مقالات تاريخية
الولاة والوحدات الإدارية (2)

الولاة والوحدات الإدارية (2)
كان النبي ﷺ يتخذ أمراءه من الصحابة رضي الله عنهم من ذوي العلم والكفاية والكفاءة والجاه والسلطان، والذين لهم مقدرة على بعث الإيمان في نفوس مَن يُرسَلون إليهم([1]).
لم تكن مهمة الأمراء إدارية فقط، بل كانت دعوية تعليمية في المقام الأول، فقد كانوا يؤمون الناس في الصلاة، ويعلمونهم مبادئ الإسلام، خاصةً وقد كان الناس في هذا الوقت حديثي عهد بإسلام، يحتاجون لتثبيت الإيمان في قلوبهم، وكانت هذه هي المهمة الأولى للسلطة التنفيذية في هذا العصر.
كانت اعتبارات الكفاءة تتغلب على اعتبارات السن أو الغنى أو أسبقية الإسلام عند الرسول ﷺ، وظهر هذا بوضوح حين رفض أن يولي أبا ذر الغفاري رضي الله عنه رغم سابقته وفضله، فحين سأله قائلاً: يا رسولَ الله ألا تستعملُني (ألا توليني)؟ قال: فضرب بيدهِ على منكبي، ثم قال: “يا أبا ذرٍّ إنك ضعيفٌ وإنها أمانةٌ وإنها يومَ القيامةِ خزيٌ وندامةٌ إلا من أخذها بحقّها وأدَّى الذي عليه فيها”([2]).
رغم أن النبي ﷺ شهد له بالمكانة الكبيرة عنده حين قال: “ما أظلَّتِ الخضراءُ ولا أقلَّتِ الغبراءُ من ذي لهجةٍ أصدقَ من أبي ذرٍّ“([3])، لكن هذا شيء، وتولِّي مهمة إدارية لا تتناسب مع صفات أبي ذر رضي الله عنه شيء آخر.
وكان النبي ﷺ يوضح دائمًا أن الولاية أمانة، وأن التســرع إلى تحملهــا خيانــة، فعــن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَا وَرَجُلَانِ مِنْ بَنِي عَمِّي، فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمِّرْنَا عَلَى بَعْضِ مَا وَلَّاكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالَ الآخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: “إِنَّا وَاللَّهِ لَا نُوَلِّي عَلَــى هَذَا العَمَــلِ أَحَـدًا سـَأَلَهُ، وَلَا أَحـَدًا حَـرَصَ عليـه“([4])، لــذلك وجَّه النبــي ﷺ أصــحابه رضــي الله عــنهم إلــى عــدم التســرع في طلــب الإمارة، وقال لعبد الرحمن بن سَمُرَة رضي الله عنه: “يا عَبْدَ الرَّحْمَنِ ابْنَ سَمُرَةَ، لا تَسْأَلِ الإِمارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَها عَن مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْها، وإِنْ أُعْطِيتَها عَن غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عليها“([5]).
كـــان تحديد الاختصاصــــات للـــولاة يــتم إمـــــا بصـــورة شـــفويّة أو بصورة مكتوبــة، كما يتضـــح من كتاب النبي ﷺ لعمرو بن حزم رضي الله عنه، حين ولاّه نجران([6])، وكتابه لعبادة بن الأشيب العنزي رضي الله عنه([7])، وكتابــه -كـــذلك- لرفاعة بن زيد الجذامي رضي الله عنه([8]) حين ولاّهم على أقوامهم.
كانت مهمة الولاة تعليم الناس الإسلام، وإمامتهم في الصلاة، والنظر في الأحكام، وفض المنازعات، وجمع الزكاة والخراج والجزية، وتطبيق الحدود، وحماية أمر الدين، وتدبير أمر الجند في ولاياتهم، وتنظيمهم وقيادتهم في جهاد مَن يجاورهم من الكفار، إلى غير ذلك من الأمور([9]).
وقد اتضـحت هذه المهام من خـلال كتاب النبي ﷺ إلى عمـرو بن حـزم رضي الله عنه، والذي جاء فيه: (وقد جاء فيه: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا بيان من الله ورسوله، يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود، عهد من محمد النبي رسول الله لعمرو بن حزم، حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى الله في أمره كله. فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأمره أن يأخذ بالحق كما أمره الله، وأن يبشر الناس بالخير، ويأمرهم به، ويعلم الناس القرآن، ويفقههم فيه، وينهى الناس، فلا يمس القرآن إنسان إلا وهو طاهـر، ويخـبر النـاس بالذي لهم، والذي عليــهم، ويلــــين للناس في الحق، ويشـــتد عليهم في الظــــلم، فإن الله كره الظلم، ونهى الناس عنه، فقال: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ويبشر الناس بالجنة وبعملها، وينذر الناس النار وعملها، ويستأنف الناس حتى يفقهوا في الدين، ويعلم الناس معالم الحج وسنته وفريضته، وما أمر الله به …)([10]).
كان الوالي في بعض الأحيان يقوم بكل هذه المهام والتكليفات مجتمعة، وفي أحيان أخرى كانت تُقسَّم بين أكثر من رجل، فقد استعمل النبي ﷺ أبا سفيان بن حرب على نجران، فولاَّه على الصلاة والحرب، ووجَّه راشد بن عبد ربه السُّلَمى أميرًا على المظالم والقضاء على نفس المدينة([11])، وبعث عليًّا إلى اليمن قاضيًا للأخماس، في نفس الوقت الذي أرسل فيه معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري معلِّمين للقرآن وقبْض الصدقات على اليمن كذلك، رضي الله عنهم([12]).
❄ وقد ضمنت الدولة مجموعة من الحقوق للولاة، كان من أهمها:
طاعة الناس لهم في المعروف، والتي ربطها النبي ﷺ بطاعة الله ورسوله ﷺ فقال: “مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ يُطِعِ الأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ يَعْصِ الأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي، وَإِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِه، فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَعَدَلَ، فَإِنَّ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرًا وَإِنْ قَالَ بِغَيْرِهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ”([13]).
قال ابن حجر رحمه الله: قال الخطابي: قيل: كانت قريش ومَن يليها من العرب لا يعرفون الإمارة، فكانوا يمتنعون على الأمراء، فقال هذا القول يحثهم على طاعة من يُؤَمِّرهم عليهم والانقياد لهم إذا بعثهم في السرايا، وإذا ولَّاهم البلاد فلا يخرجوا عليهم لئلا تفترق الكلمة([14]).
كذلك ضمنت لهم حقوقًا مادية، فكان يعين لكل منهم راتبًا يكفيه، إما نقدًا، أو عينًا، فقد عيَّن النبي ﷺ لعَتَّاب بن أَسِيد والي مكة، درهمًا عن كل يوم (كراتب يومي)([15])، وهذا الراتب هو أول ما وُضع من الرواتب للعمال، في حين خصَّص لقيس بن مالك الهمذاني رضي الله عنه قطعة أرض يأخذ نتاجها، ويكون ذلك لذريته من بعده([16])، وهو نوع من الضمان الاجتماعي (المعاش) في هذه الفترة المبكرة جدًّا من تاريخ الإسلام.


