في البداية كانت مكة، وفي البداية كان محمد ﷺ وفي البداية كانت النبوة، وفي البداية كانت الدعوة، ثلاث سنوات يدعو النبي ﷺ قومه إلى عبادة الله وحده في السر والخفاء، حتى كوّن نواة الإسلام الأولى، بعدها سارت الدعوة العلنية مسارها عشر سنوات في مكة، قوبلت بالصد والاضطهاد والتعذيب للمسلمين الأوائل، كان الليل مدلهما على أصحاب النبي وهم يعانون غصص التعذيب في مكة، بلال وصهيب وعمار، ألوان من القهر والتنكيل نالوها، فَأَخَذَهُمَ الْمُشْرِكُونَ فَأَلْبَسُوهُمْ أَدْرَاعَ الْحَدِيدِ وَصَهَرُوهُمْ فِي الشَّمْسِ، فَمَا مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ إلَّا وَأَتَاهُمْ عَلَى مَا أَرَادُوا، إلَّا بِلَالًا فَإِنَّهُ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِي اللهِ وَهَانَ عَلَى قَوْمِهِ، فَأَخَذُوهُ فَأَعْطَوْهُ الْوِلْدَانَ، فَجَعَلُوا يَطُوفُونَ بِهِ فِي شِعَابِ مَكَّةَ، وَهُوَ يَقُولُ: أَحَدٌ أَحَدٌ ([1]).
ثلاثة عشر سنة بلغ العذاب فيها مرحلة لا يطيقها الأصحاب حتى شكو إلى النبي ﷺ ما يصيبهم يقول خباب بن الأرت أحد أبطال تلك المأساة: شَكَوْنَا إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً له في ظِلِّ الكَعْبَةِ، قُلْنَا له: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟ قالَ: «كانَ الرَّجُلُ فِيمَن قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ له في الأرْضِ، فيُجْعَلُ فِيهِ، فيُجَاءُ بالمِنْشَارِ فيُوضَعُ علَى رَأْسِهِ فيُشَقُّ باثْنَتَيْنِ، وما يَصُدُّهُ ذلكَ عن دِينِهِ، ويُمْشَطُ بأَمْشَاطِ الحَدِيدِ ما دُونَ لَحْمِهِ مِن عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وما يَصُدُّهُ ذلكَ عن دِينِهِ، واللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هذا الأمْرَ، حتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِن صَنْعَاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ، لا يَخَافُ إلَّا اللَّهَ، أَوِ الذِّئْبَ علَى غَنَمِهِ، ولَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ»([2]).
هذه كانت الحال المؤلمة، ظلام دامس لا مخرج له، لكن النبي ﷺ نظر من خلف الضباب ورأى النور المبين، وترسخ في قلبه أن الله سيمكن لدينه، وأن هذه القلة المستضعفة ستتربع على عرش دولة عظيمة تؤمن الخائفين وتحكم أرجاء الأرض بالعدل، وأن هذا العذاب عارض وهو إلى زوال مهما طال أجله، وكان النبي ينطق وفق سنة الله في خلقه، ألم يتلو من قبل قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55]؟؟
