أهمية الفقة الحنفي والمدرسة الحنفية

لا شك أن طلب العلم من أعظم القربات لمن صلحت نيته، ومن أشرف علوم الشريعة وأنفعِها وأعظمهاعلم الفقه بالأحكام الشرعية ،ولعل طلب علم الفقه على مذهب واحد له مزايا وفوائد جليلة ، من أهمها تكوين الملكة الفقهية عند طالب العلم، و أما من حيث العمل، فإنه يكون بما يصلح لأن يكون دليلاً لحكم شرعي،وذلك وفق الضوابط والقواعد العلمية المعروفة، وتمثل مادة الفقه الإسلامي الحياة العملية والسلوكية للمسلمين، ولا شك أن فروع الفقه كثيرة، فهناك فقه الأحكام و فقه المقاصد والنيَّات، وفقه الموازنات والأوليَّات، وفقه الاختلاف، وفقه الواقع، وفقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفقه الدعوة، وفقْه الثوابت والمتغيِّرات وغير ذلك ، ويُعد المذهب الحنفي من أعظم المدارس الفقهية، وأول من كتب في الفقه الحنفي هو أبو يوسف القاضي، ولقد اهتم العلماء بالفقه الحنفي على مر العصور، وقاموا بتأليف المتون الفقهية التي تلخص آراء المذهب ليسهل على طالب العلم تعلمها،والمتون الفقهية المعتمدة في المذهب الحنفي أربعة :” مجمع البحرين وملتقى النيرين” لمظفر الدين أحمد بن علي المعروف بابن الساعاتي رحمه الله تعالى، ثم ” كنز الدقائق “للإمام أبي البركات عبد الله بن أحمد النسفي رحمه الله تعالى، ثم ” وقاية الرواية في مسائل الهداية ” للإمام تاج الشريعة المحبوبي رحمه الله تعالى، ثم ” المختار للفتوى ” لأبي الفضل عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي رحمه الله تعالى .
وقد اهتم الفقه الحنفي وغيره من المدارس الفقهية بجانب البعد الإنساني والذي يتمثل في رفع الضيق والمشقة عن المكلفين ،بما يتلائم ويتناسب مع طبيعة النفس البشرية وضوابط الشريعة، وكان الإمام أبو حنيفة رحمه الله من أوائل العلماء الذين فطنوا واهتموا بجانب البعد الإنساني،وذلك بما وهبه الله إليه من ملكة فقهية وفهم شمولي دقيق لمقاصد الشريعة الإسلامية، وهذا يدل على عمق رؤيته وفهمه للنصوص وتدبره للأحكام، ومراعاته لحفظ مصالح العباد، وهو أمر يُعد من أهم مقاصد الشريعة، لذا جاء الشرع بالنهي عن التعدي على النفوس والأموال والأعراض، وعن الغصب والظلم، وعن الجناية على النفس أو العقل أو النسل أو المال؛ لذا نرى أن الفقه الحنفي قد راعى الجانب الإنساني في كثير من مسائل الفقه، فعلى سبيل المثال:اعتبر الحنفية أن خروج المني من الرجل أوالمرأة لا يوجب الغسل إلا إذا خرج بشهوة، وهو بذلك قد راعى التيسير في أمر الطهارة والعبادة، و في المذهب الحنفي أيضا أن زكاة الفطر لا تجب إلا على من ملك النصاب،ونرى في الحدود أن المذهب الحنفي أوجب الجلد فقط على البكر ولا يجمع بين الجلد والنفي خارج البلاد، وكذا يرى الأحناف جواز الرجوع في الإقرار بارتكاب جريمة الزنا، وذلك قبل إقامة الحد عليه، وكذا يرى أبو حنيفة رحمه الله في حد من شرب الخمر،أن السكران هو من زال عقله بالفعل وهو لا يفرق بين السماء والأرض أو بين الرجل والمرأة، وكذا في مسألة إقامة الحد على من تكررت منه جريمة السرقة، فالأحناف يرون أنه لو سرق في الثالثة لا تقطع يده اليسرى ،وفي الرابعة لا تقطع رجله اليمنى،بل يتم حبسه حتى يتوب،وكذا في مسألة قتل المسلم بالكافر قصاصاً، يرى الأحناف أنه لا اعتبار للجنس أو العقيدة ويكفي المساواة في الإنسانية.
ونحن هنا لسنا بصدد مناقشة الراجح في هذه المسائل ولكننا أردنا أن نسلط الضوء على معنى مراعاة الجانب الإنساني في الفقه الحنفي، لذا نقول أن أبا حنيفة رحمه الله ، هو إمام مدرسة الرأى، وهو فقيه الأمَّة، وأحد الأئمَّة الأربعة الكبار وأولهم،لذا أثنى العلماء عليه،قال عليُّ بن عاصم: “لو وُزن علم أبي حنيفة بعلم أهل زمانه لرجح عليهم”.وقال حفص بن غياث: “كلام أبي حنيفة في الفقه أدقُّ من الشَّعر، ولا يعيبه إلا جاهل”.وسئل الأعمش عن مسألة فقال: “إنَّما يُحسن هذا النعمان بن ثابت الخزاز، وأظنُّه بورك له في علمه”.وقال ابن المبارك: “أبو حنيفة أفقه الناس”.وقال الشافعيُّ : “الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة” وقد علق الإمام الذهبيُّ على تلك الأقوال قائلاً : “الإمامة فى الفقه ودقائقه مسلَّمة إلى هذا الإمام، وهذا أمر لا شك فيه” وها هو التاريخ يقص علينا المحنة التي تعرض لها الإمام رحمه الله، لقد عاصر أبو حنيفة عهدين مختلفين ، العصر الأموي وفيه وُلد الإمام، ونشأ وترعرع، وجالس العلماء الكبار، وفيه أيضًا بلغ حد الإمامة،وأصبح له تلاميذ وأتباع ، ثم عاصر الدولة العباسية، التي قامت على أشلاء الدولة الأموية، و كان الإمام أبو حنيفة عازفًا عن المناصب الدنيوية، وخاصة المناصب التي يكون صاحبها قريبًا من السلاطين و الحكام والأمراء، لذلك لما عرض ابن هبيرة والي العراق في أيام الخليفة الأموي يزيد بن الوليد ، على الإمام أبي حنيفة منصب القضاء بالكوفة رفض أبو حنيفة بشدة؛ فما كان من ابن هبيرة إلا أن ضرب الإمام وجلده؛ فلم يُزِدْ ذلك الضرب أبا حنيفة إلا إصرارًا على رفض تولي المنصب، ثم تكرر نفس الطلب من أبي جعفر المنصور في العصر العباسي، فقال أبو حنيفة:أنا لا أصلح لهذا المنصب، ومن هنا تبدأ رحلة السجن والتعذيب والتضييق والتشديد على الإمام،ويتوفى الإمام أبو حنيفة رحمه الله في سجنه في رجب سنة 150هـ،
ولعل هذه المحنة التي تعرض لها الإمام لهي خير دليل وبرهان على صدق الامام وإخلاصه لربه تعالى، لأن محنته كانت بسبب فراره من الدنيا ومناصبها الزائلة، ، فرحم الله أبا حنيفة النعمان، ونفع الأمة بعلمه.

Scroll to Top
Send this to a friend