“القدس” إسلامية مِن البداية للنهاية (1)

قصة القدس كاملة!

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلا شك أن قضية القدس والأقصى هي قضية محورية وعقدية، وينبغي على المسلمين أن يقوموا بدراسة تاريخ مدينة القدس والمسجد الأقصى، وأن يعملوا على إحياء القضية ودعمها بالوسائل المختلفة.

ويُطلق على مدينة القدس: “مدينة السلام”، ومدينة البركة ومدينة الطهر، وبيت المقدس، وهي المدينة المحتلة الآن من قِبَل اليهود.

وننبه أولًا على أنه يطلق على المسجد الأقصى: “بيت المقدس أيضًا”؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما وصف المسجد الأقصى وصفه ببيت المقدس، وقد روي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء، حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك”، قالوا: يا رسول الله وأين هم؟ قال: “ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس” (أخرجه أحمد والطبراني، وقال الهيثمي في المجمع: “ورجاله ثقات”).

وتشير المصادر التاريخية إلى أن أول مَن نشأ في المدينة المقدسة المطهرة، وعمّرها وأنشأها هم: “العرب اليبوسيون”، والعرب اليبوسيون هم: بطن مِن بطون العرب الكنعانيين، وقد هاجرت هذه القبائل الكنعانية قبل الميلاد بثلاثة آلاف عامٍ تقريبًا مِن شبه الجزيرة العربية الى أرض فلسطين، حيث استوطنوا وأقاموا في بيت المقدس، وهم أول من دخل المدينة وأقامها وأنشأها وعمرها؛ لذا كان يطلق على أرض فلسطين في وقت من الأوقات: (أرض كنعان) نسبة إلى العرب الكنعانيين، وكان يطلق على بيت المقدس في وقت من الأوقات مدينة (يبوس) نسبة الى اليبوسيين، وكان يطلق عليها أيضًا: (سالم) نسبةً الى سالم أول حاكم حكم مدينة القدس المباركة، وقد استمر العرب اليبوسيون في مدينة القدس الى أن هاجر اليها أبو الأنبياء إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-، وكان ذلك عام (1800) ق.م تقريبًا، أو في عصر الهكسوس، على حسب ما يُذكر في بعض المصادر التاريخية، ويُذكر في بعض نصوص التوراة: أن علاقة طيبة قامت بين إبراهيم عليه السلام وبين ملكي صادق، وهو كاهن أو ملك كان بالأرض المقدسة، والله أعلى وأعلم بصحة هذه المعلومات.

وقد أثبتت نصوص القرآن والسنة دخول إبراهيم -عليه السلام- أرض الشام؛ فلقد نشأ إبراهيم -عليه السلام- بأرض بابل بالعراق، ثم بعد مناظرته مع  النُّمْرُودِ ونجاته من النار هاجر إلى بلاد الشام، كما قال -تعالى-: (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ . قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ . وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ . وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء:68-71).

ثم هاجر بعد ذلك إبراهيم ومعه زوجته سارة إلى مصر، وقد نجَّى الله -تعالى- سارة من الملك الظالم الذي كان إذا سمع عن امرأة جميلة أرادها لنفسه، وقد أهدى الملك لسارة هاجر، وهنا هاجر إبراهيم -عليه السلام- من مصر إلى أرض فلسطين، وبصحبته سارة وهاجر، ثم عرضت سارة على إبراهيم -عليه السلام- أن يتسرى بهاجر حيث إنها كانت تعلم رغبة إبراهيم -عليه السلام- في الولد، وقد رزق الله -تعالى- إبر اهيم بإسماعيل -عليهما السلام-، وهنا دبَّت الغيرة في قلب السيدة سارة، فجاء الأمر من الله -تعالى- بأن يهاجر إبراهيم إلى مكة المكرمة، كما هو معروف ومشهور.

مَن أول مَن قام ببناء المسجد الأقصى؟

قال -تعالى- :(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الإسراء:1).

