلاطين الدولة العثمانية ، فلقد وفق الله تعالى السلطان محمد الفاتح لأمر عجز عنه غيره، حيث فتح الله على يديه مدينة القسطنطينية، وقد عجز المسلمون عن فتحها خلال العصر الأموي والعباسي، رغم كثرة المحاولات منذ عصر معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه.

لقد حكم السلطان محمد الفاتح ما يقرب من ثلاثين عامًا ، كانت خيرًا وعزة للمسلمين، وقد تولى السلطة وعمر 22 عامًا فقط، وكان الفاتح يتمتع بصفات قيادية، فهو يجمع بين القوة والعدل والحكمة والذكاء والشجاعة وقوة العزيمة والإخلاص والرحمة، واهتم الفاتح بعد توليه السلطة بالنواحي الإدارية والمالية والعسكرية والحضارية.

ولذا كثرت المؤلفات حول شخصية محمد الفاتح رحمه الله، وذلك لكثرة مآثره ، حتى أن المؤرخ البيزنطي ميخائيل كريتوفولس ( 1410-1470م)  وهو أحد أربعة مؤرخين بيزنطيين عاصروا سقوط مدينة القسطنطينية عام 1453م، قام بتأليف كتاب كامل عن السلطان العثماني محمد الفاتح، وقد قام المؤرخ البيزنطي ميخائيل كريتوفولس بتقسيم كتابه عن السلطان العثماني محمد الفاتح إلى خمسة أقسام، تناول القسم الأول منها الأحداث والأعوام الأولى من تولية الفاتح للعرش العثماني عام 1451م حتى نجاحه في فتح القسطنطينية عام 1453م، وتناول كريتوفولس في القسم الثاني من كتابه حملات السلطان العثماني على جزر إينوس، وحربه ضد بلاد الصرب، وهكذا جمع المؤلف تاريخ محمد الفاتح في كتابه.

ومما يندى له الجبين ، أنه بعد وفاة محمد الفاتح رحمه الله ، دب الخلاف والصراع بين ولديه بايزيد الثاني وجِم، فلقد توفّي السُّلْطَان مُحَمَّد الفاتح عَن وَلدين أكبرهما بايزيد الْمَوْلُود عام 851 هـ – 1447 م ، وَكَانَ حَاكما بأماسيا ، وَثَانِيهمَا جِم وَكَانَ حَاكما فِي القرمان، ولما وصل خبر الوفاة إِلَى بايزيد سافر فِي الْيَوْم التَّالِي بأربعة آلَاف فَارس وَوصل الْقُسْطَنْطِينِيَّة، وقد استقبله أُمراء الدولة وأعيانها عِنْد مضيق البوسفور، وتولى بايزيد مقاليد الحكم عام 886 هـ – 1481م ، علمًا بأن السُّلْطَان بايزيد الثَّانِي كان ميالًا للسلم أكثر مِنْهُ إِلَى الْحَرْب، وكان محبًا للعلوم الأدبية والشرعية، وَلذَلِك سَمَّاهُ بعض مؤرخي التّرْك بايزيد الصُّوفِي.

وقد كان الأمير جِم عندما بلغه خبر وفاة أبيه مُقيمًا بمدينة بروسة، واعترف أهلها وغيرهم به سلطانًا عليهم وعلى المناطق المجاورة، وقد أرسل جم رسالة إلى أخيه بايزيد يطلب منه التنازل عن السلطة، وهنا رفض السلطان بايزيد حيث أن والده الفاتح قد أوصى له بالحكم من بعده، وهنا عرض جم عرضًا آخر وهو تقسيم الدولة بينهما، على أن يحكم جم القسم الآسيوي ، ويحكم بايزيد القسم الأوروبي، وهنا أبي بايزيد ورفض هذا العرض أيضًا، حيث أن هذا العرض يؤدي إلى تفتيت الدولة وانقسامها، وهنا أعد بايزيد جيشًا وسار به إلى بروسة وهاجمها، وهذه هي أول الحروب الداخلية التي وقعت بعد وفاة محمد الفاتح.

وعلى إثر ذلك الهجوم والقتال الذي وقع،  فر جم  إلى السلطان قايتباى في مصر، وهنا رحب قايتباى بجم وأكرمه، ثم سافر جم لأداء فريضة الحج ، ثم عاد ولم تنطفىء شرارة شهوة الملك والسلطان في قلبه، بل أخذ يُحرض بعض أتباعه في الأناضول وأثارهم  ضد بايزيد، وبالفعل كانت هناك محاولات لانتزاع الملك والسلطان من بايزيد ، فلقد سافر جم إِلَى حلب وَمِنْهَا راسل قَاسم بك القرماني ليتعاون معه ضد أخيه، وبالفعل تحركا الإثنان بجيش لمحاصرة مَدِينَة قونيه عَاصِمَة بِلَاد القرمان، لكنهم هُزموا، وهنا لم ييأس جم بل لجأ إلى القديس يوحنا الأورشليمي بجزيرة رودس يطْلب مِنْهُ مساعدته، وقد وقع اتفاقًا مع رئيس الفرسان .

هذا وقد َوصل جم إلى رودس فِي 6 جُمَادَى الثَّانِيَة عام 887 هـ – الموافق 23  يوليوسنة 1482 م، وَبعد قَلِيل وصلت إِلَى الجزيرة وُفُود من السُّلْطَان بايزيد

وقد عرض عليهم التحفظ على أخيه جم ، مقابل عدم التَّعَرُّض لهم، على أن تظل الجزيرة مستقلة مُدَّة حَيَاته وَيدْفَع لهم مبلغًا سنويًا، وقد وافقوا على ذلك، وبهذا حصل القديس يوحنا على امتيازات كبيرة من الدولة العثمانية نظير التحفظ على جم.

 هذا وقد طلبا ملك المجر و امبراطور المانيا اطلاق سراح جم  ليستعملاه آلَة فِي اضعاف عضد الدولة العثمانية ، ولكن القديس يوحنا رفض عرضهما،  ثم انتقل جم بعد ذلك إِلَى فرنسا وَوضع تَحت الْتحفْظ  فِي مَدِينَة نيس ثمَّ انتقل إلى شمبري وظل يتنقل من بَلْدَة لأخرى مُدَّة سبع سنوات،  وَفِي عام 1489 م، قام رَئِيس الرهبنة بتسليمه إِلَى البابا أنوست الثَّامِن ، على أن يتحفظ عليه، مقابل أن تدفع إليه الدولة العثمانية مَا كَانَت تَدْفَعهُ إِلَى رهبنة رودس فَقبلت،  ثمَّ مَاتَ هَذَا البابا وَخَلفه اسكندر بورجيا السادس ، وفي النهاية قُتل جم.

وهكذا تحول جم إلى رهينة بل كان خنجرًا يطعن به الأعداء في جسد الدولة العثمانية، وهكذا تؤتى الدول من قِبل بعض أبنائها، فكم خسرت الدولة العثمانية من أموال طائلة بسبب هذا الأمر.


([1]للاطلاع على تفاصيل الأحداث حول مقتل أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه، ومعركتي: الجمل وصفين، راجع كتابنا: “أحداث الفتن السياسية في عصر الخلافة الراشدة والدولة الأموية”.

([2]) مقدمة ابن خلدون.

([3])الرُّخُّ :قطعةٌ من قطع الشِّطْرَنج وهي القلعة (الطابية)

([4])و البَيْدَق الجندي الراجل. والجمع : بَيادِقُ، وبيادِقة.ومنه بيدق الشطرَنْج

Scroll to Top
Send this to a friend