
بقلم/ د. محمد جابر علام
كان النبي ﷺ يشرف على إدارة المدينة والمناطق القريبة منها إشرافًا مباشرًا، وكان يُعيّن نائبًا عنه في إدارتها عند خروجـه إلى الجهاد أو الحـجّ، فيصـلي هذا النائب بالنـاس، ويشـرف على تنفيذ متطلبات المتبقين في المدينة، فقد استخلف سعد بن عبادة في غزوة وَدَّان (2هـ)، وسعد بن معاذ في غزوة بواط (2هـ)، وأبا ســــــــلمة في غـــــــــزوة ذي العُشــــــــيرة (2هـ)، وأبا لُبــــــــابة في غزوتي السَّــــــــوِيق وبني قينقاع (2هـ)، وعثمــــــــان بن عفــــــان في غــــــزوات ذي أَمَـرْ، وغَطَفَـان (3هـ)، وذات الرِّقـاع (4هـ)، وسِباع بن عُرفُطة في غزوتي دُومة الجندل (5هـ)، وخيبر (7هـ)، وأبو رُهــــــم بن الحصيب في غــــــزوة فتــــــح مــــــكة (8هـ)، وعلي بن أبي طالــــــب في غــــــزوة تبــــــوك (9هـ)، رضي الله عنهم أجمعين، لكن يبقى أن عـبد الله بن أم مكـتوم رضي الله عنه كـان علـى رأس هؤلاء النواب، وفي مقدمتـهم، فقد أنابه النبي ﷺ عنه ثلاث عشرة مرة([1]).
وكانت (مكة) وحدة إدارية، وتأتى في أهميتها بعد العاصمة، وقد انضمت إلى الدولة الإسلامية في الســـنة الثامــــــنة للهجـــــرة بعد الفــــتح، وعــين عليـــــها النبي ﷺ عَــــتَّاب بن أســـيد بن أبـــي العـــاص رضي الله عنه واليًا عليها([2]). وبقي على إدارتها حتى وفاة الرسول ﷺ، فأقره أبو بكر رضي الله عنه على ولايته حتى وفاته ([3]).
وكانت الطائف – بعد إسلامها (9هـ) – وحدة إدارية، واستعمل النبي ﷺ على إدارتها عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه ، وقد اختير عثمان رضي الله عنه مع صغر سنه، ويعلل ذلك قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه: “يا رسول الله ﷺ إني رأيت هذا الغلام منهم أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم القران” ([4]).
وكانت (اليمن) وحدة إدارية، وكانت قبل الإسلام تتبع فارس، وولي أمرها من قِبَل كسرى باذان بن ساسان، فأسلم وحسن إسلامه وأصبح أهلها جزءًا من رعايا الدولة الإسلامية. فأبقى النبي ﷺ باذان على إدارتها، ولم يشرك معه فيها أحدا حتى وفاته([5])، ثم رأى النبي ﷺ بعد وفاة باذان أن يقسم اليمن إلى عدد من الأقسام الإدارية، فكانت (صنعاء وأعمالها) وحدة إدارية، وجعلها لشَهْر بن باذان، وبعد مقتله تولى إدارتها خالد بن سعيد رضي الله عنه([6])، وكانت (مأرب) وحدة إدارية وجعلها لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وتشمل منطقة زبيـــد وعـــدن ورمـــغ والسـاحل، وكانت (الجند) وحدة إدارية، وجعلها لمعاذ بن جبل رضي الله عنه([7]).
وكانت (نجران) وحدة إدارية جعلها النبي ﷺ لعمرو بن حزم رضي الله عنه، ثم تولى إدارتها بعده أبو سفيان بن حرب رضي الله عنه([8]).