عن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قلتُ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَرْضِ أَوَّلَ؟ قَالَ: (المَسْجِدُ الحَرَامُ) قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: (المَسْجِدُ الأَقْصَى)، قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: (أَرْبَعُونَ سَنَةً، ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلاَةُ بَعْدُ فَصَلِّهْ، فَإِنَّ الفَضْلَ فِيهِ) (متفق عليه).

وليس هناك نص ثابت في أول مَن بنى المسجد الأقصى، ولكن لا خلاف أن بيت المقدس أقدم بقعة على الأرض عرفت عقيدة التوحيد بعد المسجد الحرام في مكة المكرمة، وأن الفرق بين مدة وضعهما في الأرض هو أربعون سنة.

قال القرطبي -رحمه الله-: “واختلف في أول مَن أسس بيت المقدس، فروي أن أول من بنى البيت يعني البيت الحرام آدم -عليه السلام-، فيجوز أن يكون ولده وضع بيت المقدس من بعده بأربعين عامًا، ويجوز أن تكون الملائكة أيضًا بنته بعد بنائها البيت بإذن الله، وكل محتمل والله أعلم” (الجامع لأحكام القرآن).  

وأورد ابن حجر في الفتح (كتاب أحاديث الأنبياء): “إن أول مَن أسس المسجد الأقصى: آدم -عليه السلام-. وقيل: الملائكة. وقيل: سام بن نوح عليه -السلام-. وقيل: يعقوب -عليه السلام-“.

وذكر السيوطي في شرحه لسنن النسائي: “أن آدم نفسه هو الذي وضع المسجد الأقصى، وأن بناء إبراهيم وسليمان تجديد لما كان أسسه غيرهما وبدأه”.

وذكر ابن كثير: “أنه في عهد يعقوب بن إسحاق -عليهما السلام- أعيد بناء المسجد الأقصى بعد أن هرم بناء إبراهيم -عليه السلام-” (البداية والنهاية).

وذكر شهاب الدين المقدسي في (مثير الغرام): “وكان هذا البناء تجديدًا”.

والثابت بالأدلة الشرعية المعتمدة لدينا -نحن المسلمين-: أن سليمان -عليه السلام- بنى المسجد الأقصى، وأن بناء سليمان -عليه السلام- بناء التجديد والتوسعة والإعداد للعبادة لا بناء التأسيس، روى النسائي وابن ماجه وغيرهما من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لَمَّا فَرَغَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ مِنْ بِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، سَأَلَ اللَّهَ ثَلَاثًا: حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ، وَمُلْكًا لَا يَنْبَغِي لَأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَلَّا يَأْتِيَ هَذَا الْمَسْجِدَ أَحَدٌ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ فِيهِ، إِلَّا خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ)، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (أَمَّا اثْنَتَانِ فَقَدْ أُعْطِيَهُمَا، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ أُعْطِيَ الثَّالِثَةَ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني).

وقال القرطبي -رحمه الله-: “إن الآية -أي قوله تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ) (البقرة:127)- والحديث الذي رواه النسائي لا يدلان على أن إبراهيم وسليمان -عليهما السلام- ابتدأ وضعهما، بل كان تجديدًا لما أسس غيرهما” (الجامع لأحكام القرآن). (راجع في ذلك: البداية والنهاية لابن كثير، وكتاب: المسجد الأقصى الحقيقة والتاريخ لعيسى القدومي، وتذكير النفس بحديث القدس لسيد حسين العفاني).

والغرض المقصود: أن المسجد الأقصى مَرَّ بمرحلة تأسيس ثم تجديد، وقد ساهم الأنبياء -عليهم السلام- في بنائه وتجديده، وميراث إبراهيم والأنبياء هو ميراث دين وملة وعقيدة.

ومن هنا نقول: إن القدس والمسجد الأقصى ميراث إسلامي، قال -تعالى-: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) (الأنبياء:105).

