
بقلم/ د. زين العابدين كامل
الجذور التاريخية والموقع الجغرافي:
تقع مدينة غرناطة في الجنوب الشرقي من إسبانيا، وهي محمية من الشمال بمرتفعاتٍ مطلةٍ على نهر الوادي الكبير، ومن الجنوب بنهر «شنيل».
ومعنى غرناطة: «رُمّانة» بلسان عجم الأندلس، سُمِّيت المدينة بذلك لحسنها.
قال الأنصاري: «وهي أقدم مدن كورة البيرة من أعمال الأندلس، وأعظمها وأحسنها، وأحصنها، يشقها النهر المعروف بنهر قلزم في القديم، ويعرف الآن بنهر حداره، يلقط منه سحالة الذهب الخالص»[1].
وقد قيل: إن أول مَن سكنها قبائل الإيبيروس، وقد سكنوا سفوح الجبال، وقد أطلق اليونان على غرناطة «أليبيري»، وجعلوها عاصمة إقليمية، ثم جاء بعدهم قبائل الواندال، أو الفاندال، ثم القوط ثم العرب.
ولا شك أن الموقع الجغرافي لغرناطة كان هو السبب في جعلها مطمعًا للغزاة، فضلًا عن أنها تتمتع بجمالها الساحر، وكثرة جداول المياه والأنهار والحدائق والبساتين بها، ثم جمال مساجدها وشوارعها، وحولها سلسلة من الجبال من الناحية الشمالية، وهذا كله جعلها مِن أجمل مدن العالم؛ ولذا لقَّبها البعض بعروس الأندلس.
غرناطة في العصر الإسلامي:
دخلها المسلمون أثناء فتح بلاد الأندلس نهاية القرن الأول الهجري، وقد أقام المسلمون حضارة مزدهرة ودولة قوية أصبحت منارة للعلم في الأندلس، ومنذ الفتح الإسلامي للأندلس وحتى سقوط الدولة الأموية عام (132هـ/750م)، كانت الأندلس عبارة عن ولاية تابعة للخلافة الأموية، وتعاقب في هذه الفترة الزمنية على الأندلس عشرون واليًا تولى اثنان منهم مرتين.
ثم كان عصر الدولة الأموية في الأندلس، والذي يبدأ بدخول عبد الرحمن الداخل – صقر قريش- لبلاد الأندلس وسيطرته على مقاليد الأمور عام (138هـ/756م)، وحتى عام (422هـ/1031م)، وهو عام سقوط الدولة الأموية في بلاد الأندلس، وخلال تلك الفترة شهدت بلاد الأندلس ازدهارًا وتقدمًا في شتى المجالات، وقد شملت تلك النهضة مدينة غرناطة، كما شهدت تلك الفترة أيضًا بعض الثورات وحركات التمرد.
ثم تلا ذلك عصر ملوك الطوائف، والذي استمر حتى عام (479هـ/1086م)، وهو من أخطر العصور على الأندلس؛ فمِن سمات ذلك العصر: انتشار الفساد، والصراع بين ملوك الطوائف، واندلاع بعض الحروب بينهم؛ طمعًا في توسيع نطاق المُلك والسيطرة، وكذا انتشار الترف ووقوع المعاصي، وترك الجهاد، والركون إلى الدنيا.
وقد أدَّى ذلك إلى ضعف المسلمين، وتنامي قوة النصارى، وفي ذلك العصر قُسِّمَتْ بلاد الأندلس إلى سبع مناطق رئيسة؛ وهي كما يلي: بنو عباد، وبنو زيري، وبنو جهور، وبنو الأفطس، وبنو ذي النون، وبنو عامر، وبنو هود، وقد وصل عدد الدويلات الإسلامية داخل أراضي الأندلس عامة إلى اثنتين وعشرين دويلة؛ ولذا استطاع النصارى أن يسيطروا على كثيرٍ مِن مدن الأندلس في ذلك العصر.
ثم تلا ذلك عصر المرابطين: وذلك أن ملوك الطوائف قد استنجدوا بالمرابطين لإنقاذ الأندلس، وفي عصر المرابطين استردت دولة الإسلام في الأندلس قدرًا من قوتها، ثم جاء عصر الموحدين، ثم عصر ملوك بني الأحمر في غرناطة.
سقوط مدينة غرناطة:
لقد كانت مدينة غرناطة هي آخر مدن الأندلس سقوطًا، ففي نهاية القرن التاسع الهجري نظرت غرناطة حولها فلم ترَ مدينة ببلاد الأندلس إلا وسقطت في أيدي الأعداء، ولم يبقَ في الأندلس إلا هي، وذلك بعد أن تمزقت الدولة، وتحولت إلى دويلات صغيرة وضعيفة.
