
بقلم/ د. زين العابدين كامل سيد
تقع إشبيلية على الضفة اليمنى لنهر الوادي الكبير، وهي مدينة كبيرة عظيمة من أعظم مدن الأندلس، وتتميز بموقعها الجغرافي حيث إنها قريبة من البحر، ويطلُّ عليها جبل الشرف، وهو جبل كثير الشجر والزيتون، وسائر الفواكه، وقد تعاقبت عليها العديد من الحضارات مثل: الرومانية، والقوط، وتمثِّل إشبيلية شاهد عيان على عظمة حضارة الإسلام في بلاد الأندلس.
الجذور التاريخية لمدينة إشبيلية:
لقد كانت مدينة إشبيلية قديمًا تعرف باسم: «أشبالي»، وبعد ما دخلها الرومان عام 205 ق. م، صارت تعرف بالاسم اللاتيني: «أشباليس»، وعرَّب المسلمون هذا الاسم الأخير إلى إشبيلية، واشتق الإسبان بدورهم منه الاسم الحالي للمدينة سفيليا sevilla، وكانت قبل دخول المسلمين إلى شبه جزيرة إيبيريا حاضرة لدولة القوط الغربيين.
كانت إشبيلية ضمن المدن التي فتحها المسلمون في أواخر القرن الأول الهجري، والمشهور عند المؤرخين: أن فاتح إشبيلية هو القائد موسى بن نصير، وذلك بعد أن حاصرها لشهور طويلة.
ومِن الباحثين مَن ذكر: أن طارق بن زياد قد فتحها لأول مرَّة صلحًا؛ إذ صالحه أهلها على الجزية، وذلك عام (92هـ/711م)، ولكنها نقضت العهد وغدر أهلها، فاستعاد فتحها موسى بن نصير عام (93هـ/712م)، ثم ثار عجم إشبيلية، وارتدوا، وقاموا على مَن كان فيها مِن المسلمين، وهنا استعاد فتحها من جديد عبد العزيز بن موسى بن نصير عام (94هـ/713م)[1].
وقد اختارها موسى بن نصير لتكون حاضرة لولايته؛ وذلك لقربها من الشاطئ المغربي، حيث توجد قواعد الجيوش الإسلامية، وعندما تولى الحر بن عبد الرحمن الثقفي ولاية الأندلس في نهاية عام (98هـ/771م)، أمر بتحويل العاصمة الأندلسية إلى مدينة قرطبة.
وهنا تحوَّل كثيرٌ من العرب إلى العاصمة قرطبة، وكثر عدد النصارى في إشبيلية باعتبارها المركز الديني لهم منذ عهد القوط الغربيين؛ علمًا بأن كثيرًا من الفاتحين قد قاموا بالزواج من الأندلسيات، ونشأ عن ذلك جيل من الإسبان المسلمين عُرِفوا بالمولَّدين[2]، حتى أصبحوا في نهاية القرن الثالث الهجري يشكِّلون غالبية سكان إشبيلية.
وقد شهدت إشبيلية أزهى عصورها بعد أن نجح صقر قريش في تأسيس الدولة الأموية ببلاد الأندلس، فقد دخلها عبد الرحمن الداخل في بداية رحلته ببلاد الأندلس، وقد اهتم أمراء البيت الأموي بإشبيلية، فقد أنشأ الأمير عبد الرحمن الأوسط مسجدًا جامعًا بإشبيلية في عام (214هـ/829م).
وبعد أن تعرَّضت المدينة لهجمات النورمانديين (الفايكنج) قام بنو أمية بإقامة سور حول المدينة، وأقاموا بها دارًا لصناعة السفن الحربية التي شكَّلت نواة الأسطول الأموي فيما بعد، ثم شهدت المدينة بعض حركات التمرد من بني حجاج، واستطاعوا أن يسيطروا على المدينة؛ إلا أن عبد الرحمن الناصر استطاع بعد أن تولى الإمارة أن يسيطر على الأوضاع، وقد أخضع الثائرين من بني حجاج وأتباع عمر ابن حفصون، وقد نجح في توحيد الأندلس تحت راية خلافته وحكمه.