وكان الأمل في الهجرة، هجرة الحبشة التي هاجرها المؤمنون المستضعفون، واضطروا إلى اللجوء في أحضان دولة نصرانية (الحبشة)، والعيش تحت راية ملكها النجاشي العادل، ليس هذا الوطن الذي تربَّوا فيه فقسا عليهم وقهرهم ورفضهم اجتماعيًّا وسياسيًّا لأجل معتقدهم، الوطن الحقيقي هو الذي سمح لهم بممارسة شعائرهم، في أمان ورعاية، حتى إنني لأستشعر من هؤلاء المهاجرين الأوائل هذا الأُنس وهذا الانتماء في حديث أم سلمة رضي الله عنها، وهي تُحدِّث عن هذه التجرِبة، فتقول: «وَأَقَمْنَا عِنْدَهُ بِخَيْرِ دَارٍ مَعَ خَيْرِ جَارٍ.. فَوَاللهِ إِنَّا عَلَى ذَلِكَ إِذْ نَزَلَ بِهِ. (مَنْ يُنَازِعُهُ فِي مُلْكِهِ)، فَوَاللهِ مَا عَلِمْنَا حُزْنًا قَطُّ كَانَ أَشَدَّ مِنْ حُزْنٍ حَزِنَّاهُ عِنْدَ ذَلِكَ، تَخَوُّفًا أَنْ يَظْهَرَ ذَلِكَ عَلَى النَّجَاشِيِّ فَيَأْتِيَ رَجُلٌ لَا يَعْرِفُ مِنْ حَقِّنَا مَا كَانَ النَّجَاشِيُّ يَعْرِفُ مِنْهُ».. هكذا كانت فرحتهم، ثم كانت أحزانهم خوفًا من أن تفارقهم نعمة الأمن.. بل يحملهم ذلك على أن دَعَوا الله أن ينصر النجاشي وهو على غير دينهم، قالت: «وَدَعَوْنَا اللهَ لِلنَّجَاشِيِّ بِالظُّهُورِ عَلَى عَدُوِّهِ وَالتَّمْكِينِ لَهُ فِي بِلَادِهِ، وَاسْتَوْسَقَ عَلَيْهِ أَمْرُ الْحَبَشَةِ، فَكُنَّا عِنْدَهُ فِي خَيْرِ مَنْزِلٍ، حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ بِمَكَّةَ»([3]).
ثم تكون تجربة أخرى للنبي ﷺ نفسه، فيخرج إلى الطائف يَعْرِض نفسه على أهلها، ويكون الصد والإعراض والاستهزاء([4])، وتجربة أخرى وهو يعرض نفسه على القبائل في مواسم الحج، يقول جابر بن عبد الله ﭭ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى النَّاسِ فِي الْمَوْقِفِ([5]) فَقَالَ: «أَلَا رَجُلٌ يَحْمِلُنِي إِلَى قَوْمِهِ فَإِنَّ قريشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي»([6]).
إذا تهيَّأ الوطن تهيأت الدعوة، وتهيأت التربية، وتهيأ الإصلاح، وصلَحت الأرض لاستقبال البذرة.. فأَتَى ﷺ كِنْدَةَ، وأَتَى كَلْبًا، وأَتَى بَنِي حَنِيفَةَ، وأَتَى بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وأَتَى بني شيبان([8]). منهم مَن تحمَّس وفكر، ومن خاف وأبى، ومن عاند واستكبر، ومن وضَع الشروط وساوم على المُلك، وفي الأخير كان الأنصار هم أصحاب تلك المفازة، منحوه الوطن، فكانت الدولة!
كانت الهجرة إلى المدينة ضرورة ملحة فرضتها الأحداث التي أحاطت بالنبي ﷺ وأصحابه في مكة، وألزمته السعي إلى مكان آخر تُمارس فيه شعائر الإسلام، وتُطبّق أحكامه، وتنطلق دعوته إلى كل مكان، دون مزاحمة أو تضييق، ومكة حينذاك لم تعد صالحة لهذه الفترة من عمر الرسالة، لأن العداء قد بلغ بها كل مدى ضد الدين الجديد، وأصبحت هناك صعوبة بالغة في استكمال الدعوة التي تحتاج إلى دولة حتى تنجح رسالتها.
لذا شكّلت الهجرة النبويّة إلى المدينة المنوّرة المنعرج الأهمّ في قيام دولة الإسلام، حيث أصبح للمسلمين وطنٌ يعيشون فيه، وحريّةٌ في إعلان مبادئهم وتطبيق شرائعهم، وإدارة تنظم أمورهم، ورجالٌ يدافعون عنهم.
ولم تكن يثرب عندما نزلها النبي ﷺ مدينة بالمعنى المعروف، وإنما كانت واحات متفرقة في سهل فسيح يسكنها قبائل الأوس والخزرج والجماعات اليهودية، فنظّم النبي ﷺ العمران بالمدينة، وشق بها طرقًا معبّدة، وكان المسجد هو الأساس في هذا التنظيم، انتظم حوله عمران المدينة الجديدة، واتسقت شوارعها.
