
· وسائل إثبات الدعوى في عصر النبوة:
فكل دعوى تحتاج في إثباتها إلى بينة، قال ﷺ: “لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لادَّعَى رَجُلٌ أَمْوَالَ قَوْمٍ وَدِمَاءَهُمْ، وَلَكِنِ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ”([1]).
الشهادة:
تأتي في مقدمة وسائل الإثبات، قال تعالى: ﴿وَٱسْتَشْهِدُوا۟ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَىٰهُمَا ٱلْأُخْرَىٰ وَلَا يَأْبَ ٱلشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا۟﴾ [سورة البقرة: 282]، وهذا في جميع حالات القضاء باستثناء حالة الزنا، فتحتاج إلى أربعة شهود، قال تعالى: ﴿وَٱلَّـٰتِي يَأْتِينَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُوا۟ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُوا۟ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوفَّىٰهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: 15]. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا۟ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَـٰنِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا۟ لَهُمْ شَهَـٰدَةً أَبَدًا وَأُو۟لَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ [النور: 4].
وأمر الله تعالى المسلمين بأن يكونوا صادقين في شهاداتهم، وعدَّ شهادة الزور إثمًا عظيمًا، قال تعالى: ﴿يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِٱلْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ ٱعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 8].
وقال سبحانه في وصف عباد الرحمن: ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ ٱلزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا۟ بِٱللَّغْوِ مَرُّوا۟ كِرَامًا﴾ [الفرقان: 72]، وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما (أن رسول الله ﷺ رَدَّ شَهَادَةَ الْخَائِنِ وَالْخَائِنَةِ، وَذِي الْغِمْرِ عَلَى أَخِيهِ، وَرَدَّ شَهَادَةَ الْقَانِعِ لِأَهْلِ الْبَيْتِ وَأَجَازَهَا لِغَيْرِهِمْ) قال أبو داود: الغِمر: الحنة والشحناء، والقانع: الأجير التابع مثل الأجير الخاص([2]).
قال العظيم آبادي: (وذي الغِمر) أي الحقد والعداوة (على أخيه) أي المسلم، فلا تقبل شهادة عدو على عدو سواء كان أخاه من النسب أو أجنبيًا (ورد شهادة القانع لأهل البيت) والمراد به ها هنا أن من كان في نفقة أحد كالخادم والتابع لا تقبل شهادته له، لأنه يجر نفعًا بشهادته إلى نفسه، لأن ما حصل من المال للمشهود له يعود إلى الشاهد، لأنه يأكل من نفقته، ولذلك لا تقبل شهادة من جر نفعًا بشهادته إلى نفسه([3]).
الكتابة:
فقد أمر القرآن الكريم المسلمين بتوثيق عقودهم عن طريق الكتابة، قال تعالى: ﴿يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌۢ بِٱلْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْـًٔا فَإِن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُۥ بِٱلْعَدْلِ وَٱسْتَشْهِدُوا۟ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَىٰهُمَا ٱلْأُخْرَىٰ وَلَا يَأْبَ ٱلشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا۟ وَلَا تَسْـَٔمُوا۟ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰ أَجَلِهِۦ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَـٰدَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا۟ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا۟ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ۚوَإِن تَفْعَلُوا۟ فَإِنَّهُۥ فُسُوقٌۢ بِكُمْ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 282].
وإذا لم يتيسر وجود كاتب لكتابة الدَّيْن، سمح الإسلام للدائن أن يأخذ من المدين رهنًا لضمان تسديد الدين: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا۟ كَاتِبًا فَرِهَـٰنٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أَمَـٰنَتَهُۥ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا تَكْتُمُوا۟ ٱلشَّهَـٰدَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُۥ ءَاثِمٌ قَلْبُهُۥ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 283]، وقال ﷺ عند الكتابة –خاصةً في الوصية–: “مَا حَقُّ امرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلاَّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ”([4]).
الإقرار:
وهو من أقوى وسائل الإثبات، فقد رجم النبي ﷺ ماعز([5]) والغامدية([6]) رضي الله عنهما بناءً على إقرار كل منهما بارتكاب جريمة الزنا.