ثم بعد سقوط الحكم الأموي في الأندلس استطاع المعتمد بن عباد أن يسيطر على مقاليد الأمور في إشبيلية وذلك عام (461 هـ/1069م)، وقد شهدت المدينة ازدهارًا كبيرًا في عهده، وأصبحت إشبيلية أعظم مدن الأندلس، وفي قصور ابن عباد ازدهرت الحركة الأدبية والفنية حتى أضحت إشبيلية قبلة الشعراء والأدباء.
ثم جاءت دولة المرابطين وسيطروا على إشبيلية وقاموا بعزل ملوك الطوائف وذلك عام (484هـ/1091م)، وتم نفي المعتمد إلى بلاد المغرب، ثم جاءت دولة الموحدين بعد انهيار دولة المرابطين، وتصبح إشبيلية عاصمة للدولة الجديدة، وقد بايع أهل إشبيلية عبد المؤمن بن علي قائد الموحدين، وذلك عام (551هـ/1156م).
وقد انهزمت جيوش الموحدين أمام الإسبان في معركة العقاب، وذلك عام (609هـ/1212م)، وقد حاول قائد الموحدين: أبو العلاء إدريس بن أبي يوسف يعقوب، أن يعيد لإشبيلية رونقها ومكانتها التي كانت عليه أيام أبيه المنصور، فقام بتحصينها أمام الخطر الصليبي، حيث أقام برجًا ضخمًا هو برج الذهب، ثم جدَّد أسوار المدينة وشيَّد أمامها سورًا جديدًا يتقدَّمه خندق مائي، وكان ذلك عام (618هـ/1221م).
وفي النهاية استسلمت المدينة، ودخلت جيوش قشتالة إشبيلية عام (646هـ/1248م)، وذلك بعد حصار دام لمدة عام ونصف تقريبًا، وهنا قام فرناندو الثالث بإعادة تجديد حصونها وأسوارها خوفًا من عودة الجيوش المسلمة للمدينة.
وهكذا لعبت إشبيلية دورًا سياسيًّا مهمًّا في كثيرٍ مِن العصور، ولا شك أن هذا يدل على مكانتها وأهميتها.
المعالم الحضارية في إشبيلية:
كانت مدينة إشبيلية في بعض العصور حاضرة الأندلس، وقد ازدهرت فيها الفنون المعمارية، وقد أُنشِئ في المدينة منذ تأسيسها في العصر الإسلامي مسجدان جامعان، وهما:
أولًا: مسجد ابن عُديس، والذي بناه الأمير عبد الرحمن الأوسط عام (213هـ/828م)، وقد تم تحويله إلى كنيسة.
ثانيًا: المسجد الجامع؛ وقد بدأ العمل في تشيده عام (567هـ/1172م)، واستمر العمل لمدة أربع سنوات، وكان يشبه المسجد الجامع في قرطبة من حيث الفخامة، وقد تم هدمه وبناء كنيسة بدلًا منه، وتم تحويل المِئذنة إلى برج لأجراس الكنيسة.
إشبيلية مدينة العلماء:
لقد ذخرت إشبيلية بكثيرٍ مِن العلماء الكبار المعروفين، ومن العلماء الذين عاشوا في إشبيلية أو رحلوا إليها واستوطنوا بها: العلامة الحافظ محدث الأندلس ابن الباجي، وكذلك إمام النحو المعروف الزبيدي صاحب كتاب تاج العروس، والعلامة المحدث المالكي ابن الحذَّاء، وشيخ المقرئين والمحدثين شريح ابن محمد، والشاعر الكبير ابن هانئ، والحافظ العلامة ابن خَلْفُون، والمحدث شهاب الدين اللَّبْلِي.
وأخيرًا: الإمام المحدث محمد بن عبد الله بن العربي، وغير هؤلاء كثير من العلماء والأعلام[3].
[1] ابن عذاري: البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب (2/145)، محمود شيت خطاب: قادة فتح الأندلس (1/158).
[2] المولدون: هم جيل نشأ مسلمًا من سكان الأندلس الأصليين. ابن عذاري: المصدر السابق، المقري: نفح الطيب.
[3] راجع: ابن عذاري: البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، المقري: نفح الطيب، والسيد عبد العزيز سالم: تاريخ المسلمين وآثارهم في الأندلس، وكتاب: المساجد والقصور في الأندلس.