القدس في زمن موسى ويوشع -عليهما السلام-:

لما نجَّى الله -تبارك وتعالى- موسى -عليه السلام- ومَن معه مِن بني إسرائيل من فرعون، أمر الله موسى -عليه السلام- ومَن معه أن يدخلوا الأرض المقدسة، وقد كان العرب الكنعانيون يعبدون الأوثان من دون الله -عز وجل-، وكانوا يسكنون الأرض المقدسة، وهنا اعترض بنو إسرائيل، ورفضوا أن يدخلوا الأرض المقدسة مع موسى -عليه السلام-، قال الله -تبارك وتعالى- حاكيًا عن حال موسى مع قومه في سورة المائدة: (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ . قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ . قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ . قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ . قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) (المائدة:21-26).

والمقصود بالجبارين هنا الكنعانيين، وهم العرب الذين سكنوا الأرض المقدسة، وكانوا عملاقة أقوياء أشداء؛ لذلك قال بنو إسرائيل، وقالوا: (إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا)، فحكم الله عليهم بالتيه أربعين سنة وحرم عليهم أن يدخلوا الأرض المقدسة، ومن شدة تعلق موسى -عليه السلام- بالأرض المقدسة تمنى أن يموت بجوارها، فسأل موسى -عليه السلام- ربه -تبارك وتعالى- أن يقبض روحه بالقرب من الأرض المقدسة، عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أن موسى وهارون -عليهما السلام- قد ماتا في فترة التيه، فمات هارون -عليه السلام- في فترة التيه، ثم مات موسى -عليه السلام- في فترة التيه أيضًا بالقرب من الأرض المقدسة بقدر رمية حجر، وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: فَسَأَلَ اللَّهَ أنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بحَجَرٍ، قَالَ: قَالَ رَسولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-: (فلوْ كُنْتُ ثَمَّ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ، إلى جَانِبِ الطَّرِيقِ، عِنْدَ الكَثِيبِ الأحْمَرِ) (أي: لو كنت هنالك لأريتكم قبره بجانب الطريق عند الكثيب الأحمر، أي: عند كوم رمال أحمر)، ثم بعد ذلك يأتي زمن يوشع -عليه السلام-، وذلك بعد أن خرج جيل  جديد، جيل إيماني يستحق أن يدخل الأرض المقدسة، بل يستحق أن يشرف بهذا الفتح، وأن يسعد في الدنيا والآخرة، ويوشع هو فتى موسى الذي صار نبيًّا بعد موسى -عليه السلام-، وبالفعل يتحرك يوشع -عليه السلام- ويدخل بالمؤمنين الموحدين من بني إسرائيل الأرض المقدسة ويفعل ما أراده موسى -عليه السلام- وينتصر بالفعل يوشع علي القوم الجبارين الكنعانين الذين يسكنون الأرض المقدسة.

وقد وقعت حادثة آنذاك خلال فتح يوشع لمدينة القدس، فعندما أوشك يوشع على أن ينتصر في معركته  بعد عصر يوم الجمعة، نظر إلى الشمس وقد أوشكت علي الغروب، وكان في شريعتهم أنه لايجوز القتال في يوم السبت، فخاف يوشعُ -عليه السلام- أنْ يَعجِزوا؛ لأنَّه في شَريعتِهم لا يحِلُّ لهم القِتالُ في يوم السبتِ كما ذكرنا، فدعا اللهَ ألا تغرب، وقال “اللهم احبسها علينا”، فأمْسكَها اللهُ حتى دخَل بيتَ المقدسِ، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ الشَّمْسَ لَمْ تُحْبَسْ عَلَى بَشَرٍ إِلَّا لِيُوشَعَ لَيَالِيَ سَارَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني).

وهكذا أيَّد الله رُسلَه ونَصَر أولياءَه بمُعجزاتٍ وخوارقَ، فلم تتأخَّرْ الشمس يومًا عن دَورانِها وحركتِها، إلَّا ليُوشعَ بن نونٍ.