الفِراسة:
تعرف الفِراسة بأنها مقدرة شخصية على الاستدلال بالأمور الظاهرة على الأمور الخفية([7])، وقد استخدمها النبي ﷺ في إثبات نكوث ابن أبي الحُقَيْق اليهودي في عهده معه في شروط فتح خيبر (7ه)، فقد روى ابن إسحاق رَحِمَهُ اللَّهُ (أنه لما فتح النبي ﷺ خيبر عنوة، وفتح جانبها الآخر صلحًا اشترط عليهم أن لا يكتموا ولا يغيبوا شيئًا، فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد، فغيبوا مِسْكًا (وعاءً) فيه مال وحُلِيّ لُحَيّ بن أخطب، فقال الرسول ﷺ لعم حُيَي بن أخطب: (ما فعل مِسْك حُيَي الذي جاء به من النضير؟) قال: أذهبته النفقات الحروب، فقال: (العهد قريب، والمال أكثر من ذلك)، فدفعه النبي ﷺ إلى الزبير رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فمسَّه بعذاب… فقال: رأيت حُيَيًّا يطوف في خربة هنا، فذهبوا فطافوا فوجدوا المسك في الخربة، فقتل النبي ﷺ ابن أبي الحقيق بالنكيث الذي نكثوا)([8]).
ويعلق ابن القيم رَحِمَهُ اللَّهُ في (زاد المعاد) على هذا الحادث بقوله: (فهاتان قرينتان في غاية القوة: كثرة المال، وقِصَر المدة التي ينفقه كله فيها)، بمعنى أن النبي ﷺ رأى أن الفترة الزمنية بين غزوة بني النضير وفتح خيبر كانت أقصر من أن ينفق فيها حُيَي بن أخطب ماله كله، فاستدل بذلك على أنهم خبأوا هذا المال([9]).
القافة:
وهي معرفة الشبيه بشبهه، ومعرفة أثر الأقدام وتمييزه، وقد استُعملت في إثبات نسب أسامة لأبيه زيد بن حارثة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا([10]).
قال ابن حجر: قال أبو داود: نقل أحمد بن صالح عن أهل النّسب، أنّهم كانوا في الجاهليّة يقدحون في نسب أسامة، لأنّه كان أسود شديد السّواد، وكان أبوه أبيض من القطن، فلمّا قال القائف ما قال مع اختلاف اللون، سرّ النّبيّ ﷺ بذلك، لكونه كافًّا لهم عن الطّعن فيه لاعتقادهم ذلك([11]).
وتقع مسؤولية إثبات الدعوى –بالطبع– على عاتق المـُدَّعِي، فإن عجز عن تقديم وسائل إثبات دعواه –الأدلة–، فله أن يطلب من المـُدَّعى عليه أن يحلف بأن ذمته بريئة من الدعوى، فإن حلف برأت ذمته، وإن رفض ثبتت عليه الدعوى، وقد مر بنا حديث النبي ﷺ: “البينة على المـُدَّعِي، واليمينُ على مَنْ أَنْكَر”([12]).
امتاز القضاء في زمن الرسول ﷺ بالاستقلال، فهو لا يقع تحت أي تأثير من شخص أو سلطة أو عُرْف، ويتضح ذلك من خلال قصة المرأة المخزومية، وذلك.. (أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ المَرْأَةِ المَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: وَمَن يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالُوا: وَمَن يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ”، ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ، ثُمَّ قَالَ: “إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الـضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا”)([13]).
· مكان القضاء ومجلسه:
وكان النبي ﷺ يقضى بين الناس في بيته، فعن أم سلمة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالت: (سمع النبي ﷺ جلبة خِصام عند بابه، فخرج عليهم فقال: …الحديث)، وكان هذا في بيتها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا([14])، وكذلك كان يقضي في المسجد، قال ابن قدامة رَحِمَهُ اللَّهُ: (وكان النبي ﷺ يجلس في مسجده مع حاجة الناس إليه للحكومة والفتيا وغير ذلك)([15])، وقضى كذلك في الطريق، وهو ما جعل البخاري رَحِمَهُ اللَّهُ ترجم في صحيحه بابًا، سمّاه: (باب القضاء والفُتْيا في الطريق)([16]).