وكان هذا المسجد هو مقر الرئاسة الذي تقام فيه الصلاة، وتُبرم فيه كل الأمور، وتُعقد به مجالس التشاور للحرب والسلم واستقبال الوفود، وبجوار المسجد اتخذ النبي ﷺ مساكنه، وكانت متصلة بالمسجد، بحيث يخرج منها إلى صلاته مباشرة، الأمر الذي أطرد في حياة الخلفاء من بعده، أن تُبْنى المساجد وبجوارها بيوت الولاة ودواوين الحكم.
وأصلح النبي ﷺ ما بين الأوس والخزرج وأزال كل عداوة في قلوبهم، وجمعهما في اسم واحد هو الأنصار، ثم آخى بينهم وبين المهاجرين على أساس أن المؤمنين إخوة، وكانت المرة الأولى التي يعرف فيها العرب شيئًا يسمى الأخوة دون قرابة أو صلة رحم.
وبعد المؤاخاة كانت الصحيفة، وهي الدستور الذي وضعه النبي ﷺ لتنظيم الحياة في المدينة مع اليهود، وتحديد العلاقات بينها وبين جيرانها، ولا يكاد يُعرف من قبل دولة قامت منذ إنشائها على أساس دستور مكتوب غير هذه الدولة الإسلامية الجديدة، فإنما تقام الدول أولًا، ثم يتطور أمرها إلى وضع دستور.
وأدت هذه السياسة الحكيمة إلى قيام جماعة متآلفة متحابة، وإلى ازدياد عدد سكان المدينة حتى زاد عدد سكانها عما كانوا عليه أكثر من خمس مرات، بعد أن أقبل الناس على سكناها؛ طلبًا للأمن والعدل في ظل الإسلام، والتماسًا لبركة مجاورة النبي ﷺ، واستجابة لما دعا إليه القرآن من الهجرة إلى الله وإلى رسوله.
عشر سنوات ودولة الإسلام الفتية تزداد فيها قوة وتتطور وتفتح قلوبَ العباد والبلادَ، بلغ ذلك إلى فتح مكة نفسها التي حاربت الدعوة، وتوافدت قبائل العرب يدخلون في دين الله أفواجًا، بل وصل إلى إرسال الرُسل والمكاتبات يدعو فيها النبي ﷺ الملوك والأمراء، وقادة الأمم والشعوب، إلى الإسلام، على رأسهم كسرى وقيصر ملكا فارس والروم أكبر دولتين في العالم وقتئذ، وانتشر الإسلام بالسفارات النبوية انتشارًا واسعًا في تسعة أقطار هي: اليمامة، وعُمان، والبحرين، واليمنفي أربع مناطق شاسعة منها، وحضرموت، والحبشة، وكانت هذه الرسائل نقطة تحول في سياسة دولة الإسلام إضافة إلى شعبها الآمن وحكمها العادل، وجيشها الذي قوي على الغزوات والحروب، فعظم شأنها، وأصبحت لها مكانة بين الدول.
إلى أن مات الرسول ﷺ وترك خلفه دولة الإسلام قائمة على قدم وساق، تسير أخبارها في الآفاق.
كانت الهجرة هي المنحة العظمى بعد محنة الاضطهاد والتعذيب، وها هم المستضعفون أنفسهم سلمان وبلال وصهيب يمر عليهم أبو سفيان بن حرب في دولتهم الجديدة، في وقت الهدنة، فما كان منهم إلا أن قالوا بكل عز وفخار: والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها([9]).
لقد ارتقى بلال واستنهض من تحت الصخرة التي كان يعذب بها في صحراء مكة، إلى أن صعد فوق الكعبة -يوم فتحها النبي ﷺ- أمام مَن كان يعذبه، ليقف فوق سقفها يرفع بصوته الندي الأذان([10])، لتكتمل أنشودته الأثيرة: أَحَدٌ أَحَدٌ، بالتكبير والشهادتين والتوحيد في صدى الأذان الخالد.