وهكذا لم يبقَ أمام الأعداء سوى غرناطة، فحاصرها ملوك النصارى لتسعة أشهر، حتى قرر آخر ملوك الأندلس أبو عبد الله محمد بن الأحمر تسليم المدينة لفرناندو الخامس، وأُعلن يومها أن مدينة غرناطة أصبحت تابعة للكاثوليك، وأن حكم المسلمين للأندلس قد انتهى، وكان ذلك عام (897هـ/1492م)، وبهذا التسليم تم طي صفحة التاريخ الإسلامي في بلاد الأندلس.
علمًا بأن هناك مَن خرج ورفض فكرة التسليم، وطالب بالقتال والدفاع عن المدينة حتى الموت، وعلى رأس هؤلاء: موسى بن أبي الغسان رحمه الله، فيروى أنه انطلق بمفرده وهو يحمل سلاحه ويمتطى جواده، وقد قابل سرية من سرايا النصارى، فقاتلهم وقتل عددًا منهم، ثم قُتل هو في سبيل الله.
قال الدكتور محمد عبد الله عنان معلِّقًا على موقفه: «فقد حاول كعادته أن يبثَّ بكلماته الملتهبة قبسًا أخيرًا من الحماسة؛ وكان مما قال: «لم تنضب كل مواردنا بعد، فما زال لنا مورد هائل للقوة، كثيرًا ما أدَّى المعجزات؛ ذلك هو يأسنا، فلنعمل على إثارة الشعب، ولنضع السلاح في يده، ولنقاتل العدو حتى آخر نسمة، وإنه لخير لي أن أُحصى بين الذين ماتوا دفاعًا عن غرناطة، من أن أحصى بين الذين شهدوا تسليمها!»، على أن كلماته لم تؤثِّر في هذه المرة، فقد كان يخاطب رجالًا نضب الأمل في قلوبهم، وغاضت كل حماسة، ووصلوا إلى حالة من اليأس لا تنجع فيها البطولة، ولا يحسب للأبطال حساب»[2].
لقد كان موسى آخِر نَفَسٍ من أنفاس الحياة في الأندلس، وكان آخِرَ سَطْرٍ في سِفر أمجاد المسلمين؛ ذلك السفر الذي كَتَبَهُ العربُ المسلمون في ثمانمائة عام.
وهكذا طُويت آخر صفحة من تاريخ المسلمين في الأندلس، وكان ذلك في ربيع الأول عام (897هـ/1492م)، فبسقوط غرناطة سقطت دولة الإسلام في الأندلس.
ثم مارس النصارى سياسة القهر ضد المسلمين، مثل: القتل والتعذيب، والتهجير، والإكراه على اعتناق النصرانية.
إن مِن أفضل الكلمات التي قيلت في رثاء الأندلس: ما ذكره المستشرق الإنكليزي استانلي بول في كتابه: «قصة العرب في إسبانيا»، والذي تناول فيه تاريخ المسلمين والعرب منذ الفتح، وحتى إخراج آخرهم منها، فقال: «الإسبان لم يدركوا أنهم قتلوا الإوزة التي تبيض بيضة من ذهب في كل يوم، فقد بقيت إسبانيا قرونًا في حكم العرب وهي مركز المدنية، ومنبع الفنون والعلوم، ومثابة العلماء والطلاب، ومصباح الهداية والنور، ولم تصل أي مملكة في أوروبا إلى ما يقرب منها في ثقافتها وحضارتها، ولم يبلغ عصر فرديناند وإيزابيلا القصير المتلألئ، ولا إمبراطورية شارل الخامس، الأوج الذي بلغه المسلمون في الأندلس!».
ويضيف: «إن حضارة العرب بقيت إلى حين خروجهم من إسبانيا وضَّاءة لامعة، ولكن ضوءها كان يشبه ضوء القمر الذي يستعير نوره من الشمس، ثم أعقب ذلك كسوف بقيت بعده إسبانيا تتعثر في الظلام، وإنا لنحس فضل العرب وعظم آثار مجدهم، حينما نرى بإسبانيا الأراضي المهجورة القاحلة، التي كانت في أيام المسلمين جنات تجري من تحتها الأنهار، تزدهر بما فيها من الكروم، والزيتون، وسنابل القمح الذهبية، وحينما نذكر تلك البلاد التي كانت في عصور العرب تموج بالعلم والعلماء، وحينما نشعر بالركود العام بعد الرفعة والازدهار».
وقال في موضع آخر: «لقد كانت الأندلس في العصور الوسطى شعلة النور ومنار الهداية، وكانت جامعاتها بقرطبة، وإشبيلية، وغرناطة، وغيرها، ملتقى طلاب العلم من الشرق والغرب، وكان فيها للأدب والشعر والفنون عامةً منـزلة لم تكد تصل إليها أمة، وإذا تحدثنا عن فنون العمارة، والهندسة، والنقش، وغيرها، طال بنا الكلام.
