انتبه .. أنتَ في شهر رجب!

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد كانت مجالس النبي -صلى الله عليه وسلم- مع أصحابه عامتها مجالس تذكير بالله وترغيب وترهيب؛ إما بتلاوة القرآن أو بما آتاه الله من الحكمة والموعظة الحسنة وتعليم ما ينفع في الدين كما أمره الله -تعالى- في كتابه أن يذكر ويعظ ويقص، وأن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يبشر وينذر، وسما الله: (وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا . وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا) (الأحزاب:45-46).

والتبشير والإنذار: هو الترغيب والترهيب؛ فلذلك كانت تلك المجالس توجب لأصحابه رقة القلب والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة.

وقد قال العرباض بن سارية -رضي الله عنه-: “صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ذَاتَ يَوْمٍ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ… ” (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني).

وقال ابن مسعود -رضي الله عنه-: “نعم المجالس المجلس الذي تُنشر فيه الحكمة وتُرجى فيه الرحمة، هي مجالس الذكر”.

وشكا رجل إلى الحسن قساوة قلبه فقال له: “أدنه من الذكر”، وقال: مجلس الذكر محياة العلم ويحدث في القلب الخشوع، القلوب الميتة تحيا بالذكر كما تحيا الأرض الميتة بالقطر:

بـذكـر الـلـه تـرتـاح الـقـلـوب             ودنــيـانـا بـذكــراه تــطــيــب

ومِن هذا المنطلق كان لابد من وقفة مع شهر رجب:

عن أبي بكرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبٌ شَهْرُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ) (متفق عليه).

رجب مضر: نسب إلى مضر؛ لأنها كانت تحافظ على تحريمه أشد من غيرها، وقد جعل الله -تعالى- من هذه الأشهر أربعة أشهر حُرُمًا، وقد فسرها النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث، وذكر أنها ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وواحد فرد وهو شهر رجب.

ويسأل كثير من الناس عن حكم الصوم في رجب؟

يقول الحافظ ابن رجب الحنبلي -رحمه الله-: “فلم يصح في فضل صوم رجب شيء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا عن أصحابه، ولكن روي عن أبي قلابة قال: في الجنة قصر لصوام رجب. قال البيهقي: أبو قلابة من كبار التابعين لا يقول مثله إلا عن بلاغ، وإنما ورد في صيام الأشهر الحرم كلها حديث مجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له: “صم من الحرم واترك” قالها ثلاثًا. خرجه أبو داود وغيره، وخرجه ابن ماجة وعنده: صم أشهر الحرم، وإن كان الحديث ضعيفًا، لكن كان بعض السلف يصوم كثيرًا في الأشهر الحرم، منهم: ابن عمر، والحسن البصري، وأبو إسحاق السبيعي، وقال الثوري: الأشهر الحرم أحب إليَّ أن أصوم فيها” (اهـ بتصرف يسير من لطائف المعارف لابن رجب).

وشهر رجب مفتاح أشهر الخير والبركة، قال أبو بكر الوراق البلخي: “شهر رجب شهر للزرع، وشعبان شهر السقي للزرع، ورمضان شهر حصاد الزرع”.

وهذا يعني أن كل الذي تريد أن تحصده في شهر رمضان يجب أن تزرعه في رجب وشعبان، وقال أيضًا أبو بكر الوراق البلخي: “مثل شهر رجب مثل الريح، ومثل شعبان مثل الغيم، ومثل رمضان مثل القطر”.

وقال بعضهم: السنة مثل الشجرة وشهر رجب أيام توريقها، وشعبان أيام تفريعها، ورمضان أيام قطفها والمؤمنون قطافها، جدير بمن سود صحيفته بالذنوب أن يبيضها بالتوبة في هذا الشهر وبمن ضيع عمره في البطالة أن يغتنم فيه ما بقي من العمر.

فينبغي الإكثار من جميع أنواع الطاعات في مثل هذه الأيام تلاوة قرآن، وصوم، وصدقة، وإكثار من النوافل، وتوبة واستغفار، وقيام ليل ودعاء استعدادًا لاستقبال شهر رمضان المبارك.

بيض صحيفتك السوداء في رجب                   بصالح العمل المنجـي من اللهـب

شهـر حرام أتي من أشـهـر حـرم                   إذا دعا الـلـه داع فـيـه لـم يـخـب

طـوبـى لعبـد زكى فـيـه له عـمـل                    فـكـف فيه عن الفحشاء والـريـب

مقالات ذات صلة:

Scroll to Top
Send this to a friend