القدس وبختنصر البابلي:

ثم تمر السنون والأزمنة، ويظهر الفساد في بني إسرائيل الذين دخلوا الأرض المقدسة، فكفروا بالله -عز وجل-، وكذبوا الرسل، وهنا أرسل الله -تعالى- عليهم عدوًّا مِن غيرهم قاتلهم، فأسر منهم خلقًا كثيرًا، وقد قَتَلَ أشرافهم وعلماءهم، وهذا العدو هو (بُختنصر)، وكان رجلًا كافرًا، فدخل بختنصر المدينة المقدسة المباركة واستولى عليها، وعاد بنو إسرائيل إلى العراق، وعاشوا في أرض بابل.

وقد ذهب جمهور المؤرخين إلى أن زمن بختنصر كان بعد عصر داود عليه السلام، وقيل كان بعد حادثة مقتل يحيى عليه السلام.

قال الإمام الطبري: وَهَذَا الْقَوْلُ- الَّذِي رُوِيَ عَمَّنْ ذَكَرْتُ فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ الَّتِي رَوَيْتُ وَعَمَّنْ لَمْ يُذْكَرْ فِي هَذَا الْكِتَابِ، مِنْ أَنَّ بُخْتَنَصَّرَ، هُوَ الَّذِي غَزَا بَنِي إِسْرَائِيلَ عِنْدَ قَتْلِهِمْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّاءَ- عِنْدَ أَهْلِ السِّيَرِ وَالْأَخْبَارِ وَالْعِلْمِ بِأُمُورِ الْمَاضِينَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَعِنْدَ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ غَلَطٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ بِأَجْمَعِهِمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ بُخْتَنَصَّرَ إِنَّمَا غَزَا بَنِي إِسْرَائِيلَ عِنْدَ قَتْلِهِمْ نَبِيَّهُمْ شَعْيَا فِي عَهْدِ إِرْمِيَا بْنِ حلقِيَا، وَبَيْنَ عَهْدِ إِرْمِيَا وَتَخْرِيبِ بُخْتَنَصَّرَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى مَوْلِدِ يَحْيَى بن زكرياء أربعمائة سَنَةٍ وَإِحْدَى وَسِتُّونَ سَنَةً فِي قَوْلِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.

قال ابن الأثير: قَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي أُرْسِلَ فِيهِ بُخْتُنَصَّرُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقِيلَ: كَانَ فِي عَهْدِ إِرْمِيَا النَّبِيِّ، وَدَانْيَالَ، وَحَنَانِيَا، وَعَزَارِيَا، وَمِيَشَائِيلَ. وَقِيلَ: إِنَّمَا أَرْسَلَهُ اللَّهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا قَتَلُوا يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا. وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ.

قلت: وهؤلاء الأنبياء كانوا بعد داود عليه السلام والله أعلم.

وقد ذهب غير واحد من المفسرين إلى: أن هذا الفساد الذي وقع من بني إسرائيل، هو الفساد الأول المذكور في سورة الإسراء، قال -تعالى-: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا . فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا) (الإسراء:4-5)، وقد ذكر بعض المؤرخين أن دخول بختنصر كان بعد زمن سليمان -عليه السلام-، والذي أرجحه أن دخول بختنصر كان بعد الفساد الأول في ذلك الزمان.

ومِن هنا يظهر: أن مدينة القدس هي المؤشر الرئيسي والمعيار الحقيقي لحال الأمم، فلما عاد بنو إسرائيل إلى الله مع يوشع استردوا الأرض المقدسة وأخذوها من الكنعانيين العمالقة، ثم لما ظهر الفساد في بني إسرائيل، حُرموا من الأرض المباركة، وانتقلوا الى أرض بابل بالعراق.

ومن هنا نقول: إن القدس لا تكون إلا للمؤمنين؛ سواء كانوا من بني إسرائيل أو من غيرهم.

القدس في عصر داود وسليمان -عليهما السلام-:

ثم إن الذين هاجروا من بني إسرائيل من القدس إلى أرض العراق، بعد دخول بختنصر وسبي بابل، ندموا بعد فترة من الزمن وتابوا إلى الله -تعالى-، وأرادوا أن يعودوا إلى بيت المقدس مرة أخرى، وأن يجاهدوا ويستردوها، فذهبوا الى نبي لهم، وطلبوا منه أن يدخلوا الأرض المقدسة، وأن يجاهدوا الأعداء، وأعلنوا توبتهم لله -عز وجل-، كما قال -تعالى- في سورة البقرة: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) (البقرة:246)، والنبي المذكور في الآية لم يسمه الله -تعالى-، فقيل: هُوَ شَمْوِيلُ. وقيل: شمعون. وقيل غير ذلك.