الأذان فوق البيت الذي كان يطوف به الصحابة خفية، الأذان في مكة وقد عاشوا ثلاثة عشرة سنة يصلون متخفين في جو من الرعب والحذر..
وهذا خباب بن الأرت يعيش حتى خلافة عمر بن الخطاب، فيدخل عليه، فَأَجْلَسَهُ عَلَى مُتَّكَئِهِ، فَقَالَ: مَا عَلَى الأَرْضِ أَحَدٌ أَحَقُّ بِهَذَا الْمَجْلِسِ مِنْ هَذَا إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ. قَالَ لَهُ خَبَّابٌ: مَنْ هُوَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: بِلالٌ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ خَبَّابٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! مَا هُوَ بِأَحَقَّ مِنِّي، إِنَّ بِلالًا كَانَ لَهُ فِي الْمُشْرِكِينَ مَنْ يَمْنَعُهُ اللهُ بِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِي أَحَدٌ يَمْنَعُنِي؛ فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمًا أَخَذُونِي وَأَوْقَدُوا لِي نَارًا، ثُمَّ سَلَقُونِي فِيهَا، ثُمَّ وَضَعَ رَجُلٌ رِجْلَهُ عَلَى صَدْرِي، فَمَا اتَّقَيْتُ الأَرْضَ -أَوْ قَالَ: بَرْدَ الأَرْضِ- إِلا بِظَهْرِي. قَالَ: ثُمَّ كَشَفَ عَنْ ظَهْرِهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ بَرِصَ»([11]). أي: صار من أثر النار أبيض كالبرص.
لقد رأى خباب بن الأرت بعينه ما أخبره النبي يوم شكا له،«واللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هذا الأمْرَ، حتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِن صَنْعَاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ، لا يَخَافُ إلَّا اللَّهَ، أَوِ الذِّئْبَ علَى غَنَمِهِ، ولَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ». هذا درس من أنوار الهجرة للمؤمنين المستضعفين.. إن وعد الله حق.
([1]) رواه ابن ماجه (150)، وابن حبان (7083)، والحاكم (5238)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني والأرناءوط.
([2]) رواه البخاري (3612).
([3]) رواه أحمد (1740)، وقال محققوه: إسناده حسن.
([4]) انظر: ابن هشام: السيرة النبوية (1/419)، والطبري: تاريخ الرسل والملوك (2/344-346)، وابن الجوزي: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم (3/13، 14)، وابن الأثير: الكامل في التاريخ (1/685)، وابن سيد الناس: عيون الأثر (1/155)، وابن كثير: البداية والنهاية (3/167)، والبيهقي في الدلائل: (2/415-417).
([5]) الموقف: أي الموسم. انظر: المباركفوري: تحفة الأحوذي (8/195)، وفي رواية النسائي وابن ماجه: «يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى النَّاسِ فِي الْمَوْسِمِ». والمقصود موسم الحج.
([6]) رواه أبو داود (4734)، والترمذي (2925)، والنسائي (7727)، وابن ماجه (201)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (1947).
([7]) رواه أحمد (15229)، وقال محققوه: إسناده صحيح على شرط البخاري رجاله ثقات.
([8]) انظر: ابن هشام: السيرة النبوية (1/424، 425)، والطبري: تاريخ الرسل والملوك (2/349، 350)، وابن حبان: السيرة النبوية (1/93-105)، وأبو نعيم: دلائل النبوة (ص283)، والبيهقي: دلائل النبوة (2/418، 422- 427)، وابن الجوزي: المنتظم (3/16،21)، وابن الأثير: الكامل في التاريخ (1/687)، والذهبي: تاريخ الإسلام (1/286)، وابن كثير: البداية والنهاية (3/170)، والسيرة النبوية (2/157،158).
([9]) رواه البخاري (3612).
([10]) انظر: الذهبي: سير اعلام النبلاء (2/181).
([11]) ابن سعد: الطبقات الكبرى، 3/123، والبلاذري: أنساب الأشراف 1/178، وابن الجوزي: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم 5/138.