وكانت (حضرموت والصَّدَف) وحدة إدارية، وقد جعلها النبي ﷺ كما يشير البلاذري لزياد بن لبيد رضي الله عنه([9]). وهناك إشارة إلى أن وائل بن حُجْر بن ربيعة رضي الله عنه كان قَيْلًا من أقيال حضرموت، وكان أبوه ملكًا من ملوكهم، وفد على النبي ﷺ، ويقال: إن النبي ﷺ بشّر به قبل قدومه فقال: “يأتيكم وائل بن حجر من أرض بعيدة من حضرموت راغبا في الله ورسوله، وهو بقية أبناء الملوك، فلما دخل عليه رحب به وأدناه من نفسه وقرّبه من مجلسه وبسط له رداءه، ودعا له ولولده، واستعمله على حضرموت، وكتب له كتابا إلى الأقيال والعباهلة”([10]).
أما منطقة (البحرين) فكانت ابتداءً جزاءًا من مملكة فارس، وكان سكانها من العرب واليهود والمجوس، فأرسل النبي ﷺ العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه إلى المنذر بن ساوى يدعوه إلى الإسلام، فأسلم المنذر وحسن إسلامه رضي الله عنه، فأبقاه النبي ﷺ على إدارة البحرين وقال له: “إنك مهما تصلح فلن نعزلك عن عملك، ومن أقام على يهوديته أو مجوسيته فعليه الجزية”([11])، ويشير ابن سعد إلى أن النبي ﷺ استعمل العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه وبعث معه أبا هريرة رضي الله عنه([12])، ويبدو أن المنذر رضي الله عنه كان يدير البحرين وفق النظم الإدارية الموجودة، وكان دور العلاء رضي الله عنه مساعدة المنذر رضي الله عنه في نقل البلاد من النظم السائدة إلى النظم الإدارية وفق تعاليم الدين الجديد التي آمن بها المنذر رضي الله عنه، ومجموعة من أهل البحرين، وكان دور أبي هريرة رضي الله عنه تعليم الناس، وتفقيههم الإسلام وأحكامه.
وقد قام أهل البحرين بشكوى العلاء رضي الله عنه إلى رسول الله ﷺ، ولم تسعفنا المصادر عن طبيعة هذه الشكوى وأسبابها. ولكن النبي ﷺ استجاب لطلبهم، وعزله، واستعمل على إدارتها أبان بن سعيد بن العاص رضي الله عنه([13]).
وأشارت المصادر إلى أن (عُمان) كانت وحـــــدة إدارية جمعها النبـــــي ﷺ لعمـــــرو بن العــــاص رضي الله عنه([14]).
وكـانت هـناك مجموعـة من المناطـق الإدارية الصـغيرة في الجـزيرة، فكانت قُـرى عُرينة (تبوك وخيبر وفدك) وحدة إدارية، واستعمل النبي ﷺ على إدارتها عمرو بن سعيد بن عبد الله بن العاص رضي الله عنه([15])، و(وادي القرى) وكان على إدارتها الحكم بن سعيد بن العاص رضي الله عنه([16])، و(جُرَش) وكان على إدارتهـــــا صُـــــرَد بن عــــبد الله الأزدي رضي الله عنه([17])، و(دُبا) واســــتعمل علـــــى إدارتهــــــا حذيفـــــــة بن اليمــــــان رضي الله عنه([18])، و(الخَطّ) واستعمل على إدارتها أبان بن سعيد بن العاص رضي الله عنه لفترة من الوقت، ثم أرسله واليًا من قِبَله على البحرين([19])، و(وادي العقيق) واستعمل على إدارتها بلال بن الحارث المزني رضي الله عنه([20])، وقد كانت هذه القرى مستقلة قبل الإسلام، ولم تكن تابعة إداريًّا لدولة من الدول المجاورة؛ مما جعل النبي ﷺ يعين لكل واحدة منها واليًا مستقلًّا.
أما القبائل العربية المتناثرة في أنحاء الجزيرة؛ فقد أرسلت وفودًا إلى النبي ﷺ أعلن بعضها الإسلام، وقَبِل البعض الآخر الدخول في حماية المسلمين.