ثم كان مِن أمر بني إسرائيل وهم الذين طلبوا الجهاد في سبيل الله، أن تراجع كثير منهم عن الجهاد، قال -تعالى-: (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ)، وهنا أرسل الله -تعالى- إليهم طالوت ملكًا، فاعترضوا على قيادة طالوت للجيش، قال -تعالى-: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة:247).

ثم كانت مرحلة التصفية النهائية وتنقية الجيش، وكان الاختبار في هذه المرحلة عبارة عن الامتناع عن  شرب الماء، قال لهم طالوت: (إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ) (البقرة:249)، وللأسف شرب أغلبهم من النهر ورسبوا في الاختبار، وهناك قلة اكتفت بغرفة واحدة أجازها لهم طالوت، ومن العجيب أن مَن تتابع منهم في الشرب الذي نهي عنه لم يروه الماء، ومَن لم يطعمه إلا كما أُمر، أي: غرفة بيده؛ كفاه ذلك.

وهنا قرر طالوت استبعاد كل من ضعف أمام شهوة شرب الماء، ورأى أن هؤلاء غير مؤهلين لخوض تلك الحرب، فأحوالهم لا تتناسب مع هذا الموقف الجهادي الذي يحتاج إلى رجال من نوع خاص؛ رجال لهم مواصفات خاصة.

ويقال: إن بني إسرائيل كانوا ثمانين ألفًا، ورد ذلك عن السدي وعكرمة، وعن ابن عباس: أنهم كانوا سبعين ألفًا. وقال مقاتل: مائة ألف، فلما أتوا إلى النهر شرب أكثرهم ولم يعبر النهر إلا ثلاثمائة وبضعة عشر كما ثبت في صحيح البخاري، فعن البراء بن عازب قال: “كُنَّا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، نَتَحَدَّثُ: أَنَّ عِدَّةَ أَصْحَابِ بَدْرٍ عَلَى عِدَّةِ أَصْحَابِ طَالُوتَ الَّذِينَ جَاوَزُوا مَعَهُ النَّهَرَ، وَلَمْ يُجَاوِزْ مَعَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ بِضْعَةَ عَشَرَ وَثَلاَثَ مِائَة”، وكان مِن هؤلاء: داود -عليه السلام-.

وهنا يتخذ طالوت قرارًا برد واستبعاد كل مَن ضعف أمام شهوة شرب الماء؛ فلقد استبعد أكثر من 99,5% من الجيش، ولكن هكذا الإيمان بالله -تعالى-، قال -تعالى-: (وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ . فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ) (البقرة:250-251)، وصدق الله إذ يقول: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة:249)، وهكذا لا اعتبار لعددٍ ولا عدة مع قوة الإيمان واليقين بالله -تعالى-، ولكن مع مراعاة موازين القوى وفقه الواقع.

قال الله -تعالى-: (فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ) أي: غلبوهم وقهروهم بنصر الله لهم، وقتل داود جالوت.

ثم آل الملك إلى داود -عليه السلام- مع ما منحه الله به من النبوة العظيمة؛ ولهذا قال -تعالى-: (وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ) الذي كان بيد طالوت (وَالْحِكْمَةَ) أي: النبوة.