إن سقوط الأندلس لم يكن إلا سقوط النجم المتلألئ اللامع، وانهيار الجبل الأشم الراسخ، وإن دولة في الأرض لم تُشيَّع بعبرات العيون، وحسرات القلوب، كما شُيِّعت الأندلس، ولم يبكِ الشعراءُ مُلْكًا طواه الزمان كما بكوا مُلك الأندلس، ولم يقف المؤرخون وهم يدوِّنون خاتمة أمة حاسري الرؤوس خاشعين، يرسلون الزفرات، كما وقفوا عند قبر دولة العرب بالأندلس!»[3].
زفرة العربي الأخيرة:
في رواية قشتالية – لقد غادر آخر ملوك الأندلس أبو عبد الله محمد بن الأحمر مدينة غرناطة، وذلك بعد أن قام بتسليمها إلى النصارى، وعند مغادرته وقف على ربوة عالية تطل على قصور الحمراء، يتطلع إلى المجد الضائع، ويتأمل جمال غرناطة، ويذكر أمجاد المسلمين، ثم زفر زفرة تنم عن ألمه وحزنه على ضياع ملك المسلمين في الأندلس، ثم بكى بكاءً شديدًا[4]، ولا يزال ذلك المكان معلومًا حتى وقتنا الحاضر.
وهكذا تحوَّل التاريخ الحضاري للمسلمين في الأندلس إلى أطلال!
المعالم الحضارية بمدينة غرناطة:
قصر الحمراء:
يُعد قصر الحمراء من أروع القصور في تاريخ العمارة الإسلامية، ومن أعظم وأروع الآثار الأندلسية الباقية، وهو جزءٌ من معالم مدينة غرناطة الأثرية، ويعود تاريخ قصر الحمراء إلى عصر بني الأحمر، فبعد أن استوطن بنو الأحمر بغرناطة أخذوا يبحثون عن مكان مناسب يوفِّر لهم القوة والمنعة، فاستقروا عند موقع الحمراء في الشمال الشرقي من غرناطة، وشيَّدوا القصر الذي أصبح حصنهم، وأنشأوا فيه عددًا من الأبراج المنيعة القوية، وأقاموا سورًا ضخمًا حول القصر، وقد سُمي قصر الحمراء بهذا الاسم نسبة إلى لون الحجارة الذي كان يميل إلى الحمرة[5].
التقدم العلمي والصناعي والعمراني:
لقد احتلت مدينة غرناطة مرتبة عالية في بلاد الأندلس، فقد كثرت فيها المدارس والمعاهد العلمية في القرن الثامن الهجري، وكان المسجد يُمثِّل مركزًا للحياة الدينية والاجتماعية والسياسية والثقافية، وكذا توفَّرت فيها الاختراعات، مثل: المدافع التي ترمي نوعًا من المحروقات، وتحويل البارود إلى طاقة قاذفة، وانتقلت عنهم إلى أوروبا، وما يزال متحف مدريد الحربي يحفظ حاليًا البنادق التي استعملها المسلمون في دفاعهم عن غرناطة.
وفي مجال الصناعات حدث تقدم ملحوظ في صناعة السفن، ثم الأنسجة، وصناعة الورق والفخار المذهب، وأنتجت الكثير في ميدان الأصباغ والدباغة والجلود، وصناعة الحُلي.
وأما عن التقدم في فنِّ العمارة، فقد ظهر ذلك جليًّا في أبنية قصر الحمراء، والمساجد، والقصور، والدور، والقناطر، وكذلك المباني الحربية المتعددة.
وقد غدت مدينة غرناطة من أجمل مدن العالم بشوارعها وميادينها، وحدائقها ومبانيها، ومرافقها المتنوعة[6].
وأختم بهذه الكلمات: لقد كانت الأندلس في العصور الوسطى شعلة النور ومنار الهداية، وكانت جامعاتها بقرطبة، وإشبيلية، وغرناطة، وغيرها ملتقى طلاب العلم من الشرق والغرب، وكان فيها للأدب والشعر والفنون عامةً منـزلة لم تكد تصل إليها أمة، وإذا تحدثنا عن فنون العمارة، والهندسة، والنقش، وغيرها، طال بنا الكلام، إن سقوط الأندلس لم يكن إلا سقوط النجم المتلألئ اللامع، وانهيار الجبل الأشم الراسخ.
[1] الحموي، معجم البلدان (4/195).
[2] محمد عبد الله عنان، دولة الإسلام في الأندلس (5/241).
[3] ستانلي لين بول: قصة العرب في الأندلس، ترجمة علي الجارم.
[4] محمد عبد الله عنان: المرجع السابق (5/229).
[5] محمد عبد الله عنان: الآثار الأندلسية الباقية في إسبانيا والبرتغال (ص189–190).
[6] محمد عبد الله عنان: المرجع السابق (ص193–214).