· تنفيذ الأحكام في زمن رسول الله ﷺ:
لم يكن هناك جهاز يقوم على متابعة تنفيذ الأحكام، بل كان الخصوم يقومون بذلك بأنفسهم، إلا في القضايا التي تحتاج إلى تنفيذ عقوبات أو حدود، فكان ﷺ يُكَلِّف من يقوم بذلك([17])، كما في قصة العسيف (الأجير) الذي زنى بامرأة الرجل الذي كان يعمل عنده، فعن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني رضي الله عنهما: (إنَّ رَجُلًا مِنَ الأعرابِ أتى رَسولَ اللهِ ﷺ، فقال: يا رَسولَ اللهِ، أنشُدُكَ اللَّهَ إلَّا قَضَيتَ لي بكِتابِ اللهِ، فقال الخَصمُ الآخَرُ، وهو أفقَهُ منه: نَعَم، فاقضِ بينَنا بكِتابِ اللهِ وأْذَنْ لي، فقال رَسولُ اللهِ ﷺ: “قُلْ”، قال: إنَّ ابني كان عَسيفًا على هذا، فزَنى بامرَأتِه، وإنِّي أُخبِرتُ أنَّ على ابني الرَّجمَ، فافتَدَيتُ منه بمِئةِ شاةٍ ووليدةٍ، فسَألتُ أهلَ العِلمِ فأخبَروني أنَّما على ابني جَلدُ مِئةٍ، وتَغريبُ عامٍ، وأنَّ على امرَأةِ هذا الرَّجمَ، فقال رَسولُ ﷺ: “والذي نَفسي بيَدِه لأقضيَنَّ بينَكُما بكِتابِ اللهِ، الوليدةُ والغَنَمُ رَدٌّ، وعلى ابنِكَ جَلدُ مِئةٍ، وتَغريبُ عامٍ، واغدُ يا أُنَيسُ إلى امرَأةِ هذا، فإنِ اعتَرَفَت فارجُمها”. قال: فغَدا عليها، فاعتَرَفَت، فأمَرَ بها رَسولُ اللهِ ﷺ فرُجِمَت)([18]). قال النووي: (إِنَّ ابني كان عَسِيفًا على هذا) أي أَجِيرًا، .. (وأُنَيْسٌ) أُنَيْسٌ هذا صحابيٌّ مشهورٌ، وهو (أُنَيْسُ بْنُ الضَّحَّاكِ الْأَسْلَمِيُّ) معدود في الشاميين، واعلم أن بعث أنيس محمول عند العلماء من أصحابنا وغيرهم على إعلام المرأة بأن هذا الرجل قذفها بابنه فيعرفها بأن لها عنده حد القذف فتطالب به أو تعفو عنه إلا أن تعترف بالزنى فلا يجب عليه حد القذف بل يجب عليها حد الزنى وهو الرجم لأنها كانت محصنة فذهب إليها أنيس فاعترفت بالزنى فأمر النبي ﷺ برجمها فرجمت([19]).
كذلك قام قيس بن سعد بن عبادة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بتنفيذ مجموعة من الحدود بتكليف من رسول الله ﷺ، قال أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إن قيس بن سعد رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كان يكون بين يدي النبي ﷺ بمنزلة صاحب الشرط من الأمير([20]).
قال ابن حجر: (وفي الحديث تشبيه ما مضى بما حدث بعده، لأن صاحب الشرطة لم يكن موجودًا في العهد النبوي عند أحد من العمال، وإنما حدث في دولة بني أمية، فأراد أنس تقريب حال قيس بن سعد عند السامعين؛ فشبهه بما يعهدونه)([21]).
· تنفيذ عقوبة الحبس في بعض القضايا:
كان النبي ﷺ يستخدم السجن أو الحبس في تنفيذ بعض الأحكام، فقد بعث خيلًا قِبَل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال له: ثُمامة بن أُثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد([22]).
وروى ابن إسحاق رَحِمَهُ اللَّهُ أن النبي ﷺ حبس بني قريظة في دار رملة بنت الحارث رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا حتى ضرب أعناقهم([23])، وحبس ﷺ رجلًا في تهمة ثم خلّى عنه([24])، وحبس رجلًا في تهمة يومًا وليلة استظهارًا واحتياطيًا([25]).
ولم يكن السجن للرجال فقط، بل تعدى ذلك إلى النساء، فيروى ابن إسحاق رَحِمَهُ اللَّهُ أن النبي ﷺ أرسل خيلًا تجاه قبيلة طيء، فسَبَت خيله ابنة حاتم الطائي، فجُعلت في حظيرة بباب المسجد، كانت النساء يُحبسن بها([26]).