وهكذا عاد بنو إسرائيل إلى الأرض المقدسة مرة أخرى، وذلك زمن داود -عليه السلام-، ثم مات داود -عليه السلام-، وورث سليمانُ داود، وهنا قام سليمانُ -عليه السلام- بإقامة وتشييد المدينة المقدسة على أفخر طراز في العالم آنذاك، حيث كان سليمان -عليه السلام- يحب الفخامة والوجاهة، فأقام المدينة وشيدها، وشيد المسجد الأقصى المبارك، واليهود يزعمون أن سليمان -عليه السلام- بنا معبدًا يتعبد فيه لله -تعالى-، وهذا هو الهيكل المزعوم الذي يبحث عنه اليهود، ولو أننا سلمنا بوجود ذلك المعبد فقد تم تدميره بالكلية، حيث إن مدينة القدس قد تعرضت للهجوم والتدمير عدة مرات، بل وسلمنا بوجود معبد سليمان، فنحن أحق به، فإن سليمان -عليه السلام- كان مؤمنًا موحدًا، واليهود لا يقرون بنبوته -عليه السلام-.

وفي الحديث: (لَمَّا فَرَغَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ مِنْ بِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، سَأَلَ اللَّهَ ثَلَاثًا: حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ، وَمُلْكًا لَا يَنْبَغِي لَأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَلَّا يَأْتِيَ هَذَا الْمَسْجِدَ أَحَدٌ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ فِيهِ، إِلَّا خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ)، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (أَمَّا اثْنَتَانِ فَقَدْ أُعْطِيَهُمَا، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ أُعْطِيَ الثَّالِثَةَ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني).

انقسام القدس واحتلال الرومان:

لقد مات سليمان -عليه السلام- بعد أن شيَّد وأقام المدينة والمسجد الأقصى، ثم تعرضت المدينة لحرب أهلية، وقد انقسمت المملكة على إثرها إلى شطرين: (القسم الجنوبي وهو يهوذا، وعاصمته: أورشليم القدس)، و(القسم الشمالي وهو مملكة إسرائيل).

ولقد احتل الرومان فلسطين ومدينة القدس بقيادة قيصر الروماني (بومبي) عام (63) ق.م، ثم في عام (37) ق.م تعرضت المدينة للحصار والقذف بالمنجنيق عن طريق هيرودس الآدومي، ثم تعرضت القدس المباركة للنهب والحرق على يد تيتوس الروماني، وكان ذلك عام 70 م، وهكذا انتشرالدمار والخراب منذ أن دخل الرومان المدينة المباركة، وقد كانت المدينة تعرف في ذلك الزمان بمدينة (إليا) أو (إلياء)؛ ولذا نقول: إنه على فرض وجود ما يعرف بالهيكل؛ فلا ريب أنه قد تم تدميره خلال تلك الحروب.

يحيى وعيسى -عليهما السلام-:

وقد دلت النصوص والآثار على أن يحيى وعيسى -عليهما السلام- قد اجتمعا في المدينة المقدسة مع بني إسرائيل، وقد اجتمع يحيى بأتباعه من بني إسرائيل في المسجد الأقصى؛ فقد روى الترمذي في سننه بسند صحيح من حديث الحارث بن الحارث الأشعري أن النبي -صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم- قال: (إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا وَيَأْمُرَ بني إسرائيل أَنْ يَعْمَلُوا بِهَا، وَإِنَّهُ كَادَ أَنْ يُبْطِئَ بِهَا، فَقَالَ عِيسَى: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَكَ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ لِتَعْمَلَ بِهَا وَتَأْمُرَ بني إسرائيل أَنْ يَعْمَلُوا بِهَا، فَإِمَّا أَنْ تَأْمُرَهُمْ، وَإِمَّا أَنَا آمُرُهُمْ، فَقَالَ يَحْيَى: أَخْشَى إِنْ سَبَقْتَنِي بِهَا أَنْ يُخْسَفَ بِي أَوْ أُعَذَّبَ، فَجَمَعَ النَّاسَ فِي بَيْتِ المَقْدِسِ، فَامْتَلَأَ المَسْجِدُ وَقَعَدُوا عَلَى الشُّرَفِ -جمعُ شُرْفةٍ، وهي: الأماكنُ المرتفِعةُ في المسجدِ وحولَه- فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ أَعْمَلَ بِهِنَّ، وَآمُرَكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا بِهِنَّ: أَوَّلُهُنَّ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا… ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

وللحديث بقية -إن شاء الله-.

مقالات ذات صلة:

Scroll to Top
Send this to a friend