صيحة تحذير إلى الشامتين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قال الله -تعالى-: (وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) (آل عمران:140)، أي: وتلك الأيام يصرِّفها الله بين الناس نصرة مرة وهزيمة أخرى؛ لما في ذلك من الحكمة حتى يظهر ما علمه الله في الأزل ليميز الله المؤمن الصادق مِن غيره، ويكرم أقوامًا منكم بالشهادة، والله لا يحب الذين ظلموا أنفسهم، وقعدوا عن القتال والجهاد في سبيله.

وعن أنس -رضي الله عنه- قال: كَانَتْ نَاقَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تُسَمَّى: العَضْبَاءَ، وَكَانَتْ لاَ تُسْبَقُ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى قَعُودٍ لَهُ فَسَبَقَهَا، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى المُسْلِمِينَ، وَقَالُوا: سُبِقَتِ العَضْبَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (إِنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ لاَ يَرْفَعَ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا إِلا وَضَعَهُ) (رواه البخاري)، فالدنيا لا تدوم على حال واحد، وقال -تعالى-: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ . فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) (الرحمن:29-30)، (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ): يعز ويذل، ويعطي ويَمْنع، ويرفع ويخفض، ويميت ويحيي، يغني فقيرًا ويجبر كسيرًا، ويعطي قومًا ويمنع آخرين، يأتي بدولة ويذهب بأخرى، ويأتي بملك ويذهب بآخر، ويأتي برئيس ويذهب بآخر، وهكذا كل يوم هو في شأن، وقد رأينا ذلك جليًّا في بلدنا مصر في السنتين الماضيتين!

فلابد أن نتعلم من الأحداث ونأخذ منها العبرة، ولابد أن نوظف الأحداث توظيفًا تربويًّا، وللأسف فإن البعض بدلاً من أن يتعلم من الأحداث ويستخرج منها العظات والعبر وقع في أمر مذموم؛ ألا وهو “الشماتة” في أهل البلاء؛ ففي أوقات المحن والشدائد والبلاء تظهر حقيقة إيمان العبد، وما يحويه قلبه من الصفات الطيبة والنبيلة التي تجسد حقيقة إيمانه بالله -تعالى- والتزامه بشريعة الإسلام، وسلامة صدره من الغل والحقد، والحسد والبغض وحب الذات، ونحو ذلك.

وفي الحديث عن أنس -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) (رواه البخاري ومسلم)، أي لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يحب للناس ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه أيضًا.

والشماتة هي: السرور بما يصيب أخاك من المصائب في الدين والدنيا، وهي مذمومة منهي عنها، وتأملوا في قوله -تعالى- عن صاحب ياسين: (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ . اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ . وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ . أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ . إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ . إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ . قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ . بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) (يس:20-27).

أي: جاء من مكان بعيد في المدينة رجل مسرع، وذلك حين علم أن أهل القرية هموا بقتل الرسل أو تعذيبهم، فقال: يا قوم اتبعوا المرسلين إليكم من الله، اتبعوا الذين لا يطلبون منكم أموالاً على إبلاغ الرسالة، وهم مهتدون فيما يدعونكم إليه من عبادة الله وحده، وأي شيء يمنعني مِن أن أعبد الله الذي خلقني، وإليه تصيرون جميعًا، أأعبد من دون الله آلهة أخرى لا تملك من الأمر شيئًا؟! إن يردني الرحمن بسوء فهذه الآلهة لا تملك دفع ذلك ولا منعه، ولا تستطيع إنقاذي مما أنا فيه، إني إن فعلت ذلك لفي خطأ واضح ظاهر، إني آمنت بربكم فاستمعوا إلى ما قلته لكم، وأطيعوني بالإيمان.

فلما قال ذلك وثب إليه قومه وقتلوه، فأدخله الله الجنة، فقيل له بعد قتله: ادخل الجنة إكرامًا له، قال وهو في النعيم والكرامة: يا ليت قومي يعلمون بغفران ربي لي وإكرامه إياي بسبب إيماني بالله وصبري على طاعته، واتباع رسله حتى قُتلت، فيؤمنوا بالله فيدخلوا الجنة مثلي.

والشاهد: أنه حين غمره الفرح بدخول الجنة لم يشمت بهم، بل كان حريصًا على هدايتهم حتى بعد موته (قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ . بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ)، وهكذا يكون المؤمن صاحب الإيمان القوي الكامل.

وقد خشي هارون -عليه السلام- من شماتة الأعداء، قال الله -تعالى-: (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأَعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) الأعراف:150).

أي: ولما رجع موسى -عليه السلام- إلى قومه من بني إسرائيل غضبان حزينًا; لأن الله قد أخبره أنه قد فتن قومه، وأن السامري قد أضلهم، قال موسى -عليه السلام- بئس الخلافة التي خلفتموني مِن بعدي، أعجلتم أَمْر ربكم؟ أي: أستعجلتم مجيئي إليكم وهو مقدَّر من الله -تعالى-؟ وألقى موسى -عليه السلام- ألواح التوراة غضبًا على قومه الذين عبدوا العجل، وغضبًا على أخيه هارون -عليه السلام-، وأمسك برأس أخيه يجره إليه، قال هارون -عليه السلام- مستعطفًا: يا ابن أمي إن القوم استذلوني وعدُّوني ضعيفًا وقاربوا أن يقتلوني، فلا تَسرَّ الأعداء بما تفعل بي، ولا تجعلني في غضبك مع القوم الذين خالفوا أمرك وعبدوا العجل.

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- “كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْ سُوءِ الْقَضَاءِ، وَمِنْ دَرَكِ الشَّقَاءِ، وَمِنْ شَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ، وَمِنْ جَهْدِ الْبَلاءِ” (متفق عليه)، ومن دعاء السلف: “اللهم َارْزُقْنَا عِلْمًا نَافِعًا، وَعَمَلاً مُتَقَبَّلاً، وَلا تُشْمِتْ بِنَا عَدُوًّا وَلا حَاسِدًا”، ويروى في الأثر: “لا تُظْهِرِ الشَّمَاتَةَ بِأَخِيكَ، فَيُعَافِيَهُ اللَّهُ وَيَبْتَلِيَكَ”؛ فليَحذر المسلمُ من الشماتة بأهل البلاء؛ فإنَّه لا يأمن أن يبتليه الله بما ابتلاهم فيه.

وكان عمر -لرضي الله عنه- يقول للناس: “لا تعيروا أحدًا فيفشوَ فيكم البلاء”، وعن سويد بن غفلة قال: “كَانَتْ عَائِشَةُ بِنْتُ خَلِيفَةَ الْخَثْعَمِيَّةُ عِنْدَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، فَلَمَّا أُصِيبَ عَلِيٌّ وَبُويِعَ لِلْحَسَنِ بِالْخِلافَةِ دَخَلَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: لِيَهْنِكَ الْخِلافَةُ، فَقَالَ لَهَا: أَتُظْهِرِينَ الشَّمَاتَةَ بِقَتْلِ عَلِيٍّ؟! انْطَلِقِي فَأَنْتَ طَالِقٌ ثم ردها بعد ذلك”، ويقول إبراهيم النَّخعي -رحمه الله-: “إنِّي لأرى الشيءَ أكرهه، فما يمنعني أن أتكلم فيه إلا مخافة أن أبتلى بمثله”.

ندعو الله أن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وألا يشمت بنا عدوًّا ولا حاسدًا.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

انتقل إلى أعلى
Send this to a friend