قال ابن تيمية: “فإن الحبس الشرعي ليس هو السجن في مكان ضيق، وإنما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه؛ سواء كان في بيت أو مسجد، أو كان بتوكيل نفسه الخصم أو وكيل الخصم عليه؛ ولهذا سمَّاه النبي ﷺ أسيرًا كما روى أبو داود وابن ماجه عن الهرماس ابن حبيب عن أبيه عن جده قال: أتيت النبي ﷺ بغريمٍ لي، فقال: (الزمه)، ثم قال: “يا أخا بني تميم، ما تريد أن تفعل بأسيرك”([27])، وفي رواية ابن ماجة؛ ثم مر بي آخر النهار فقال: “ما فعل أسيرك يا أخا بني تميم؟”([28]). وهذا هو الحبس على عهد النبي ﷺ، ولم يكن على عهد النبي ﷺ وسلم وأبي بكر حبسًا معدًا لسجن الناس([29]).
([1]) البخاري: صحيح، ج3 ص335، حديث رقم 4552 & مسلم: صحيح، ص1336 حديث رقم 1711.
([2]) أبو داود: السنن، ص545 حديث رقم 3600 & ابن ماجه: السنن، ص404 حديث رقم 2366.
([3]) العظيم آبادي (محمد شمس الحق): عون المعبود شرح سنن أبي داود، تحقيق: مصطفى شتات وآخرون، المكتبة التوفيقية، القاهرة، د.ت، ج10 ص7.
([4]) البخاري: صحيح، ج2 ص403، حديث رقم 2738 & مسلم: صحيح، ص1249 حديث رقم 1627.
([5]) البخاري: المصدر السابق، ج4 ص411، حديث رقم 6824 & مسلم: المصدر السابق، ص1321 حديث رقم 1695.
([6]) مسلم: المصدر نفسه & أبو داود: السنن، ص663 حديث رقم 4440.
([7]) التهانوي (محمد علي): موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم والحكم، ترجمة: عبد الله الخالدي، تحقيق: علي دحروج، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت 1996م، ج2 ص222.
([8]) الصالحي: سبل الهدى والرشاد، ج5 ص132 & ابن هشام: السيرة النبوية، ج3 ص312.
([9]) ابن القيم: الطرق الحكيمة، ص8، 9.
([10]) البخاري: صحيح، ج4 ص395، حديث رقم 6770، 6771.
([11]) ابن حجر: فتح الباري، ج12 ص79.
([13]) البخاري: صحيح، ج2 ص705، حديث رقم 3475 & مسلم: صحيح، ص1315 حديث رقم 1688.
([14]) البخاري: المصدر السابق، ج2 ص269، حديث رقم 2738.
([15]) ابن قدامة: المغني، ج10 ص96.
([16]) البخاري: المصدر السابق، ج4 ص530، كتاب الأحكام.
([17]) سعود آل دريب: التنظيم القضائي في المملكة العربية السعودية على ضوء الشريعة الإسلامية ونظام السلطة القضائية ص167 نقلًا عن محمد علي الهاشمي: مفاخر القضاء الإسلامي كما يجليها الإسلام في الكتاب والسنة.
([18]) البخاري: صحيح، ج4 ص429، حديث رقم 6860 & مسلم: صحيح، ص1324 حديث رقم 1697.
([19]) النووي: شرح صحيح مسلم، ج11 ص210.
([20]) البخاري: صحيح، ج4 ص531، حديث رقم 7155 & الترمذي: السنن، ص866 حديث رقم 3850 & ابن حجر: الإصابة، ج3 ص1634.
([21]) ابن حجر: فتح الباري، ج13 ص194، 195.
([22]) البخاري: صحيح، ج3 ص264، حديث رقم 4372 & مسلم: صحيح، ص1386 حديث رقم 1764 & ابن هشام: السيرة النبوية، ج3 ص260.
([23]) ابن هشام: السيرة النبوية، ج3 ص209.
([24]) أبو داود: السنن، ص550، حديث رقم 3630.
([25]) الحاكم النيسابوري: المستدرك على الصحيحين، ج5 ص139، حديث رقم 7146.
([26]) ابن هشام: السيرة النبوية، ج4 ص204 & الكتاني: التراتيب الإدارية، ج1 ص300.
([27]) أبو داود: السنن، ص550، حديث رقم 3629.
([28]) ابن ماجه: السنن، ص414، حديث رقم 2428.
([29]) ابن تيمية: الفتاوى الكبرى، مقصود الحبس في الشرع، ج35 ص399.
